الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > المسألة الرابعة: ضمان المعرفة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالمَسألةُ الرابِعةُ: ضَمانُ المَعرِفةِ
ضَمانُ المَعرِفةِ: مِثلَما لو جاء رَجُلٌ يَستدينُ مِنْ إنسانٍ، فقال: «أنا لا أعرِفُك فلا أُعطيك»، فجاء رَجلٌ آخَرُ وقال: «أنا ضامِنٌ لكَ مَعرِفتَه» (١).
اختلَف العُلماءُ في ضَمانِ المَعرِفةِ هل يَصحُّ أو لا؟ على قَولَيْن:
القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الحَنفيَّةِ: أنه لا تَصحُّ الكَفالةُ بضَمانِ المَعرِفةِ فَقطْ دونَ ضَمانِ إحضارِه، فلو قال الكَفيلُ: أنا ضامِنٌ لِمَعرِفتِه دونَ إحضارِه، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ مُوجِبَ الكَفالةِ التَّسليمُ، وليس المَعرِفةَ.
وكذلك لو قال الضامِنُ: أنا ضامِنٌ أنْ تَلتَقيا أو تَجتَمِعا، فهو باطِلٌ؛ لأنَّ التِقاءَهما أو اجتِماعَهما مِنْ فِعلِهما، ولا يَكونُ الإنسانُ ضامِنًا لِفِعلِ غَيرِه (٢).
القَولُ الثاني: وهو قَولُ الحَنابِلةِ: يَصحُّ ضَمانُ المَعرِفةِ: فلو قال الضامِنُ: «ضمِنتُ لكَ مَعرِفتَه»، صحَّ الضَّمانُ وأُخِذَ به، فكأنَّه قال له: «ضمِنتُ لكَ حُضورَه متى أردْتَ»، لأنَّك لا تَعرِفُه (٣).
(١) «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٣٠).
(٢) «المبسوط» (١٩/ ١٧٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٤٢١)، و «اختلاف الفقهاء» (١/ ٢٣٥)، و «فتح القدير» (٧/ ١٦٧)، و «بدائع الصانع» (٧/ ٣٦٩)، و «تبين الحقائق» (٤/ ١٤٨)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٢٥٦).
(٣) «الإنصاف» (٨/ ٤٢١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ١٣٠)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٣١٥).
ولا خِلافَ بينَ الأحنافِ والحَنابِلةِ أنَّهم مُتَّفِقون على الالتِزامِ بإحضارِ المَطلوبِ وتَسليمِه؛ فإذا لَم يُسلِّمْه مع حياتِه لَزِمه ما عليه.
فقد جاء في «كَشافِ القِناعِ» لِلبُهوتيِّ رحمة الله عليه: قال الشَّيخُ التَّقيُّ في ششَرحِ المُحرَّرِ﴾: ضَمانُ المَعرِفةِ مَعناه أنِّي أُعرِّفُك مَنْ هو، ومِن أينَ هو، وقال ابنُ عَقيلٍ: وهذا يُعطي أنَّ أحمدَ جعَل ضَمانَ المَعرِفةِ تَوثِقةً لِمَنْ له المالُ، فكأنَّه قال: «ضمِنتُ لك حُضورَه متى أردتَ؛ لأنَّكَ أنتَ لا تَعرِفُه، ولا يُمكِنُك إحضارُ مَنْ لا تَعرِفُه، فأنا أعرِفُه فأُحضِرُه لك متى أردتَ»، فصارَ كقَولِه: «كَفَلتُ لك ببَدنِه». انتهى.
فيُطالَبُ ضامِنُ المَعرِفةِ بإحضارِه؛ فإنْ عجَز عن إحضارِه لَزِمه ما عليه لِمَنْ ضمِن مَعرِفتَه له (١).
(١) «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٥).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)
(كِتَابُ الضَّمَانِ)
تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -
(مسألة)
قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .
قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان
بابُ الضَّمانِ
٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)
الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات
جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.
وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.
وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.
ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.