الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > الخلاف بين الفقهاء في وقت تقدير قيمة المبيع بيعا فاسدا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةفيُشترَطُ لِإفادةِ البَيعِ فاسِدِ المِلْكِ شَرطانِ:
أحَدُهما: القَبضُ؛ فلا يثبُتُ المِلْكُ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّه واجِبُ الفَسخِ؛ رَفعًا لِلفَسادِ، وفي وُجوبِ المِلْكِ قبلَ القَبضِ تَقرُّرُ الفَسادِ.
والآخَرُ: أنْ يَكونَ القَبضُ بإذْنِ البائِعِ؛ فإنْ قبَض بغيرِ إذْنٍ لا يثبُتُ المِلْكُ (١).
الخِلافُ بينَ الفُقهاءِ في وَقتِ تَقديرِ قِيمةِ المَبيعِ بَيعًا فاسِدًا:
عندَ جُمهورِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ تَجِبُ القِيمةُ يَومَ القَبضِ؛ وذلك لأنَّه يَدخُلُ في ضَمانِه، لا مِنْ يَومِ العَقدِ؛ لأنَّ ما يُضمَنُ يَومَ العَقدِ هو العَقدُ الصَّحيحُ.
وذهَب الحَنابِلةُ ومُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ مِنْ الحَنفيَّةِ وهو وَجْهٌ لِلشافِعيَّةِ إلى أنَّه تُعتبَرُ قِيمَتُه يَومَ الإتلافِ أو الهَلاكِ؛ لأنَّ بهما يَتقرَّرُ الضَّمانُ، كما يَقولُ مُحمَّدٌ.
وعَلَّلَه الحَنابِلةُ بأنَّ قَبْضَه بإذْنِ مالِكِه، فأشبَهَ العاريةَ، وهي مَضمونةٌ عندَهم. والمَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ اعتِبارُ أقصى القِيمةِ؛ في المُتقوَّمِ مِنْ وَقتِ القَبضِ إلى وَقتِ التَّلَفِ.
وهذا أيضًا وَجْهٌ ذكَره الحَنابِلةُ في الغَصبِ، وفي ذلك يَقولُ ابنُ قُدامةَ
(١) يُنظر: «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٠٥)، و «الاختيار» (٢/ ٢٦، ٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٧١، ٧٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٥٧، ٥٨)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٥٢، ٥٥)، و «اللباب» (١/ ٣٧٧، ٣٧٩)، «مجمع الضمانات» (٤٧٩)، و «الهداية وشروحها» (٦/ ٤٥/ ٩٦)، و «الدر المختار» (٤/ ١٢٥).
رحمة الله عليه: فإنْ تلِف المَبيعُ في يَدِ المُشتَرِي فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه يَومَ التَّلَفِ، قاله القاضي، ولأنَّ أحمدَ نصَّ عليه في الغَصبِ، ولأنَّه قبَضه بإذْنِ مالِكِه، فأشبَهَ العاريةَ، وذكَر الخِرَقيُّ في الغَصبِ أنَّه يَلزَمُه قِيمَتُه أكثَرَ ما كانَتْ؛ فيَخرُجُ ههُنا كذلك، وهو أوْلَى؛ لأنَّ العَينَ كانَتْ على مِلكِ صاحِبِها في حالِ زيادَتِها، وعليه ضَمانُ نَقْصِها مع زيادَتِها، فكذلك في حالِ تَلَفِها؛ كما لو أتلَفَها بالجِنايةِ، ولِأصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ، كالمَذهبَيْنِ (١).
وفي رَأيٍ آخَرَ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ المَبيعَ يَكونُ أمانةً عندَ المُشتَرِي، لا يُضمَنُ إلَّا بالتَّعَدِّي أو التَّفريطِ في الحِفظِ.
وفي ذلك يَقولُ الكاسانيُّ الحَنَفيُّ رحمة الله عليه: إذا باعَ مالًا بما ليسَ بمالٍ حتى بطَل البَيعُ فقبَض المُشتَرِي المالَ بإذْنِ البائِعِ، هل يَكونُ مَضمونًا عليه أو يَكونُ أمانةً؟ اختلَف المَشايِخُ فيه:
قالَ بَعضُهم: يَكونُ أمانةً؛ لأنَّه مالٌ قبَضه بإذْنِ صاحِبِه في عَقدٍ وُجدَ صُورةً، لا مَعنًى، فالتَحَقَ العَقدُ بالعَدَمِ، وبَقيَ إذْنُه بالقَبضِ، وقالَ بَعضُهم: يَكونُ مَضمونًا عليه؛ لأنَّ المَقبوضَ على حُكمِ هذا البَيعِ لا يَكونُ دونَ المَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، وذلك مَضمونٌ، فهذا أوْلَى (٢).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٢٥)، و «مجمع الضمانات» (٤٧٦)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٦٢)، و «كفاية الطلب» (٢/ ١٤٨)، و «جواهر الإكليل» (٢/ ٢٧)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٧١)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٣٦)، و «حاشية الجمل» (٣/ ٨٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٨٦/ ٨٧)، و «المغني مع الشرح» (٥/ ٦٠٨/ ٦٠٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٩٨)، و «بلغة السالك» (٣/ ٦٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٠٥)، و «ابن عابدين» (٤/ ١٠٥)، و «درر الحكام» (١/ ٣٣٤) المادة (٣٧٠)، وكتابي «الجامع لأحكام الكفالة والضمانات على المذاهب الأربعة» (٢/ ٣١٨).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجزء الثاني أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة
وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الْبُيُوعِ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَقْدِ وَحَالِ الْعَقْدِ; وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَلَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا بِمَثْمُونٍ، أَوْ ثَمَنًا بِعَيْنٍ، فَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ سُمِّيَ صَرْفًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا بِمَثْمُونٍ سُمِّيَ بَيْعًا مُطْلَقًا وَكَذَلِكَ مَثْمُونًا بِمَثْمُونٍ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا بِذِمَّةٍ سُمِّيَ سَلَمًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ سُمِّيَ بَيْعَ خِيَارٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُرَابَحَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُرَابَحَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُزَايَدَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُزَايَدَةٍ.
الْجُزْءُ الثَّانِي أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُحَرَّمَةِ الْبَيْعِ
; الْجُزْءُ الثَّانِي إِذَا اعْتُبِرَتِ الْأَسْبَابُ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا وَرَدَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ فِي الْبُيُوعِ، (وَهِيَ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةُ) وُجِدَتْ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمَبِيعِ. وَالثَّانِي: الرِّبَا. وَالثَّالِثُ: الْغَرَرُ. وَالرَّابِعُ: الشُّرُوطُ الَّتِي تَئُولُ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا.
وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أُصُولُ الْفَسَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ فِيهَا الْبَيْعُ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعٌ لَا لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.