بيع العربون

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع العربون

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

بيع العربون - الأقوال والأدلة

ليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، والقَولُ الآخَرُ رَأى أنَّ العِلَّةَ في الجَوازِ إنَّما هي الِاضطِرارُ؛ فلا بدَّ مِنْ تَحَقُّقِها بوُجودِ الِاضطِرارِ إليه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ بَيعُ سِرجينٍ نَجِسٍ، لِلإجماعِ على نَجاسَتِه، ويَصحُّ بَيعُ سِرجينٍ طاهِرٍ، كرَوَثِ مَأكولِ اللَّحمِ، كَرَوثِ حَمامٍ وبَقَرٍ (٢).

بَيعُ العُربونِ:

العُربونُ في البَيعِ: هو أنْ يَشتَريَ أو يَكتَريَ سِلعةً فيَدفَعَ إلى البائِعِ شَيئًا مِنْ الثَّمنِ، على أنَّه -أي: المُشتَرِي أو المُكتَرِي- إنْ أخَذ السِّلعةَ احتُسِبَ المَدفوعُ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ لَم يَأخُذْها ترَك العُربونَ لِلبائِعِ، يُقالُ: عُربونٌ وأُربونٌ وعُربانٌ وأُربانٌ.

وكَذا يَدخُلُ العُربونُ في الإجارةِ؛ لأنَّه لا فَرقَ بينَ ذَواتِ المَنافِعِ، كما لو دَفَعَ دَراهِمَ إلى صانِعٍ لِيَعمَلَ له خُفًّا، أو خاتَمًا، أو يَنسِجَ له ثَوبًا على أنَّه إنْ رَضيَه فالمَدفوعُ مِنْ الثَّمنِ، وإلَّا فهو لِلمَدفوعِ إليه (٣).

(١) «مواهب الجليل» (٦/ ٦١، ٦٢)، ويُنظر: «المدونة» (٩/ ١٦٠)، و «التمهيد» (٤/ ١٤٤)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٧٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٦٥)، و «حاشية الدسوقي» (٤/ ١٦).
(٢) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٢٦، ١٢٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ١٩).
(٣) «الموطأ» (٢/ ٦٠٩)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٥)، و «الكافي» (١/ ٣٦٦)، و «أحكام القرآن» (١/ ٥٢١)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٧٨)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٢٢)، و «المجموع» (٩/ ٣١٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦١، ٦٢)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٧٩)، و «الديباج» (٢/ ٥٤)، و «المغني» (٤/ ١٦٠)، و «المطلع على أبواب المقنع» (٢٣٣)، و «المبدع» (٤/ ٩٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٧٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٢٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٨).

وقد اختلَف العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ العُربونِ على ثَلاثةِ أقوالٍ:

القَولُ الأوَّلُ: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها أبو الخطَّابِ أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ العُربونِ؛ لِمَا رُويَ عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رضي الله عنه، أنَّ رَسولَ اللَّهِ : نهَى عن بَيعِ العُربانِ (١). والعُربانِ مَردودٌ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه مِنْ أكْلِ أموالٍ النَّاسِ بالباطِلِ، ويُفسَخُ البَيعُ، فإنْ فاتَ مَضَى بالقِيمةِ، ويُحسَبُ مِنها العُربونُ، كما يَقولُ المالِكيَّةُ.

ولأنَّ فيه شَرطَيْنِ فاسِدَيْنِ: شَرطَ الهِبةِ. وشَرطَ الرَّدِّ، على تَقديرِ ألَّا يَرضَى (٢).

ولأنَّه شرَط لِلبائِعِ شَيئًا بغيرِ عِوَضٍ لَم يَصحَّ، كما لو شرَطه لِأجنَبيٍّ.

ولأنَّه بمَنزِلةِ الخِيارِ المَجهولِ؛ فإنَّه اشتَرطَ أنَّ له رَدَّ المَبيعِ مِنْ غيرِ ذِكرِ مُدَّةٍ، فلَم يَصحَّ، كما لو قالَ: وَلِيَ الخِيارُ مَتَى شِئتُ رَدَدتُ السِّلعةَ ورَدَدتُ معها دِرهَمًا (٣).

قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه: وحَديثُ البابِ يَدلُّ على تَحريمِ البَيعِ مع العُربانِ، وبه قالَ الجُمهورُ، وخالَفَ في ذلك أحمدُ، فأجازَه، ورُويَ نَحوُه عن عمرَ وابنِه رضي الله عنهما.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه مالك في «الموطأ» (٢٢٥٧)، وأبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٢١٩٢).
(٢) «مغني المحتاج» (٢/ ٤٧٩)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٥٤٧)، و «الديباج» (٢/ ٥٤).
(٣) «المغني» (٤/ ١٦٠).

ويَدلُّ على ذلك حَديثُ زَيدِ بنِ أسلَمَ المُتقدِّمُ، وفيه المَقالُ المَذكورُ، والأوْلَى ما ذهَب إلَيه الجُمهورُ؛ لأنَّ حَديثَ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ قد ورَد مِنْ طُرُقٍ يُقَوِّي بَعضُها بَعضًا، ولأنَّه يَتضمَّنُ الحَظرَ، وهو أرجَحُ مِنْ الإباحةِ، كما تَقرَّرَ في الأُصولِ.

والعِلَّةُ في النَّهيِ عنه اشتِمالُه على شَرطَيْنِ فاسِدَيْنِ:

أحَدُهما: شَرطُ كَونِ ما دَفَعَه إلَيه يَكونُ مَجَّانًا، إنِ اختارَ تَركَ السِّلعةِ.

والآخَرُ: شَرطُ الرَّدِّ على البائِعِ إذا لَم يَقَعْ مِنه الرِّضا بالبَيعِ (١).

وَأمَّا إنِ اشتَرَى شَيئًا وأعطاه عُربونًا على أنَّه إنْ رَضيَه أخَذه وحَسَبَ العُربونَ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ سَخِطَه رَدَّه وأخَذ عُربونَه، فلا بَأْسَ به عندَ عامَّةِ العُلماءِ، ولكنْ لا يَحِلُّ له إذا فسَخ العَقدَ فيما بَعدُ إلَّا برِضا المُشتَرِي.

قالَ الشافِعيَّةُ: إنْ قالَ: هذا الشَّرطُ في العَقدِ نَفْسِه فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ قالَه قبلَه ولَم يَتلفَّظا به حالةَ العَقدِ فهو بَيعٌ صَحيحٌ؛ لأنَّ الشَّرطَ المُؤثِّرَ في البَيعِ هو ما قارَنَ العَقدَ (عندَ الشافِعيَّةِ) (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ بعدَ أنْ ذكَر قَولَ الإمامِ مالِكٍ: على قَولِ مالِكٍ هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ مِنْ الحِجازيِّينَ والعِراقيِّينَ، مِنهم الشافِعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والأوزاعيُّ واللَّيثُ؛ لأنَّه مِنْ بَيعِ القِمارِ والغَرَرِ والمُخاطَرةِ وأكلِ المالِ بغيرِ عِوَضٍ ولا هِبةٍ، وذلك باطِلٌ، وبَيعُ العُربانِ

(١) «نيل الأوطار» (٥/ ٢٥١).
(٢) «المجموع» (٩/ ٣١٧)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٧٩)، و «الديباج» (٢/ ٥٤).

مَنسوخٌ عندَهم إذا وقَع قبلَ القَبضِ وبعدَه، وتُرَدُّ السِّلعةُ إذا كانَتْ قائِمةً، فإنْ فاتَتْ رُدَّتْ قِيمَتُها يَومَ قَبضِها، وعلى كلِّ حالٍ يُرَدُّ ما أُخِذَ عُربانًا في الكِراءِ والبَيعِ.

ثم قالَ: ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ بَيعُ العُربانِ الجائِزُ على ما تَأوَّلَه مالِكٌ والفُقهاءُ مَعَه، وذلك أنْ يُعَربِنَه ثم يَحسُبُ عُربانَه مِنْ ثَمَنِه إذا اختارَ تَمامَ البَيعِ، وهذا لا خِلافَ في جَوازِه عن مالِكٍ وغيرِه، والحَمدُ لِلَّهِ (١).

وقالَ في الِاستِذكارِ: إنْ وقَع بَيعُ العُربانِ الفاسِدُ فُسِخَ، ورُدَّتِ السِّلعةُ إلى البائِعِ والثَّمنُ لِلمُشتَرِي، فإنْ فاتَتْ كانَ على المُشتَرِي قِيمَتُها بالِغةً ما بَلَغتْ، وله ثَمَنُه، هذا قَولُ مالِكٍ وأصحابِه وسائِرِ الفُقهاءِ (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: فَرعٌ: في مَذاهبِ العُلماءِ في بَيعِ العُربونِ: قد ذَكَرْنا أنَّ مَذهبَنا بُطلانُه إنْ كانَ الشَّرطُ في العَقدِ نَفْسِه، وحَكاه ابنُ المُنذِرِ عن ابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ، قالَ: وهو يُشبِهُ قَولَ الشافِعيِّ، قالَ: ورَوَيْنا عن ابنِ عمرَ وابنِ سِيرينَ جَوازَه، قالَ: وقد رَوَيْنا عن نافِعِ بنِ عَبدِ الحارِثِ أنَّه اشتَرَى دارًا بمَكَّةَ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافٍ؛ فإنْ رَضيَ عمرُ رضي الله عنه فالبَيعُ لَه، وإنْ لَم يَرْضَ فلِصَفوانَ أربَعُمِئةٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وذُكِرَ لِأحمدَ بنِ حَنبَلٍ حَديثُ عمرَ، فقالَ: أيُّ شَيءٍ أقدَرُ أقولُ،

(١) «التمهيد» (٢٤/ ١٧٨، ١٧٩).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٢٦٥)، ويُنظر: «الموطأ» (٢/ ٦٠٩)، و «الكافي» (١/ ٣٦٦)، و «أحكام القرآن» (١/ ٥٢١)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٧١)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٧٨)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٢٢).

هذا ما ذكَره ابنُ المُنذِرِ، وقالَ الخطَّابيُّ: اختلَف النَّاسُ في جَوازِ هذا البَيعِ، فأبطَلَه مالِكٌ والشافِعيُّ لِلحَديثِ، ولِمَا فيه مِنْ الشَّرطِ الفاسِدِ والغَرَرِ، وأكْلِ المالِ بالباطِلِ، وأبطَلَه أيضًا أصحابُ الرَّأْيِ، وعَن عمرَ وابنِ عمرَ رضي الله عنهما جَوازُه، ومالَ إليه أحمدُ بنُ حَنبَلٍ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

القَولُ الثَّاني: هو قَولُ الحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّ هذا البَيعَ صَحيحٌ، وكذا الشَّرطُ صَحيحٌ، والمَدفوعُ لِلبائِعِ إنْ لَم يَتِمَّ البَيعُ والإجارةُ مِثلُه، وسَواءٌ عَيَّنَ وَقتًا لِأخْذِه أو لَم يُعيِّنْ، بأنْ أطلَقَ (٢).

لِما رُويَ أنَّ نافِعَ بنَ عَبدِ الحارِثِ اشتَرَى دارًا لِلسِّجنِ مِنْ صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأربَعةِ آلافِ دِرهَمٍ؛ فإنْ رَضيَ عمرُ رضي الله عنه فالبَيعُ له، وإنْ عمرُ لَم يَرْضَ فأربَعُمِئةٍ لِصَفوانَ (٣)، قالَ الأثرَمُ: قُلتُ لِأحمدَ: تَذهَبُ إليه، قالَ: أيُّ شَيءٍ أقولُ؟ هذا عمرُ. وضَعَّفَ الحَديثَ المَرويَّ (٤).

(١) «المجموع» (٩/ ٣١٧)، ويُنظر: «مغني المحتاج» (٢/ ٤٧٩)، و «الديباج» (٢/ ٥٤)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٣١)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٥٤٦)، و «جواهر العقود» (١/ ٦١)، و «نيل الأوطار» (٥/ ٢٥٠).
(٢) «المغني» (٤/ ١٦٠)، و «المطلع على أبواب المقنع» (٢٣٣)، و «المبدع» (٤/ ٩٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٧٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٢٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٢٥٧).
(٣) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (٢٣٢٠١)، وعلقه البخاري في «صحيحه» (٢/ ٨٥٣): باب الربط والحبس في الحرم واشترَى نافعُ بنُ عبدِ الحارثِ دارًا للسّجنِ بمكةَ مِنْ صَفوانَ بنِ أميَّةَ على أنَّ عمرَ إن رَضي فالبيعُ بيعُه، وإن لَم يرضَ عمرُ فلِصفوانَ أربعُمائة وسُجن بنُ الزُّبيرِ بمكةَ.
(٤) «المغني» (٤/ ١٦٠).

وعن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّ النَّبيَّ أحَلَّ العُربانَ في البَيعِ (١).

القَولُ الثَّالثُ: هو وَجْهٌ عندَ الحَنابِلةِ أنَّه يَصحُّ بَيعُ العُربونِ إذا قَيَّدَ المُتعاقِدانِ هذا البَيعَ بزَمَنٍ مُعيَّنٍ. قالَ في مَطالِبِ أُولي النُّهَى في شَرحِ غايةِ المُنتَهى: ويَتَّجِهُ صِحَّةُ هذا الِاشتِراطِ في بَيعِ العُربونِ وإجارَتِه إنْ قَيَّدَ المُتعاقِدانِ ذلك بزَمَنٍ مُعيَّنٍ؛ ك: إلى شَهرٍ مِنْ الآنَ، وفاتَ ذلك الزَّمَنُ، وإلَّا يُقيِّداه بزَمَنٍ؛ فلا يَصحُّ اشتِراطُه مِنْ أصلِهِ؛ لأنَّ البائِعَ أو المُؤجِّرَ لا يَدْري إلى مَتَى يَنتظِرُ؛ فالإطلاقُ لا يُناسِبُ؛ لِمَا يَلزَمُ عليه مِنْ طُولِ الأمَدِ بلا نِهايةٍ؛ فيَترتَّبُ عليه مِنْ الضَّرَرِ ما فيه كِفايةٌ. جَزَمَ به في الرِّعايَتَيْنِ، والحاويَيْنِ، والفائِقِ، لكنَّه مَرجوحٌ، والمَذهبُ الصَّمتُ، سَواءٌ قبلَه بوَقتٍ أو لا (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا دَفَعَ إنسانٌ لِبائِعٍ أو مُؤجِّرٍ قبلَ العَقدِ دِرهَمًا مَثَلًا، وقالَ: لا تَبِعْ هذه السِّلعةَ لِغَيري، أو لا تُؤجِّرْها لِغَيري، وإنْ لَم أشتَرِها أو أستَأجِرْها مِنكَ، فهذا الدِّرهَمُ أو نَحوُه لَكَ، ثم اشتَراها مِنه بعدَ ذلك بعَقدٍ مُبتَدِئٍ وحَسَبَ الدِّرهَمَ مِنْ الثَّمنِ صَحَّ؛ لأنَّ البَيعَ خَلا عن الشَّرطِ المُفسِدِ.

وإنْ لَم يَشتَرِ السِّلعةَ أو يَستَأجِرْ في هذه الصُّورةِ لَم يَستحِقَّ البائِعُ الدِّرهَمَ؛ لأنَّ رَبَّ السِّلعةِ لو أخَذه لَأخَذه بغيرِ عِوَضٍ، ولِصاحِبِه الرُّجوعُ فيه، ولا يَصحُّ جَعلُه عِوَضًا عن انتِظارِه وتَأخيرِ بَيعِه مِنْ أجلِهِ؛ لأنَّه لو كانَ عِوَضًا عن ذلك لَما جازَ جَعْلُه مِنْ الثَّمنِ في حالِ الشِّراءِ؛ ولأنَّ الِانتِظارَ بالبَيعِ لا تَجوزُ المُعاوَضةُ

(١) رواه عبد الرزاق (٢٣١٩٥) صحيح مرسل.
(٢) «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع

إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.

(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.

(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.

(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ

(فَصْلٌ) :

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع اللحم باللحم

باب بيع اللحم باللحم

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَاللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَحْشِيُّهُ وَإِنْسِيُّهُ وَطَائِرُهُ لَا يَحِلُّ فِيهِ الْبَيْعُ حَتَّى يَكُونَ يَابِسًا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا قَوْلَانِ فَخَرَّجَهُمَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ وَمَنْ قَالَ اللُّحْمَانُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَزِمَهُ إِذَا حَدَّهُ بِجَمَاعِ اللَّحْمِ أَنْ يَقُولَهُ فِي جَمَاعِ الثَّمَرِ فَيَجْعَلُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الثِّمَارِ صِنْفًا وَاحِدًا وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ (قال المزني) فإذا كان تصيير اللحمان صنفا واحدا قياسا لا يجوز بحال وإن ذلك ليس على الأسماء الجامعة وأنها على الأصناف والأسماء الخاصة فقد قطع بأن اللحمان أصناف (قال المزني) وقد قطع قبل هذا الباب بأن ألبان البقر والغنم والإبل أصناف مختلفة فلحومها التي هي أصل الألبان بالاختلاف أولى وقال في الإملاء على مسائل مالك المجموعة فإذا اختلفت أجناس الحيتان فلا بأس بعضها ببعض متفاضلا وكذلك لحوم الطير إذا اختلفت أجناسها (قال المزني) وفي ذلك كفاية لما وصفنا: وبالله التوفيق " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اللُّحْمَانِ، هَلْ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ صِنْفَانِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ: إِنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا عِنْدَ حُدُوثِ الرِّبَا فِيهَا، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا، كَمَا أَنَّ الثَّمَرَ كُلَّهُ جِنْسٌ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهِ دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 261 - 266

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر