البيع في المسجد

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > البيع في المسجد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

البيع في المسجد - الأقوال والأدلة

البَيعُ في المَسجِدِ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المَساجِدَ يَنبَغي أنْ تُصانَ عن البَيعِ والشِّراءِ؛ لأنَّ المَساجِدَ إنَّما اتُّخِذَتْ لِذِكرِ اللَّهِ ، وتِلاوةِ القُرآنِ والصَّلاةِ، وإنَّما يَجوزُ فيها مِنْ البَيعِ والشِّراءِ وسائِرِ أُمورِ الدُّنيا ما يَكونُ بمَعنَى تَعليمِ النَّاسِ والتَّنبيهِ لَهم على الِاحتِراسِ مِنْ مُواقَعةِ الحَرامِ ومُخالَفةِ السُّنَنِ، والمَوعِظةِ في ذلك.

وقد اتَّفق العُلماءُ على أنَّ غيرَ المُعتكِفِ مَنهيٌّ عن البَيعِ والشِّراءِ في المَسجِدِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «إذا رَأيتُم مَنْ يَبيعُ أو يَبتاعُ في المَسجِدِ فقولوا: لا أربَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ. وإذا رَأيتُم مَنْ يَنشُدُ فيه الضَّالَّةَ فقولوا: لا رَدَّها اللَّهُ عليكَ» (١).

وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ عن الشِّراءِ والبَيعِ في المَسجِدِ، وأنْ تُنشَدَ فيه الأشعارُ، وأنْ تُنشَدَ فيه الضَّالَّةُ، وعنِ الحَلقِ يَومَ الجُمُعةِ قبلَ الصَّلاةِ» (٢).

إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا في هذا النَّهيِ، هل هو نَهيُ كَراهةٍ أو نَهيُ تَحريمٍ؟

فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى كَراهةِ البَيعِ والشِّراءِ في المَسجِدِ لِغيرِ المُعتكِفِ، ولا يَحرُمُ؛ لِلعُموماتِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٣٢١)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٠٠٤)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤٦٣)
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الأمام أحمد (٦٦٧٦)، وأبو داود (١٠٧٩)، والنسائي (٧١٤).

الوارِدةِ في البَيعِ والشِّراءِ مِنْ الكِتابِ الكَريمِ والسُّنةِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ المَسجِدِ وغيرِه.

وأمَّا الحَديثُ فمَحمولٌ على اتِّخاذِ المَساجِدِ مَتاجِرَ كالسُّوقِ يُباعُ فيها وتُنقَلُ الأمتِعةُ إليها، أو يُحمَلُ على النَّدبِ والِاستِحبابِ؛ تَوفيقًا بينَ الدَّلائِلِ بقَدْرِ الإمكانِ.

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ البَيعُ والشِّراءُ على الإطلاقِ؛ لِلنَّهيِ الوارِدِ في ذلك عنِ النَّبيِّ .

ثم اختَلَفوا أيضًا: هلِ البَيعُ صَحيحٌ أو باطِلٌ؟

فقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ ما عُقِدَ مِنْ البَيعِ في المَسجِدِ لا يَجوزُ نَقضُه، إلَّا أنَّ المَسجِدَ يَنبَغي أنْ يُجنَّبَ جَميعَ أُمورِ الدُّنيا، ولِذلك بَنَى عمرُ بنُ الخطَّابِ البَطحاءَ خارِجَ المَسجِدِ (١).

لكنَّ نَقْلَ هذا الإجماعِ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الحَنابِلةَ قالوا في أصَحِّ القَولَيْنِ: البَيعُ باطِلٌ (٢).

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٢/ ١٠٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٧)، و «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٥٨)، و «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٩٨)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٥١)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٢٧)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٧١)، و «منح الجليل» (٨/ ٩٠)، و «الحاوي الكبير» (٣/ ٤٩٣)، و «المجموع» (٢/ ٢٠٠، ٢٠١)، و (٦/ ٥١٧)، و «المغني» (٤/ ١٤٨)، و «الفروع» (٤/ ٧٧)، و «المبدع» (٣/ ٨٢)، و «فتح الباري» لابن رجب (٢/ ٥٢٥)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٨٥، ٣٨٦)، و «الإفصاح» (١/ ٣٤٨)، و «نيل الأوطار» (٢/ ١٦٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز

بَابُ بَيْعِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يجوز

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الكاهن (قال الشافعي) وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ " قَالَ وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ وَلَوْ جَازَ ثَمَنُهُ جَازَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ. بَيْعُ الْكَلْبِ باطل وثمنه حرام ولا قيمة على متلفه بِحَالٍ سَوَاءً كَانَ مُنْتَفِعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفِعٍ بِهِ.

وَقَالَ أبو حنيفة: بَيْعُ الْكَلْبِ جَائِزٌ وَثَمَنُهُ حَلَالٌ وَالْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ وَاجِبَةٌ سَوَاءً كَانَ مُنْتَفِعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفِعٍ بِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ وَثَمَنُهُ لَا يَحِلُّ لَكِنْ عَلَى قَاتِلِهِ الْقِيمَةُ.

وَاسْتَدَلُّوا على ذلك برواية الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالْهِرِّ إِلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ. فَجَوَّزَ ثَمَنَ الْكَلْبِ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع

إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.

(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.

(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.

(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 440 - 441

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر