الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الدين بالدين أو بيع الكالئ بالكالئ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةعنه، ولو جازَتْ لَوجَب أنْ يَكونَ مَعلومَ المِقدارِ، كما في الإجارةِ (١).
بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، أو بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ:
الدَّينُ هو: عِبارةٌ عن مالٍ حُكميٍّ يَحدُثُ في الذِّمَّةِ ببيعٍ أو استِهلاكٍ، أو غيرِهما (٢).
أو هو: ما يثبُتُ في الذِّمَّةِ مِنْ مالٍ بسَبَبٍ يَقتَضي ثُبوتَه.
وقد اختَلَفتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الدَّيْنِ، إلَّا أنَّ الجامِعَ بينَ هذه العِباراتِ هو حَقيقةٌ واحِدةٌ، وهي أنَّ الدَّيْنَ يَعني: الأموالَ المُؤجَّلةَ في الذِّمَمِ، كثَمَنِ مَبيعٍ، وبَدَلِ قَرضٍ، ومَهرٍ بعدَ دُخولٍ بالمَرأةِ، أو قبلَ الدُّخولِ بها، وأُجرةٍ مُقابِلَ مَنفَعةٍ، وأرشِ جِنايةٍ، وغَرامةِ مُتلَفٍ، وعِوَضِ خُلعٍ، ومُسلَّمٍ فيه.
وعلى هذا فمَعنَى بَيعِ الدَّينِ: مُبادَلةُ الأموالِ المُؤجَّلةِ في الذِّمَمِ بغيرِها.
وبَيعُ الدَّينِ إمَّا أنْ يَكونَ لِمَنْ في ذِمَّتِه الدَّينُ، أو لِغيرِ مَنْ عليه الدَّيْنُ.
وفي كُلٍّ مِنْ الحالَتَيْنِ إمَّا أنْ يُباعَ الدَّيْنُ نَقدًا في الحالِ، أو نَسيئةً مُؤجَّلًا.
وبَيعُ الدَّينِ نَسيئةً: هو ما يُعرَفُ ببَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ، أي: الدَّيْنِ بالدَّينِ، وهو بَيعٌ مَمنوعٌ شَرعًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ (٣)،
(١) «المغني» (٤/ ١٦١)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٢٥)، وينظر: المصادر السابقة.
(٢) الأشباه والنظائر ص (٣٥٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: أخرجه الدارقطني (٣١٩) قال ابن عرفة: تلقِّي الأئمَّةِ هذا الحَديثِ بالقَبولِ يُغني عن طلبِ الإسنادِ فيهِ كمَا قالوا في «لا وصيَّةَ لوارثٍ»، و «المختصر الفقهي» (٥/ ٢٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٦٧).
وهو بَيعُ ما في الذِّمَّةِ بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ لِمَنْ هو عليه، وكذا في حالِ لَم يَقبِضْ قبلَ التَّفرُّقِ، وجَعْلِه رَأْسَ مالِ سَلَمٍ.
وبَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ هو: بَيعُ النَّسيئةِ بالنَّسيئةِ.
قالَ أبو عُبَيدٍ: صُورَتُه: أنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ الدَّراهِمَ في طَعامٍ إلى أجَلٍ؛ فإذا حَلَّ الأجَلُ يَقولُ الذي عليه الطَّعامُ: ليسَ عِندي طَعامٌ، ولكنْ بِعْني إيَّاه إلى أجَلٍ؛ فهذه نَسيئةٌ انقَلَبَتْ إلى نَسيئةٍ؛ فلَو قبَض الطَّعامَ، ثم باعَه مِنه أو مِنْ غيرِه، لَم يَكُنْ كالِئًا بكالِئٍ (١).
ولا يَخرُجُ المَعنَى الشَّرعيُّ عن المَعنَى اللُّغَويِّ؛ إذ هو بَيعُ الدَّينِ بالدَّينِ كما تَقدَّمَ.
وقد أجمَعَ العُلماءُ على عَدَمِ جَوازِ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ نَسيئةً، سَواءٌ أكانَ البَيعُ لِلمَدينِ، أو لِغيرِ المَدينِ.
ومِثالُ الأوَّلِ -وهو بَيعُ الدَّينِ لِلمَدِينِ-: أنْ يَقولَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرَيتُ مِنْكَ مُدًّا مِنْ الحِنطةِ بدِينارٍ على أنْ يَتِمَّ تَسليمُ العِوَضَيْنِ بعدَ شَهرٍ مَثَلًا.
أو أنْ يَشتَريَ شَخصٌ شَيئًا إلى أجَلٍ؛ فإذا حَلَّ الأجَلُ، لَم يَجِدِ المُشتَرِي ما يَقضي به دَيْنَه؛ فيَقولَ المُشتَرِي: بِعْني هذا الشَّيءَ إلى أجَلٍ آخَرَ بزِيادةِ شَيءٍ؛ فيَبيعَه ولا يَجري بينَهما تَقابُضٌ؛ فيَكونَ هذا رِبًا حَرامًا؛ تَطبيقًا لِقاعِدةِ: (زِدْني في الأجَلِ، وأزيدُكَ في القَدْرِ).
أمَّا لو باعَ الدَّينَ بنَحوٍ آخَرَ، كأنْ يَبيعَه الألْفَ الذي له في ذِمَّتِه بمَتاعٍ،
(١) المصباح المنير (٢/ ٥٤٠).
كسَجَّادةٍ مَثَلًا، أو بقَدْرٍ مِنْ المالِ يَدفَعُه مَنْ عليه الدَّينُ، يَصحُّ البَيعُ؛ لأنَّه في مَعنَى الصُّلحِ.
ومِثالُ بَيعِ الدَّينِ لِغيرِ المَدِينِ: أنْ يَقولَ رَجُلٌ لِغيرِه: بِعتُكَ العِشرينَ مُدًّا مِنْ القَمحِ التي لي عندَ فُلانٍ بكَذا، تَدفَعُها لي بعدَ شَهرٍ، أو بسِلعةٍ حاضِرةٍ (عَينٍ)، لَم يَصحَّ البَيعُ؛ لعَدمِ القُدرةِ على تَسليمِ المَبيعِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَيعَ الدَّينِ بالدَّينِ لا يَجوزُ.
وقالَ أحمدُ: إنَّما هو إجماعٌ (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: قالَ أحمدُ: لَم يَصحَّ فيه حَديثٌ، ولكنْ هو إجماعٌ، وهذا مِثلُ أنْ يُسلِفَ إلَيه شَيئًا مُؤجَّلًا في شَيءٍ مُؤجَّلٍ؛ فهذا هو الذي لا يَجوزُ بالإجماعِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: «لا يَجوزُ نَسيئةً بنَسيئةٍ، بأنْ يَقولَ: بِعْني ثَوبًا في ذِمَّتي بصِفةِ كذا إلى شَهرِ كذا بدِينارٍ مُؤجَّلٍ، إلى وَقتِ كذا، فيَقولَ قَبِلتُ، وهذا فاسِدٌ بلا خِلافٍ (٣).
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: إنَّما ورَد النَّهيُ عن بَيعِ الكالِئِ بالكالِئِ، -والكالِئُ هو المُؤخَّرُ الذي لَم يُقبَضْ، كما لو أسلَمَ في شَيءٍ في الذِّمَّةِ
(١) «المغني» (٤/ ٥١)، و «الإجماع» (٩٢).
(٢) «نظرية العقد» لابن تيمية ص (٢٣٥).
(٣) «المجموع» (٩/ ٣٨٦).
وكِلاهُما مُؤخَّرٌ- فهذا لا يَجوزُ بالِاتِّفاقِ، وهو بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ (١).
وقالَ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الكالِئِ بالكالِئِ، وهو بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ (٢).
وقالَ ابنُ جُزَيٍّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ، مثلَ أنْ يَبيعَ دَيْنًا له على رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ بالتَّأخيرِ، وكذلك فَسخُ الدَّينِ بالدَّينِ، مثلَ أنْ يَدفَعَ الغَريمُ لِصاحِبِ الدَّينِ ثَمَرةً يَجنيها، أو دارًا يَسكُنُها؛ لِتأخُّرِ القَبضِ في ذلك.
وكذلك إنْ باعَ الدَّينَ مِنْ الغَريمِ بالتَّأخيرِ (٣).
وأجازَ جُمهورُ الفُقهاءِ بَيعَ الدَّينِ لِمَنْ عليه الدَّينُ، أو هِبتَه له؛ لأنَّ المانِعَ مِنْ صِحَّةِ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ هو العَجزُ عن التَّسليمِ، ولا حاجةَ إلى التَّسليمِ هَهُنا؛ فما في ذِمَّةِ المَدِينِ مُسلَّمٌ له.
ومِثالُه: أنْ يَبيعَ الدَّائِنُ لِلمَدِينِ دَينًا له في ذِمَّتِه بدَينٍ آخَرَ مِنْ غيرِ جِنسِه؛ فيَسقُطَ الدَّينُ المَبيعُ، ويَجِبُ عِوَضُه؛ لأنَّه في مَعنَى الصُّلحِ، وهو جائِزٌ، ويَدلُّ عليه حَديثُ ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ، فقُلتُ: إنَّي أبيعُ الإبِلَ بالبَقيعِ؛ فأبيعُ بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبيعُ بالدَّراهِمِ فآخُذُ
(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ٨)، ويُنظر: و «المغني» (٤/ ٩٥)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٤)، و «المبدع» (٤/ ١٥٠)، و «كشف المخدرات» (١/ ٣٩٨، ٣٩٩).
(٢) «جواهر العقود» (١/ ٦٢).
(٣) «القوانين الفقهية» (١/ ١٩١).
الدَّنانيرَ؛ فقالَ ﷺ: «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَ بسِعرِ يَومِها ما لَم تَفتَرِقا وبينَكما شَيءٌ» (١).
فهذا البَيعُ بينَ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ بَيعٌ لِلدَّينِ بعَينٍ مِمَّنْ عليه الدَّيْنُ، لأنَّ قَولَه: أبيعُ بالدَّنانيرِ، أي: دَيْنًا؛ لأنَّه لَم يَقبِضْهما، ثم أستَبدِلُ بها دَراهِمَ أقبِضُها.
وأمَّا إنْ باعَه لِغيرِ مَنْ هو عليه فباطِلٌ عندَ الجُمهورِ.
وإلَيكَ نُصوصَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ في مُسالةِ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ:
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولا يَنعقِدُ بَيعُ الدَّينِ مِنْ غيرِ مَنْ عليه الدَّينُ؛ لأنَّ الدَّينَ إمَّا أنْ يَكونَ عِبارةً عن مالٍ حُكميٍّ في الذِّمَّةِ، وإمَّا أنْ يَكونَ عِبارةً عن فِعلِ تَمليكِ المالِ وتَسليمِه.
وكُلُّ ذلك غيرُ مَقدورِ التَّسليمِ في حَقِّ البائِعِ.
ولو شرَط التَّسليمَ على المَدِينِ لا يَصحُّ أيضًا؛ لأنَّه شرَط التَّسليمَ على غيرِ البائِعِ فيَكونُ شَرطًا فاسِدًا؛ فيَفسُدُ البَيعُ، ويَجوزُ بَيعُه مِمَّنْ عليه؛ لأنَّ المانِعَ هو العَجزُ عن التَّسليمِ، ولا حاجةَ إلى التَّسليمِ هَهُنا.
ونَظيرُ بَيعِ المَغصوبِ أنَّه يَصحُّ مِنْ الغاصِبِ ولا يَصحُّ مِنْ غيرِه إذا كانَ الغاصِبُ مُنكِرًا، ولا بَيِّنةَ لِلمالِكِ، ولا يَجوزُ بَيعُ المُسلَّمِ فيه؛ لأنَّ المُسلَّمَ فيه مَبيعٌ، ولا يَجوزُ بَيعُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ (٢).
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٣٣٥٤)، وابن ماجه (٢٢٦٢).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٤٨).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقد قَسَّموا بَيعَ الكالِئِ بالكالِئِ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، وهي:
فَسخُ الدَّينِ في الدَّينِ، وبَيعُ الدَّينِ بالدَّينِ، وابتِداءُ الدَّينِ بالدَّينِ.
فالأوَّلُ: فَسخُ ما في الذِّمَّةِ في مُؤخَّرٍ مِنْ غيرِ جِنسِه، أو في أكثَرَ، ممَّا لو كانَ عليه عَشَرةُ دَراهِمَ فسَخها في دِينارٍ أو ثَوبٍ مُتأخِّرٍ قَبْضُه، أو في أحَدَ عشَرَ دِرهَمًا يَتأخَّرُ قَبضُها، وأمَّا تَأخيرُها مِنْ غيرِ زِيادةٍ أو مع حَطيطةِ بَعضِها، بأنْ يَحُطَّ عنه بَعضًا ويُؤخِّرَ البَقيَّةَ فجائِزٌ، هذا إذا كانَ المَفسوخُ فيه في الذِّمَّةِ، بَلْ ولو كانَ مُعيَّنًا، عَقارًا أو غيرَه، يَتأخَّرُ قَبضُه كغائِبٍ عن مَجلِسٍ الفَسخِ؛ لأنَّه لا يَدخُلُ في ضَمانِه إلَّا بالقَبضِ مع بَقاءِ الصِّفةِ المُعيَّنةِ حينَ الفَسخِ.
أو كانَ المَفسوخُ فيه مَنافِعُ شَيءٍ مُعيَّنٍ؛ كأنْ يُفسَخَ ما عليه مِنْ الدَّينِ في رُكوبِ دابَّةٍ أو خِدمةِ عَبدٍ أو سُكنَى دارٍ مُعيَّنةٍ، وأمَّا غيرُ المُعيَّنةِ فلا يَجوزُ؛ فعُلم أنَّه لا يَجوزُ لِمَنْ له دَينٌ على ناسِخٍ أنْ يَقولَ لَهُ: انسَخْ لي هذا الكِتابَ بما لي علَيكَ مِنْ الدَّينِ، وأمَّا لو نَسَخَ لَكَ الكِتابَ أو خَدَمَكَ بأجْرٍ مَعلومٍ بغيرِ شَرطٍ، وبعدَ الفَراغِ قاصَصتَه بما عليه فجائِزٌ؛ لأنَّه ليسَ بفَسخِ ما في الذِّمَّةِ في مُؤخَّرٍ، بَلْ هو مُقاصَصةٌ شَرعيَّةٌ.
والثَّاني: بَيعُ الدَّينِ بدَيْنٍ لِغيرِ مَنْ هو عليه، كبَيعِ دَينٍ على غَريمِكَ بدَينٍ في ذِمَّةِ رَجُلٍ ثالِثٍ أو رابِعٍ.
مِثالُه: بَكْرٌ له دَينٌ على زَيدٍ، وخالِدٌ له دَينٌ على عَمرٍو، فيَبيعُ خالِدٌ دَينَه الذي على عَمرٍو بدَينِ بَكرٍ الذي على زَيدٍ، وهذه مُمتَنَعةٌ، ولو كانَ كُلٌّ مِنْ الدَّينَيْنِ حالًّا؛ لعَدمِ تَأتِّي الحَوالةِ.
وأمَّا بَيعُه بحالٍّ أو بمُعيَّنٍ يَتأخَّرُ قَبْضُه، أو بمَنافِعَ مُعيَّنةٍ فلا يُمنَعُ.
والثَّالثُ: ابتِداءُ الدَّيْنِ بالدَّينِ؛ كتَأخيرِ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ. ومَعناهُ: أنْ يَتعاقَدا على أنْ يُسَلِّمَه دِينارًا في شَيءٍ على أنَّه لا يَأتيه برَأْسِ السَّلَمِ إلَّا بعدَ ثَلاثةِ أيَّامٍ أو أكثَرَ؛ فإنَّه مَمنوعٌ؛ لِما فيه مِنْ ابتِداءِ دَينٍ بدَينٍ؛ إذْ كُلٌّ مِنهما أشغَلُ ذِمَّةَ صاحِبِه بدَينٍ له عليه.
وقالوا في بَيانِ حُكمِ بَيعِ الدَّينِ بالنَّقدِ:
يُشترَطُ لِصِحَّةِ بَيعِ الدَّينِ:
١ - حُضورُ المَدينِ، وذلك يَستلزِمُ حَياتَه، فلا يَجوزُ مع غَيبةِ المَدينِ؛ لأنَّه مع الغَيبةِ لا يَدري حالَه مِنْ فَقرٍ أو غِنًى، والثَّمنُ يَختلِفُ باختِلافِ حالِه، فيُؤَدِّي لِلجَهلِ.
٢ - إقرارُ المَدِينِ بالدَّيْنِ، وإنْ لَم يُقِرَّ لا يَصحُّ، ولو ثبَت بالبَيِّنةِ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ ما فيه خُصومةٌ.
٣ - تَعجيلُ الثَّمنِ؛ لأنَّه إذا لَم يُعجِّلْ في الحينِ كانَ مِنْ بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، ولا فَرقَ بينَ أنْ يُعجِّلَ حَقيقةً أو حُكمًا، كبَيعِه بمَنافِعِ عَينٍ أو بمُعيَّنٍ يَتَأخَّرُ قَبْضُه؛ إذْ لا يُمتنَعُ ذلك في بَيعِ الدَّينِ، بخِلافِ فَسخِه.
٤ - كَونُ الثَّمنِ مِنْ غيرِ جِنسِ الدَّينِ أو بجِنسِه في غيرِ العَينِ، لأنَّه إذا بِيعَ بجِنسِه كانَ سَلَفًا بزِيادةٍ؛ لأنَّ شَأنَ الدَّينِ أنْ يُباعَ بأقَلَّ.
٥ - أنْ يَتَّحِدا قَدْرًا وصِفةً، ليس إنْ كانَ أقَلَّ؛ لِما فيه مِنْ دَفعِ قَليلٍ في كَثيرٍ، وهو سَلَفٌ بمَنفَعةٍ.
٦ - ليسَ الدَّينُ ذَهَبًا بِيعَ بفِضَّةٍ، وعَكسُه؛ لِما فيه مِنْ الصَّرفِ المُؤخَّرِ.
٧ - ألَّا يَكونَ طَعامَ مُعاوَضةٍ، وإلَّا لزِم بَيعُ طَعامِ المُعاوَضةِ قبلَ قَبضِه، وقد ورَد النَّهيُ عنه.
٨ - ألَّا يَكونَ بينَ المُشتَرِي والمَدِينِ عَداوةٌ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ كانَ المِلْكُ على الدُّيونِ مُستقِرًّا، كغَرامةِ المُتلَفِ وبَدَلِ القَرضِ جازَ بَيعُه مِمَّنْ عليه قبلَ القَبضِ، لأنَّ مِلْكَه مُستقِرٌّ عليه، فجازَ بَيعُه، كالمَبيعِ بعدَ القَبضِ.
واختَلَفوا في بَيعِه مِنْ غيرِ مَنْ هو عليه هل يَجوزُ أو لا؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَجوزُ، وهو المُعتمَدُ؛ لأنَّ ما جازَ بَيعُه مِمَّنْ عليه جازَ بَيعُه مِنْ غيرِه، كالوَديعةِ، ولأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه يَقدِرُ على تَسليمِه إلَيه مِنْ غيرِ مَنعٍ ولا جُحودٍ.
لكنْ بشَرطِ أنْ يَقبِضَ مُشتَرِي الدَّينِ الدَّينَ مِمَّنْ هو عليه، وأنْ يَقبِضَ بائِعُ الدَّينِ العِوَضَ في المَجلِسِ؛ فإنْ تَفرَّقا قبلَ قَبضِ أحَدِهما بطَل العَقدُ.
والآخَرُ: لا يَجوزُ، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على تَسليمِه إليه؛ لأنَّه رُبَّما منَعه أو جَحَدَه، وذلك غَرَرٌ لا حاجةَ به إليه؛ فلَم يَجُزْ.
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٩٨، ١٠١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٣٣٩، ٣٤١)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٧٦، ٧٧)، و «مواهب الجليل» (٦/ ١٩٤، ١٩٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٤٤، ٥٤٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٨٣، ٣٨٧)، و «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٧٨، ٧٩).
وإنْ كانَ الدَّينُ غيرَ مُستقِرٍّ؛ فإنْ كانَ مُسلَّمًا فيه لَم يَجُزْ بَيعُه؛ لِما رُويَ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنه سُئلَ عن رَجُلٍ أسلَفَ في حُلَلٍ دِقاقٍ، فلَم يَجِدْ تلك الحُلَلَ، فقالَ: آخُذُ مِنْكَ مَقامَ كلِّ حُلَّةٍ مِنْ الدِّقاقِ حُلَّتَيْنِ مِنْ الجُلِّ. فكَرِهَه ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، وقالَ: خُذْ برَأْسِ المالِ عَلَفًا أو غَنَمًا»، ولأنَّ المِلْكَ في المُسلَّمِ فيه غيرُ مُستقِرٍّ؛ لأنَّه رُبَّما تَعذَّرَ فانفسخَ البَيعُ فيه؛ فلَم يَجُزْ بَيعُه، كالمَبيعِ قبلَ القَبضِ.
وإنْ كانَ ثَمَنًا في بَيعٍ ففيه قَولانِ، قالَ في «الصَّرفِ»: يَجوزُ بَيعُه قبلَ القَبضِ؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ؛ فقُلتُ: إنَّي أبيعُ الإبِلَ بالبَقيعِ؛ فأبيعُ بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبيعُ بالدَّراهِمِ فآخُذُ الدَّنانيرَ؛ فقالَ: «لا بَأْسَ أنْ تَأخُذَ بسِعرِ يَومِها ما لَم تَفتَرِقا وبينَكما شَيءٌ» (١).
ولأنَّه لا يُخشَى انفِساخُ العَقدِ فيه بالهَلاكِ؛ فصارَ كالبَيعِ بعدَ القَبضِ، ورَوى المُزَنيُّ في جامِعِه الكَبيرِ أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ مِلكَه غيرُ مُستقَرٍّ عليه؛ لأنَّه قد يَنفسِخُ البَيعُ فيه بتَلَفِ المَبيعِ أو بالرَّدِّ بالعَيبِ؛ فلَم يَجُزْ بَيعُه، كالمَبيعِ قبلَ القَبضِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجوزُ بَيعُ الدَّينِ المُستقِرِّ مِنْ عَينٍ وقَرضٍ ومَهرٍ بعدَ الدُّخولِ وأُجرةٍ استُوفِيَ نَفعُها، وفَرَغتْ مُدَّتُها، وأرْشِ جِنايةٍ،
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٣٣٥٤)، وابن ماجه (٢٢٦٢).
(٢) «المهذب» (١/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «المجموع» (٩/ ٢٥٩، ٢٦١)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٥٣٦، ٥٣٧).
وقِيمةِ مُتلَفٍ، ونَحوِ ذلك لِمَنْ هو في ذِمَّتِه بشَرطِ أنْ يَقبِضَ عِوَضَه في المَجلِسِ، هذا إذا كانَ ممَّا لا يُباعُ به نَسيئةً، أو بمَوصوفٍ في الذِّمَّةِ اشتُرِطَ قَبضُ عِوَضِه في المَجلِسِ، بلا نِزاعٍ، وإنْ كانَ بغيرِهِما ممَّا لا يُشترَطُ فيه التَّقابُضُ مثلَما لو قالَ: بِعتُكَ الشَّعيرَ الذي في ذِمَّتِكَ بمِئةِ دِرهَمٍ أو بهذا العَبدِ أو الثَّوبِ ونَحوِه؛ فلا يُشترَطُ لِلصِّحَّةِ قَبضُ العِوَضِ في المَجلِسِ.
ولا يَجوزُ بَيعُ الدَّينِ المُستقِرِّ لِغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ، كما لا تَصحُّ هِبةُ الدَّينِ لِغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِهِ؛ لأنَّ الهِبةَ تَقتَضي وُجودَ مُعيَّنٍ، وهو مُنتَفٍ هُنا، كما يَصحُّ بَيعُ الدَّينِ غيرِ المُستقِرِّ، كأُجرةِ عَقارٍ قبلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الإيجارِ، ومَهرٍ قبلَ دُخولٍ بالمَرأةِ، ومُسلَّمِ فيه قبلَ القَبضِ.
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أنَّه يَصحُّ بَيعُ الدَّينِ المُستقِرِّ في ذِمَّةِ الغيرِ، لِغيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، واختارَ هذا القَولَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ بَيعُ الدَّينِ في الذِّمَّةِ مِنْ الغَريمِ وغيرِه، ولا فَرقَ بينَ دَينِ السَّلَمِ وغيرِه، وهو رِوايةٌ عن أحمدَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ رحمة الله عليه: بَيعُ الصِّكاكِ قبلَ قَبضِها -وهي الدُّيونُ الثَّابِتةُ على النَّاسِ، وتُسَمَّى صِكاكًا لأنَّها تُكتَبُ في صِكاكٍ، وهي ما يُكتَبُ فيه مِنْ الرِّقِّ ونَحوِه، فيُباعُ ما في الصَّكِّ- فإنْ كانَ الدَّينُ نَقدًا
(١) «الإنصاف» (٥/ ١١٠)، و «المبدع» (٤/ ١٥٠)، و «الفروع» (٤/ ١٣٩)، و «كشف المخدرات» (١/ ٣٩٨، ٣٩٩)، و «المغني» (٤/ ٩٥)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٤٢)
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٧٦).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[باب في بيان أحكام السلم]
بَابُ) شَرْطِ السَّلَمِ:
ــ
منح الجليل
بَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَام السَّلَمِ
ِ (شَرْطُ) صِحَّةِ عَقْدِ (السَّلَمِ) عَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يُوجِبُ عِمَارَةَ ذِمَّةٍ بِغَيْرِ عَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ غَيْرُ مُتَمَاثِلِ الْعِوَضَيْنِ. اهـ. خَرَجَ بِالْأَوَّلِ بَيْعُ الْأَجَلِ وَبَيْعُ الدَّيْنِ وَإِنْ مَاثَلَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ عُرْفًا، وَالْمُخْتَلِفَانِ يَجُوزُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَبِالثَّانِي الْكِرَاءُ الْمَضْمُونُ، وَبِالثَّالِثِ السَّلَفُ، وَلَا يَدْخُلُ إتْلَافُ مِثْلِيٍّ غَيْرِ عَيْنٍ وَلَا هِبَتِهِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِنِكَاحٍ بِعَبْدٍ مَوْصُوفٍ مَثَلًا، فَإِنَّهُ نِكَاحٌ لَا سَلَمٌ. الْمَشَذَّالِيُّ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ بَائِعِهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ هِيَ فِي جَوَازِهِ فَحُكْمُهُ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} البقرة: ٢٧٥ . وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِهِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع
إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.
(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.
(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.
(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع قبل القبض
باب البيع قبل القبض
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُكْتَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَإِذَا نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَتَكَامَلْ لِلْمُشْتَرِيَ فِيهِ تَمَامُ مِلْكٍ فَيَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ كَذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كُلُّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِطَعَامٍ مَأْكُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.