بيع العذرة والسرقين

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع العذرة والسرقين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 18 دقيقة قراءة

بيع العذرة والسرقين - الأقوال والأدلة

بحَسَبِ مَفسَدَتِها في نَفْسِها، والنَّبيُّ لَم يُؤَخِّرْ ذِكرَها لِخِفَّةِ أمْرِها، ولكنَّه تَدَرَّجَ مِنْ الأسهَلِ إلى ما هو أغلَظُ مِنه … ثم ذكَر بعدَ تَحريمِ بَيعِ الأصنامِ وهو أعظَمُ تَحريمًا وإثمًا وأشَدُّ مُنافاةً لِلإسلامِ مِنْ بَيعِ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: والصَّليبُ لا يَجوزُ عَمَلُه بأُجرةٍ ولا بغيرِ أُجرةٍ، ولا بَيعُه صَليبًا، كما لا يَجوزُ بَيعُ الأصنامِ ولا عَمَلُها (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ زَكَريا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: آلاتُ المَلاهي -كالمِزمارِ والطُّنبورِ والصُّورِ- لا يَصحُّ بَيعُها، ولو كانَتْ ذَهَبًا أو فِضَّةً؛ إذْ لا نَفْعَ بها شَرعًا، ولأنَّها على هَيئَتِها لا يُقصَدُ مِنها غيرُ المَعصيةِ، وقد حرَّم النَّبيُّ بَيعَ الأصنامِ فيما رَواه الشَّيخانِ (٣).

بَيعُ العُذرةِ والسِّرقينِ: (أي: الزِّبلِ وهو رَجيعُ ما سِوَى الإنسانِ ويُقالُ لَهُ: سِرجينُ):

اختلَف الفُقهاءُ في جَوازِ بَيعِ العُذرةِ والزِّبلِ:

فقالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ بَيعُ السِّرقينِ والبَعرِ؛ لأنَّه مُباحٌ الِانتِفاعُ به شَرعًا على الإطلاقِ؛ فكانَ مالًا؛ لأنَّه يُلقَى في الأرضِ؛ لِاستِكثارِ الرِّيعِ، فكانَ مالًا، ولأنَّه فِعلُ الأمصارِ في سالِفِ الأعصارِ مِنْ غيرِ إنكارٍ؛ فلَولا إباحَتُه

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٦٧١، ٦٧٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ١٤١).
(٣) «أسنى المطالب» في شرح روض الطالب (٢/ ١٠).

باتِّفاقِهم لَأنكَروه، أو بَعضُهم، ولأنَّ ما جازَ الِانتِفاعُ به مِنْ غيرِ ضَرورةٍ جازَ بَيعُه، كَسائِرِ الأموالِ.

وَلا يَنعقِدُ بَيعُ العُذرةِ الخالِصةِ؛ لأنَّه لا يُباحُ الِانتِفاعُ بها بحالٍ، فلا تَكونُ مالًا إلَّا إذا كانَ مَخلوطًا بالتُّرابِ، والتُّرابُ غالِبٌ، فيَجوزُ بَيعُه؛ لأنَّه يَجوزُ الِانتِفاعُ به (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ العُذرةِ ولا السِّرجينِ، وهو زِبلُ البَهائِمِ المَأكولةِ وغيرِها، وثَمَنُه حَرامٌ؛ لأنَّه نَجِسٌ، فلَم يَجُزْ بَيعُه، كالمَيْتةِ، ولِحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ، حرَّم عليهم الشُّحومَ فباعوها فأكَلوا أثمانَها، وإنَّ اللَّهَ إذا حرَّم على قَومٍ شَيئًا حرَّم عليهم ثَمَنَه» (٢)، ولأنَّ الزِّبلَ نَجِسُ العَينِ لَم يَجُزْ بَيعُه، كالعُذرةِ.

وَرَدُّوا على الحَنفيَّةِ بأنَّ ما ذَكَروه ليسَ باجماعٍ؛ لأنَّ الإجماعَ اتِّفاقُ أهلِ العِلمِ، ولَم يُوجَدْ، وإنَّما يَفعَلُه الجَهَلةُ والأراذلُ؛ فلا يَكونُ ذلك حُجَّةً في دِينِ الإسلامِ (٣).

(١) «البدائع» (٦/ ٥٦٢)، و «الاختيار» (٢/ ١١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٥٥)، و «الهداية» (٤/ ٩١)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٨٠)، و «تنقيح الفتاوى» الحامدية (٦/ ٤٦٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢٩٦٤)، وأبو دادود في «سننه» (٣٤٨٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٩٣٨).
(٣) «الأم» (٦/ ٢٤٠)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٨٣)، و «الوسيط» (٣/ ٣٩٧)، و «ينابيع الأحكام» (٢/ ١٠٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٤)، و «المجموع» (٩/ ٢١٨).

ويَرَى الحَنابِلةُ عَدَمَ صِحَّةِ بَيعِ العُذرةِ، ولا الزِّبلِ النَّجِسِ، بخِلافِ الطَّاهِرِ منه، كرَوَثِ الحَمامِ، وبَهيمةِ الأنعامِ (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم في بَيعِ العُذرةِ أربَعةُ أقوالٍ:

- المَنعُ لِمالِكٍ، على فَهْمِ الأكثَرِ مِنْ أنَّ الكَراهةَ على التَّحريمِ.

- الكَراهةُ على فَهْمِ أبي الحَسَنِ، وهو ظاهِرُ اللَّخميِّ مِنْ أنَّ الكَراهةَ على بابِها.

- الجَوازُ لِابنِ الماجِشونِ.

- الفَرقُ بينَ الِاضطِرارِ، فيَجوزُ، وعَدَمِه فيُمنَعُ لِأشهَبَ.

أمَّا الزِّبلُ فذكَر ابنُ عَرَفةَ في بَيعِه ثَلاثةَ أقوالٍ:

- المَنعُ لِابنِ القاسِمِ، قياسًا على مَنعِ مالِكٍ بَيعَ العُذرةِ.

- الجَوازُ، وهو قَولٌ لِابنِ القاسِمِ.

- الجَوازُ لِلضَّرورةِ، وهو قَولُ أشهَبَ.

والعَمَلُ عندَ المالِكيَّةِ على جَوازِ بَيعِ الزِّبلِ دونَ العُذرةِ لِلضَّرورةِ، كما يَقولُ الدُّسوقيُّ وغيرُه.

قالَ الحَطَّابُ رحمة الله عليه: واعلَم أنَّ القَولَ بالمَنعِ هو الجاري على أصْلِ المَذهبِ في المَنعِ مِنْ بَيعِ النَّجاساتِ، والقَولَ بالجَوازِ لِمُراعاةِ الضَّرورةِ، ومَن قالَ بالكَراهةِ تَعارَضَ عندَه الأمرانِ، ورَأى أنَّ أخْذَ الثَّمنِ عن ذلك

(١) «المغني» (٤/ ١٧٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٧٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٢٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٨٠)، و «الإفصاح» (١/ ٤٣٧) المصادر السابقة.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز

بَابُ بَيْعِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يجوز

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الكاهن (قال الشافعي) وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ " قَالَ وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ وَلَوْ جَازَ ثَمَنُهُ جَازَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ. بَيْعُ الْكَلْبِ باطل وثمنه حرام ولا قيمة على متلفه بِحَالٍ سَوَاءً كَانَ مُنْتَفِعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفِعٍ بِهِ.

وَقَالَ أبو حنيفة: بَيْعُ الْكَلْبِ جَائِزٌ وَثَمَنُهُ حَلَالٌ وَالْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ وَاجِبَةٌ سَوَاءً كَانَ مُنْتَفِعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفِعٍ بِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ وَثَمَنُهُ لَا يَحِلُّ لَكِنْ عَلَى قَاتِلِهِ الْقِيمَةُ.

وَاسْتَدَلُّوا على ذلك برواية الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالْهِرِّ إِلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ. فَجَوَّزَ ثَمَنَ الْكَلْبِ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع

إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.

(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.

(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.

(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 258 - 260

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل