الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > حكم المعاملات المختلف فيها بين المسلمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةحُكمُ المُعامَلاتِ المُختلَفِ فيها بينَ المُسلِمينَ:
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: إنَّ المُسلِمَ إذا عامَلَ مُعامَلةً يَعتقِدُ هو جَوازَها، وقبَض المالَ، جازَ لِغيرِه مِنْ المُسلِمينَ أنْ يُعامِلَه في مِثلِ ذلك المالِ، وإنْ لَم يَعتقِدْ جَوازَ تلك المُعامَلةِ؛ فإنَّه قد ثبَت أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ رُفِعَ إليه أنَّ بَعضَ عُمَّالِه يَأخُذُ خَمرًا مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ عن الجِزيةِ، فقالَ: قاتَلَ اللَّهُ فُلانًا، أما عَلِمَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ؛ حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها وباعوها وأكَلوا أثمانَها»؟ ثم قالَ عمرُ: وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا مِنهم أثمانَها.
فأمَرَ عمرُ أنْ يَأخُذوا مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ الدَّراهِمَ التي باعوا بها الخَمرَ؛ لأنَّهم يَعتَقِدونَ جَوازَ ذلك في دِينِهم.
ولِهذا قالَ العُلماءُ: إنَّ الكُفَّارَ إذا تَعامَلوا بينَهم بمُعامَلاتٍ يَعتَقِدونَ جَوازَها، وتَقابَضوا الأموالَ، ثم أسلَموا، كانَتْ تلك الأموالُ لَهم حَلالًا، وإنْ تَحاكَموا إلينا أقرَرْناها في أيديهم، سَواءٌ تَحاكَموا قبلَ الإسلامِ أو بعدَه.
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمَرَهم بتَركِ ما بَقيَ في الذِّمَمِ مِنْ الرِّبا، ولَم يَأمُرْهم برَدِّ ما قَبَضوه؛ لأنَّهم كانوا يَستحِلُّونَ ذلك.
والمُسلِمُ إذا عامَلَ مُعامَلاتٍ يَعتقِدُ جَوازَها، كالحِيَلِ الرِّبَويَّةِ التي يُفتي
بها مَنْ يُفتي مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ، وأخَذ الثَّمنَ، أو زارَعَ على أنَّ البَذْرَ مِنْ العامِلِ، أو أكرَى الأرضَ بجُزءٍ مِنْ الخارِجِ منها، ونَحوَ ذلك، وقبَض المالَ، جازَ لِغيرِه مِنْ المُسلِمينَ أنْ يُعامِلَه في ذلك المالِ، وإنْ لَم يَعتقِدْ جَوازَ تلك المُعامَلةِ بطَريقِ الأوْلَى والأحْرَى، ولو أنَّه تَبيَّن له فيما بَعدُ رُجحانُ التَّحريمِ لَم يَكُنْ عليه إخراجُ المالِ الذي كَسَبَه بتَأويلٍ سائِغٍ؛ فإنَّ هذا أوْلَى بالعَفْوِ والعُذرِ مِنْ الكافِرِ المُتأوِّلِ، ولمَّا ضَيَّقَ بَعضُ الفُقهاءِ هذا على بَعضِ أهلِ الوَرَعِ ألجَأه إلى أنْ يُعامِلَ الكُفَّارَ ويَترُكَ مُعامَلةَ المُسلِمينَ، ومَعلومٌ أنَّ اللَّهَ ﷾ ورَسولَه ﷺ لا يَأمُرانِ المُسلِمَ بأنْ يَأكُلَ مِنْ أموالِ الكُفَّارِ ويَدَعَ أموالَ المُسلِمينَ، بَلِ المُسلِمونَ أوْلَى بكُلِّ خَيرٍ، والكُفَّارُ أوْلَى بكُلِّ شَرٍّ (١).
وقالَ أيضًا: وما قُبِضَ بتأويلٍ فإنَّه يَسوغُ لِلمُسلِمِ أنْ يَشتَريَه مِمَّنْ قبَضه، وإنْ كانَ المُشتَرِي يَعتقِدُ أنَّ ذلك العَقدَ مُحرَّمٌ، كالذِّمِّيِّ إذا باعَ خَمرًا وأخَذ ثَمَنَها جازَ لِلمُسلِمِ أنْ يُعامِلَه في ذلك الثَّمنِ، وإنْ كانَ المُسلِمُ لا يَجوزُ له بَيعُ الخَمرِ، كما قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه: وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا أثمانَها، وهذا كانَ سَبَبُه أنَّ بَعضَ عُمَّالِه أخَذ خَمرًا في الجِزيةِ وباعَ الخَمرَ لِأهلِ الذِّمَّةِ؛ فبلَغ ذلك عمرَ رضي الله عنه، فأنكَرَ ذلك، وقاله، وهذا ثابِتٌ عن عمرَ رضي الله عنه، وهو مَذهبُ الأئِمَّةِ، وهكذا مَنْ عامَلَ مُعامَلةً يَعتقِدُ جَوازَها في مَذهبِه، وقبَض المالَ، جازَ لِغيرِه أنْ يَشتَريَ ذلك المالَ مِنه، وإنْ كانَ لا
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣١٨، ٣٢٠).
يَرَى جَوازَ تلك المُعامَلةِ؛ فإذا قُدِّرَ أنَّ الوَظائِفَ قد فعَلها مَنْ يَعتقِدُ جَوازَها لِإفتاءِ بَعضِ النَّاسِ له بذلك، أو اعتَقَدَ أنَّ اعتِقادَ أخْذِ هذا المالِ وصَرْفِه في الجِهادِ وغيرِه مِنْ المَصالِحِ جائِزٌ، جازَ لِغيرِه أنْ يَشتَريَ ذلك المالَ منه، وإنْ كانَ لا يَعتقِدُ جَوازَ أصْلِ القَبضِ.
وعلى هذا فمَنِ اعتَقَدَ أنَّ لِوُلاةِ الأمرِ فيما فَعَلوه تَأويلًا سائِغًا جازَ أنْ يَشتَريَ ما قَبَضوه، وإنْ كانَ هو لا يُجوِّزُ ما فَعَلوه، مثلَ أنْ يَقبِضَ وَليُّ الأمْرِ مِنْ الزَّكاةِ قِيمَتَها فيَشتَريَ مِنها، ومثلَ أنْ يُصادِرَ بَعضُ العُمَّالِ مُصادَرةً يَعتقِدونَ جَوازَها، أو مثلَ أنْ يَرَى الجِهادَ وجَب على النَّاسِ بأموالِهم، وأنَّ ما أخَذوه مِنْ الوَظائِفِ هو مِنْ المالِ الذي يَجوزُ أخْذُه وصَرْفُه في الجِهادِ، وغيرَ ذلك مِنْ التَّأويلاتِ التي قد تَكونُ خَطأً، ولكنَّها ممَّا قد ساغَ فيه الِاجتِهادُ؛ فإذا كانَ قَبضُ وَليِّ الأمْرِ المالَ على هذا الوَجهِ جازَ شِراؤُه مِنه، وجازَ شِراؤُه مِنْ نائِبِه الذي أمَرَه أنْ يَقبِضَه، وإنْ كانَ المُشتَرِي لا يُسوِّغُ قَبْضَه، والمُشتَرِي لَم يَظلِمْ صاحِبَه، فإنَّه اشتَراه بمالِه مِمَّنْ قبَضه قَبضًا يَعتقِدُ جَوازَه.
وإنْ كانَ على هذا الوَجهِ فشِراؤُه حَلالٌ في أصَحِّ القَولَيْنِ، وليسَ مِنْ الشُّبَهاتِ؛ فإنَّه إذا جازَ أنْ يَشتَريَ مِنْ الكُفَّارِ ما قَبَضوا بعُقودٍ يَعتقِدونَ جَوازَها، وإنْ كانَتْ مُحرَّمةً في دِينِ المُسلِمينَ؛ فلَأنْ يَجوزَ أنْ يَشتَريَ مِنْ المُسلِمِ ما قبَضه بعَقدٍ يَعتقِدُ جَوازَه أوْلَى، وإنْ كُنَّا نَراه مُحرَّمًا بطَريقِ الأوْلَى والأحْرَى، فإنَّ الكافِرَ تَأويلُه المُخالِفُ لِدِينِ الإسلامِ باطِلٌ قَطعًا، بخِلافِ تَأويلِ المُسلِمِ.
ولِهذا إذا أسلَموا وتَحاكَموا إلينا، وقد قَبَضوا أموالًا بعُقودٍ يَعتقِدونَ جَوازَها، كالرِّبا وثَمَنِ الخَمرِ والخِنزيرِ، لَم تَحرُمْ عليهم تلك الأموالُ كما لا تَحرُمُ مُعامَلَتُهم فيها قبلَ الإسلامِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، ولَم يُحرِّمْ ما قَبَضوه.
وهكذا مَنْ كانَ قد عامَلَ مُعامَلاتٍ رِبَويَّةً يَعتقِدُ جَوازَها، ثم تَبيَّن له أنَّها لا تَجوزُ، وكانَتْ مِنْ المُعامَلاتِ التي تَنازَعَ فيها المُسلِمونَ؛ فإنَّه لا يَحرُمُ عليه ما قبَضه بتلك المُعامَلةِ على الصَّحيحِ (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٢٦٥، ٢٦٧).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجزء الثاني أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة
وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الْبُيُوعِ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَقْدِ وَحَالِ الْعَقْدِ; وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ قِبَلِ صِفَةِ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَلَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ ثَمَنًا بِمَثْمُونٍ، أَوْ ثَمَنًا بِعَيْنٍ، فَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا بِثَمَنٍ سُمِّيَ صَرْفًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا بِمَثْمُونٍ سُمِّيَ بَيْعًا مُطْلَقًا وَكَذَلِكَ مَثْمُونًا بِمَثْمُونٍ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا بِذِمَّةٍ سُمِّيَ سَلَمًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ سُمِّيَ بَيْعَ خِيَارٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُرَابَحَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُرَابَحَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُزَايَدَةِ سُمِّيَ بَيْعَ مُزَايَدَةٍ.
الْجُزْءُ الثَّانِي أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْأَعْيَانِ الْمُحَرَّمَةِ الْبَيْعِ
; الْجُزْءُ الثَّانِي إِذَا اعْتُبِرَتِ الْأَسْبَابُ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا وَرَدَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ فِي الْبُيُوعِ، (وَهِيَ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةُ) وُجِدَتْ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمَبِيعِ. وَالثَّانِي: الرِّبَا. وَالثَّالِثُ: الْغَرَرُ. وَالرَّابِعُ: الشُّرُوطُ الَّتِي تَئُولُ إِلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمَا.
وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ بِالْحَقِيقَةِ أُصُولُ الْفَسَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ فِيهَا الْبَيْعُ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعٌ لَا لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.