الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > الشرط الثاني: رضا المضمون له
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةواستدلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - أنَّ الناسَ تَتفاوتُ في استيفاءِ حُقوقِهم تَشديدًا وتَسهيلًا، يَعني: إنْ كان طَلبُه لِحقِّه ولدَينِه على وَجهِ السُّهولةِ، يَضمَنُ، وإنْ كان على وَجهِ الشِّدةِ لا يَضمَنُ (١).
٢ - أنَّ الضَّمانَ في حَقِّ الطالِبِ بمَنزِلةِ البَيعِ، والمَضمونَ له كالبائِعِ؛ لأنَّه تَملُّكُ ما في ذِمَّةِ المَضمونِ عنه مِنَ الضامِنِ، فلا بُدَّ مِنَ التَّعيينِ، ولا يَصحُّ بدونِ قَبولِ المُشتري، وقَبولُه يَستلزِمُ تَعيُّنَه، فكانت جَهالةُ الطالِبِ -وهو المَضمونُ له- مانِعةً لِجَوازِها، أي: مانِعةً لِجوازِ الضَّمانِ، كجَهالةِ المُشتَري المانِعةِ لِلبَيعِ (٢).
٣ - يُشترَطُ مَعرِفتُه لِيَعلمَ الضامِنُ، هل المَضمونُ له أهلٌ لِإسداءِ الجَميلِ إليه أو لا (٣).
الشَّرطُ الثاني: رِضا المَضمونِ له:
أي: هل يُشترطُ رِضا المَضمونِ له أو لا؟
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في المَضمونِ له، هل يُشترطُ رِضاه أو لا؟ على قولَيْن:
(١) «أسنى المطالب» (٢/ ٢٣٦)، «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٣٧)، و «حاشية قليوبي» (٢/ ٤٠٥)، ويُنظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٩٨).
(٢) «فتح القدير» (٧/ ١٨٤).
(٣) «حاشية الروض المربع» (٦/ ٤٣٣)، و «أحكام القرآن» (١٠٩٨)، و «المجموع» (١٣/ ١٦٣).
القَولُ الأولُ: لا يُشترطُ رِضا المَضمونِ له، وهو أحَدُ قولَيْ أبي يُوسُفَ (١) وهو قَولُ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣).
قال الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ولا يُشترطُ رِضا المَضمونِ له على الأصحِّ، وهو قَولُ الأكثَرينَ (٤)؛ لأنَّ الضَّمانَ لا يَضرُّه؛ إذْ هو التِزامٌ يَزيدُ دَينَه تَأكيدًا (٥).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يُعتبَرُ رِضا المَضمونِ له (٦)؛ لأنَّه التِزامٌ لا مُعاوضةَ فيه، بل هو تَبرُّعٌ مِنَ الكَفيلِ، فاعتُبِر رِضاه وَحدَه (٧).
وذلك لِحَديثِ ضَمانِ أبي قَتادةَ رضي الله عنه دَينَ الميِّتِ، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الحَديثِ -كما يَقولُ الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ- أنَّه لَم يُنقَلْ قَبولُ الطالِبِ (٨). فهو دَليلٌ على عَدمِ قَبولِه منه، ولأنَّه لو طُلِب منه لَنُقِل إلينا، وعَدمُ طَلبِ قَبولِه دَليلٌ على عَدمِ اشتِراطِ رِضاه.
(١) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٥، ٣٥٦).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٠)، و «المهذب» (١/ ٣٤٠)، و «الفتاوى الفقهية الكبرى» لابن حجر الهيثمي (٣/ ٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٤)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٢٤٤).
(٣) «المغني» (٦/ ٣١٤)، و «الروض المربع» (٦/ ٤٣٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٦٦).
(٤) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٠).
(٥) «تكملة المجموع» للمطيعي (١٣/ ١٦٦).
(٦) «المغني» (٦/ ٣١٤)، «منتهى الإرادات» (٢/ ١٤٨).
(٧) «الروض المربع» (٦/ ٤٣٤).
(٨) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٥).
وقال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: وفيه -أي: الحَديثِ- مِنَ الفِقهِ إلزامُه ﷺ الكَفيلَ الكَفالةَ بغَيرِ قَبولٍ مِنَ المَكفولِ له (١).
ولأنَّ الضَّمانَ وَثيقةٌ لا يُعتبَرُ فيها قَبضٌ، صَحَّت مِنْ غَيرِ رِضاه كالشَّهادةِ (٢).
ولأنَّ الضَّمانَ: هو التِزامُ ما على الأصيلِ شَرعًا، وليس تَمليكًا، فصحَّ بإيجابٍ مِنَ الضامِنِ وَحدَه، فأشبَهَ النَّذرَ (٣).
ولأنَّ المَريضَ إذا قال عندَ مَوتِه لِوَرثتِه: «اضمَنوا عنِّي ما علَيَّ مِنَ الدَّينِ لِغُرمائي»، وهُم غُيَّبٌ، فضَمِنوا ذلك، فهو جائِزٌ ولا يَلزمُهم استِحسانًا (٤).
القَولُ الثاني: يُشترطُ رِضا المَضمونِ له، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (٥) وأبي علِيٍّ الطَّبريِّ مِنَ الشافِعيَّةِ (٦).
(١) «شرح مشكل الآثار» (١٠/ ٣٣٣).
(٢) «المغني» (٦/ ٣١٤)، و «البيع» (١٣٥١).
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٥).
(٤) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٥)، و «فتح القدير» (٧/ ٢٠٢)، و «المغني» (٦/ ٣١٤). و «اختلاف الفقهاء» (١/ ٢٣٢)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٥٩)، و «تحفة العلماء» (٣/ ٢٤١).
(٥) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٥)، و «فتح القدير» (٧/ ٢٠١)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٤٤٦)، و «البحر الرائق» (١٧/ ٢٠٨).
(٦) «المهذب» (١/ ٣٤٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الشرط
فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.
وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.