الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الملامسة والمنابذة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 18 دقيقة قراءةأخَذ بالثَّمنِ الزَّائِدِ أخَذ بالرِّبا، وإنْ أخَذ بالنَّاقِصِ أخَذ بأوكَسِهما، وهذا مِنْ أعظَمِ الذَّرائِعِ إلى الرِّبا، وهو أبعَدُ كُلَّ البُعدِ مِنْ حَمْلِ الحَديثِ على البَيعِ بمِئةٍ مُؤجَّلةٍ أو خَمسينَ حالَّةٍ، وليسَ ههُنا رِبًا ولا جَهالةٌ ولا غَرَرٌ ولا قِمارٌ ولا شَيءٌ مِنْ المَفاسِدِ؛ فإنَّه خَيَّرَه بينَ أيِّ الثَّمنَيْنِ شاءَ، وليسَ هذا بأبعَدَ مِنْ تَخييرِه بعدَ البَيعِ بينَ الأخْذِ والإمضاءِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، وأيضًا فإنَّه فرَّق بينَ عَقدَيْنِ، كُلٌّ مِنهما ذَريعةٌ ظاهِرةٌ جِدًّا إلى الرِّبا، وهُما السَّلَفُ والبَيعُ والشَّرطانِ في البَيعِ، وهَذانِ العَقدانِ بينَهما مِنْ النَّسَبِ والإخاءِ والتَّوسُّلِ بهما إلى أكْلِ الرِّبا ما يَقتَضي الجَمعَ بينَهما في التَّحريمِ؛ فصَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُه على مَنْ كَلامُه الشِّفاءُ والعِصمةُ والهُدَى والنُّورُ (١).
بَيعُ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على حُرمةِ بَيعِ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ، وعلى أنَّه بَيعٌ فاسِدٌ؛ لِحَديثِ عامِرِ بنِ سَعدٍ أنَّ أبا سَعيدٍ رضي الله عنه أخبَرَه أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن المُنابَذةِ، وهي طَرحُ الرَّجُلِ ثَوبَه بالبَيعِ إلى الرَّجُلِ قبلَ أنْ يُقلِّبَه أو يَنظُرَ إليه، ونهَى عن المُلامَسةِ، والمُلامَسةُ لَمسُ الثَّوبِ لا يَنْظُرُ إليه (٢)، ولأنَّ في كلِّ واحِدٍ مِنْ هذه البُيوعِ تَعليقَ المِلْكِ بالخَطَرِ، وهو مِنْ بَيعِ الغَرَرِ والقِمارِ؛ لأنَّه إذا لَم يَتأمَّلْ ما اشتَراه، ولَم يَعلَم صِفَتَه، لا يَدرِي حَقيقَتَه، وهو مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، وهو مِنْ بُيوعِ الجاهِليَّةِ.
(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٤٩، ١٥٠).
(٢) رواه البخاري (٢١٤٤)، ومسلم (١٥١٢).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أبطَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ما كانَ عليه أهلُ الجاهِليَّةِ مِنْ أخْذِ الشَّيءِ على وَجْهِ القِمارِ، وأباحَه بالتَّراضي، وبِذلك نَطَقَ القُرآنُ في قَولِ اللهِ ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بُيوعٍ كَثيرةٍ، وإنْ تَراضَى بها المُتبايِعانِ.
والحُكمُ في بَيعِ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ كُلُّه، وما كانَ مثلَه، إنْ أُدرِكَ فُسِخَ، وإنْ فاتَ رُدَّ إلى قِيمَتِه يَومَ قُبِضَ بالِغًا ما بلَغ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أمَّا بَيعُ المُلامَسةِ فكانَتْ صُورَتُه في الجاهِليَّةِ أنْ يَلمِسَ الرَّجُلُ الثَّوبَ ولا يَنشُرَه، أو يَبتاعَه لَيلًا ولا يَعلَمَ ما فيه، وهذا مُجمَعٌ على تَحريمِه، وسَبَبُ تَحريمِه الجَهلُ بالصِّفةِ.
وأمَّا بَيعُ المُنابَذةِ فكانَ أنْ يَنبِذَ كلُّ واحِدٍ مِنْ المُتبايِعَيْنِ إلى صاحِبِه الثَّوبَ مِنْ غيرِ أنْ يُعيِّنَ أنَّ هذا بهذا، بَلْ كانوا يَجعَلونَ ذلك راجِعًا إلى الِاتِّفاقِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وبَيعُ المُلامَسةِ والمُنابَذةِ غيرُ جائِزٍ، لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في فَسادِ هَذيْنِ البَيعَيْنِ (٣).
وقد اختَلَفتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في مَعنَى المُلامَسةِ والمُنابَذةِ، وإنْ كانَتْ كُلُّها قَريبةً مِنْ السَّواءِ.
(١) «التمهيد» (١٣/ ١٤).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١١١).
(٣) «المغني» (٤/ ١٤٥).
فعرَّف الحَنفيَّةُ المُلامَسةَ بأنَّها: أنْ يَقولَ: أبيعُكَ هذا المَتاعَ بكَذا؛ فإذا لَمَسَكَ لزِمكَ البَيعُ، أو يَقولَ المُشتَرِي كذلك.
والمُنابَذةُ: أنْ يَنبِذَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ ثَوبَه ويَنبِذَ الآخَرُ إليه ثَوبَه، ويَكونَ بذلك بَيعُهما مِنْ غيرِ نَظَرٍ ولا تَراضٍ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: بَيعُ المُنابَذةِ: أنْ يَبيعَه ثَوبًا بمِثلِه، أو بدَراهِمَ، ويَنبِذَه له على أنَّه يَلزَمُ بالنَّبذِ، مِنْ غيرِ تَأمُّلٍ فيه؛ فالمُفاعَلةُ فيه قد تَكونُ على بابِها، وقد لا تَكونُ.
فالأُولى: كما إذا شرَط عليكَ نَبْذَ المُثمَّنِ، واشتَرَطتَ عليه نَبْذَ الثَّمنِ.
والثَّانيةُ: كما إذا كانَ الشَّرطُ مِنْ أحَدِهما.
وأمَّا المُلامَسةُ: فلا تَكونُ على بابِها، بَلْ مِنْ جانِبٍ واحِدٍ، وهي أنْ يَشترِطَ البائِعُ على المُشتَرِي لُزومَ المَبيعِ بمُجرَّدِ لَمسِه له، مِنْ غيرِ تَفتيشٍ فيه ولا تَأمُّلٍ (٢).
وعرَّف الشافِعيَّةُ بَيعَ المُلامَسةِ بأنَّه: أنْ يَأتيَ بثَوبٍ مَطويٍّ، أو في ظُلمةٍ، فيَلمِسَه المُستامُ، فيَقولَ صاحِبُه: بِعتُكَه هو بكَذا، بشَرطِ أنْ يَقومَ لَمسُكَ مَقامَ نَظَرِكَ، ولا خيارَ لكَ إذا رأيتَه.
أو أنْ يَجعَلا اللَّمسَ نَفسَه بَيعًا، فيَقولَ: إذا لَمَستَه فهو مُباعٌ لَكَ.
(١) «الجوهرة النيرة» (٣٧٨، ٧٩)، و «اللباب» (١/ ٣٨١)، و «عمدة القاري» (١١/ ٦٦)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٧٥، ٧٦).
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٢٧٣)، و «التمهيد» (١٣/ ١٤)، و «الاستذكار» (٦/ ٤٥٩).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع حبل الحبلة والملامسة والمنابذة وشراء الأعمى
بَابُ بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَشِرَاءِ الأعمى
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتِجَ الَّتِي في بطنها (قال الشافعي) فَإِذَا عَقَدَا الْبَيْعَ عَلَى هَذَا فَمَفْسُوخٌ لِلْجَهْلِ بوقته وَقَدْ لَا تُنْتِجُ أَبَدًا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ الَّذِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِهِ:
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ بَيْعُ نِتَاجِ النِّتَاجِ فَيَقُولُ إِذَا نَتَجَتْ نَاقَتِي هَذِهِ وَنَتَجَ نِتَاجُهَا فَقَدْ بِعْتُكَهُ بِدِينَارٍ فَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ فِي النِّتَاجِ الْأَوَّلِ وَالثَانِي لِأَنَّهَا قَدْ تُنْتِجُ وَقَدْ لَا تُنْتِجُ فَإِذَا أَنْتَجَتْ فَقَدْ يَتَقَدَّمُ نِتَاجُهَا وَيَتَأَخَّرُ، وَيَكُونُ تَارَةً ذَكَرًا وَتَارَةً أُنْثَى فَكَانَ بَيْعُهُ مَعَ هَذَا الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ بَاطِلًا. وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]
(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً
ــ
منح الجليل
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.
فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع
إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.
(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.
(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.
(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.