حكم بيع الحاضر للبادي

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > حكم بيع الحاضر للبادي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 27 دقيقة قراءة

حكم بيع الحاضر للبادي - الأقوال والأدلة

وقيلَ: هو أنْ يَبيعَ الحَضَريُّ سِلعَتَه مِنْ البَدَويِّ ويَكونَ أهلُ البَلَدِ في قَحطٍ، وهو يَبيعُ لِأهلِ البَدْوِ؛ طَمَعًا في الثَّمنِ الغالي؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بأهلِ البَلَدِ، وعلى هذا التَّفسيرِ تَكونُ اللَّامُ في «وَلا يَبعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، بمَعنَى «مِنْ»، أي: لا يَبعْ حاضِرٌ مِنْ بادٍ، ويَشهَدُ لِهَذا التَّفسيرِ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ: لو أنَّ أعرابًا قَدِموا الكُوفةَ، وأرادوا أنْ يَمتاروا مِنها، ويَضُرُّ ذلك بأهلِ الكُوفةِ، قالَ: أمنَعُهم عن ذلك، قالَ: ألَا تَرَى أنَّ أهلَ البَلدةِ يُمنَعونَ عن الشِّراءِ لِلحُكرةِ، فهذا أوْلَى.

وهذا تَفسيرٌ مِمَّنْ قالَ: إنَّ الحاضِرَ هو المالِكُ، والباديَ هو المُشتَرِي.

وقالَ المالِكيَّةُ: أنْ يَبيعَ أهلُ القُرَى لِأهلِ الباديةِ سِلَعَهم أو يُرسِلَ بها لِتُباعَ له.

وقالَ الشافِعيَّةُ: هو أنْ يَقدَمَ إلى البَلَدِ بَدَويٌّ بسِلعةٍ يُريدُ بَيعَها بسِعرِ الوَقتِ؛ لِيَرجِعَ إلى وَطَنِه، فيَأتيَه بَلَديٌّ فيَقولَ: ضَعْ مَتاعَكَ عِندي لِأبيعَه لَكَ على التَّدريجِ بأغلَى مِنْ هذا السِّعرِ.

وقالَ الحَنابِلةُ: هو أنْ يَخرُجَ الحَضَريُّ إلى البادي وقد جَلَبَ السِّلعةَ فيُعرِّفَه السِّعرَ، ويَقولَ: أنا أبيعُ لَكَ. والبادي هَهُنا مَنْ يَدخُلُ البَلدةَ مِنْ غيرِ أهلِها سَواءٌ أكانَ بَدَويًّا أو مِنْ قَريةٍ أو بَلدةٍ أُخرَى.

حُكمُ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي:

قد اختلَف العُلماءُ في حُكمِ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي، هل هو صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو باطِلٌ؟

فقالَ جُمهورُ العُلماءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ بأنَّ البَيعَ صَحيحٌ مع الحُرمةِ؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا يُتلَقَّى الرُّكبانُ لِبَيعٍ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ» (١).

وعن طاووسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قالَ: نهَى رَسولُ اللَّهِ أنْ تُتلَقَّى الرُّكبانُ، وأنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، قالَ: فقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: ما قَولُه: حاضِرٌ لِبادٍ؟ قالَ: لا يَكُنْ له سِمسارًا (٢).

وعن جابرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرزُقُ اللَّهُ بَعضَهم مِنْ بَعضٍ» (٣).

وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قالَ: نُهينا أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبادٍ، وإنْ كانَ أخاه أو أباهُ (٤). وأمَّا دَليلُ صِحَّةِ البَيعِ فلِكَونِ النَّهيِ لِمَعنًى في غيرِ المَنهيِّ عنه؛ لأنَّ النَّهيَ لِمَعنًى يَتعلَّقُ بعَينِ المَعقودِ عليه، وهو النَّظَرُ لِأهلِ البَلَدِ، لِمَقصودِ التَّوسِعةِ؛ فهو كتَلَقِّي الرُّكبانِ؛ نَظَرًا لِحَقِّ الجالِبِينَ؛ فيَحرُمُ البَيعُ ويَصحُّ.

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ وبَعضُ المالِكيَّةِكابنِ القاسِمِ في أحَدِ قَولَيْه وأصبَغ وهو مَرويٌّ عن مالِكٍ إلى أنَّ البَيعَ حَرامٌ، ولا يَصحُّ، ويَفسُدُ العَقدُ،

(١) رواه البخاري (٢٠٤٣)، ومسلم (١٥١٥).
(٢) رواه البخاري (٢٠٥٠)، ومسلم (١٥٢١).
(٣) رواه مسلم (١٥٢٢).
(٤) رواه مسلم (١٥٢٣).

رَضُوا بذلك أو لا؛ لأنَّ النَّبيَّ نهَى عنه، والنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، ولأنَّ الضَّرَرَ لا يُمكِنُ تَدارُكُه؛ لأنَّه لِآدَميٍّ غيرِ مُعيَّنٍ.

وعن الإمامِ أحمدَ: أنَّه مَكروهٌ، وليسَ بحَرامٍ.

وعنه: أنَّه جائِزٌ، وأنَّ النَّهيَ اختَصَّ بأوَّلِ الإسلامِ؛ لِمَا كانَ عليهم مِنْ الضِّيقِ في ذلك.

لكنْ قَيَّدَ العُلماءُ الحُرمةَ بشُروطٍ تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِمَذهبٍ:

فقالَ الحَنفيَّةُ: وهو مَكروهٌ تَحريمًا، إذا كانَ أهلُ البَلَدِ في قَحطٍ وعَوَزٍ، أي: في حاجةٍ، وهو أنْ يَبيعَ مِنْ أهلِ البَلَدِ طَمَعًا في الثَّمنِ الغالي؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بهم، أمَّا إذا لَم يَكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به؛ لِانعِدامِ الضَّرَرِ.

وقيلَ: هو أنْ يَمنَعَ السِّمسارُ الحاضِرُ القَرَويَّ مِنْ البَيعِ، ويَقولَ له: لا تَبِعْ أنتَ، أنا أعلَمُ بذلك مِنْكَ. فيَتوكَّلُ له ويَبيعُ ويُغالي، ولو ترَكه يَبيعُ بنَفْسِه لَأرخَصَ على النَّاسِ.

وقالَ المالِكيَّةُ: يَحرُمُ بَيعُ حاضِرٍ سِلَعًا، ولو لِتِجارةٍ لِعَموديٍّ قَدِمَ بها الحاضِرةَ، ولا يُعرَفُ ثَمَنُها بالحاضِرةِ، وكانَ البَيعُ لِحاضِرٍ، فلا يَجوزُ؛ لِلنَّهيِ عن ذلك بخِلافِ ما لو باعَ الحاضِرُ لِبَدَويٍّ مِثلِه؛ فإنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ البَدَويَّ لا يَجهَلُ أسعارَ هذه السِّلَعِ؛ فلا يَأخُذُها إلَّا بأسعارِها، سَواءٌ اشتَراها مِنْ حَضَريٍّ أو مِنْ بَدَويٍّ، فبَيعُ الحَضَريِّ له بمَنزِلةِ بَيعِ بَدَويٍّ لِبَدَويٍّ، أو كانَ العَموديُّ يَعرِفُ ثَمَنَها، فيَجوزُ لِلحاضِرِ أنْ يَتوَلَّى بَيعَها له؛ وذلك لأنَّ النَّهيَ لِأجْلِ أنْ يَبيعوا لِلنَّاسِ برُخصٍ، وهذه العِلَّةُ إنَّما تُوجَدُ إذا

كانوا جاهِلِينَ بالأسعارِ، فإذا عَلِموا بالأسعارِ لا يَبيعونَ إلَّا بقِيمَتِها، كما يَبيعُ الحاضِرُ؛ فبَيعُ الحاضِرِ حينَئذٍ بمَنزِلةِ بَيعِهم.

وكذا يَحرُمُ لو بَعَثَ بالسِّلعةِ إلى أخٍ له مِنْ أهلِ القُرَى، ولَم يَقدَمْ مع سِلعَتِه لِيَبيعَها له.

وقالَ الشافِعيَّةُ: لِتَحريمِ بَيعِ الحاضِرِ لِلبادي شُروطٌ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ عالِمًا بالنَّهيِ فيه، وهذا شَرطٌ يَعُمُّ جَميعَ المَناهي.

والثَّاني: أنْ يَكونَ المَتاعُ المَجلوبُ ممَّا تَعُمُّ الحاجةُ إليه، كالأطعِمةِ ونَحوِها، فأمَّا ما لا يُحتاجُ إليه إلَّا نادِرًا فلا يَدخُلُ في النَّهيِ.

والثَّالثُ: أنْ يَظهَرَ ببَيعِ ذلك المَتاعِ سَعةٌ في البَلَدِ، فإنْ لَم يَظهَرْ -لِكِبَرِ البَلَدِ، أو قِلَّةِ ما معه، أو لِعُمومِ وُجودِه ورُخصِ السِّعرِ- فوَجهانِ، أوفَقُهما لِلحَديثِ: التَّحريمُ.

والرَّابِعُ: أنْ يَعرِضَ الحَضَريُّ ذلك على البَدَويِّ ويَدعوَه إليه، أمَّا إذا التَمَسَ البَدَويُّ مِنه بَيعَه تَدريجًا، أو قصَد الإقامةَ في البَلَدِ لِيَبيعَه كذلك، فسَألَ البَلَديُّ تَفويضَه إليه، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه لَم يَضُرَّ بالنَّاسِ، ولا سَبيلَ إلى مَنعِ المالِكِ منه.

ولو أنَّ البَدَويَّ استَشارَ البَلَديَّ فيما فيه حَظُّه فهل يُرشِدُه إلى الِادِّخارِ والبَيعِ على التَّدريجِ؟ وَجهانِ:

أحَدُهما: يَجِبُ عليه إرشادُه إليه أداءً لِلنَّصيحةِ.

والآخَرُ: لا يُرشِدُه إليه تَوسيعًا على النَّاسِ، ثم لو باعَ البَلَديُّ لِلبَدَويِّ عندَ اجتِماعِ شُروطِ التَّحريمِ أثِمَ، وصَحَّ البَيعُ.

والإثْمُ على البَلَديِّ دونَ البَدَويِّ، ولا خِيارَ لِلمُشتَرِي.

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُشترَطُ لعَدمِ الصِّحَّةِ خَمسةُ شُروطٍ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ الحاضِرُ قصَد الباديَ لِيَتوَلَّى البَيعَ له؛ لأنَّه إذا قصَده البادي لَم يَكُنْ لِلحاضِرِ أثَرٌ في عَدَمِ التَّوسِعةِ.

والثَّاني: أنْ يَكونَ البادي جاهِلًا بالسِّعرِ؛ لأنَّه إذا عرَفه لَم يَزِدْه الحاضِرُ على ما عندَه؛ فإذا كانَ البادي عارِفًا بالسِّعرِ لَم يَحرُمْ.

الثَّالثُ: أنْ يَكونَ قد جَلَبَ السِّلَعَ لِلبَيعِ؛ لأنَّه إذا حضَر لِخَزْنِها فقصَده الحاضِرُ وحَضَّه على بَيعِها، كانَ ذلك تَوسِعةً، لا تَضييقًا.

والرَّابِعُ: أنْ يَحضُرَ البادي لِبَيعِ سِلعَتِه بسِعرِ يَومِها؛ لأنَّه مَتَى لَم يَقدَمْ إلى مَوضِعٍ آخَرَ لَم يَكُنْ باديًا، فيَكونَ ذلك بسِعرِ يَومِها؛ لأنَّه إذا قصَد بَيعَها بسِعرٍ مَعلومٍ كانَ المَنعُ مِنْ جِهَتِه، لا مِنْ جِهةِ الحاضِرِ، وهذا هو المَذهبُ.

وعنه حُكمُ ما إذا وَجَّهَ بها البادي إلى الحاضِرِ لِيَبيعَها له، حُكمُ حُضورِ البادي لِيَبيعَها.

والخامِسُ: أنْ يَكونَ بالنَّاسِ حاجةٌ إلى مَتاعِه، وضِيقٌ في تَأخيرِ بَيعِه؛ لأنَّهم إذا لَم يَكونوا مُحتاجينَ لَم يُوجَدِ المَعنَى الذي نهَى الشَّرعُ لِأجْلِه.

فَمَتَى اختَلَّ مِنها شَرطٌ صَحَّ البَيعُ، ولَم يَحرُمْ، وزالَ النَّهيُ؛ لأنَّ

المَوقوفَ على شُروطٍ يَزولُ بزَوالِ أحَدِها، وإنِ اجتَمَعتْ هذه الشُّروطُ فالبَيعُ حَرامٌ ويَبطُلُ.

وقد اختلَف العُلماءُ في المَقصودِ بهذا الحَديثِ، هل هذا النَّهيُ عامٌّ فيَشمَلَ أهلَ البَوادي والمَدائِنِ أو خاصٌّ بأهلِ الباديةِ دونَ غيرِهم؟

فجُمهورُ العُلماءِ يَرَوْنَ أنَّ هذا عامٌّ، ولا يَختَصُّ بالبَدَويِّ، فكلُّ وَرَّادٍ على مَحَلٍّ، ولو مَدَنيًّا، يَدخُلُ تَحتَ هذا الحَديثِ، وقَوله : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، إنَّما خرَج على الأعَمِّ في أنَّ أهلَ الباديةِ هُمْ الذين يَجلِبونَ إلى الحاضِرةِ؛ فالحاضِرُ ساكِنُ الحاضِرةِ، وهي المُدُنُ والقُرَى، والبادي ساكِنُ الباديةِ، وهي خِلافُ الحاضِرةِ، والتَّعبيرُ به جَرى على الأغلَبِ، وإلَّا فالمُرادُ أيُّ شَخصٍ، كما تَقدَّمَ.

أمَّا الإمامُ مالِكٌ فاختلَف قَولُه في أهلِ الباديةِ الذين لا يَجوزُ لِلحَضَريِّ أنْ يَبيعَ لَهم، على ثَلاثةِ أقوالٍ:

أحَدُها -وهو المَشهورُ-: أنَّهم أهْلُ العَمودِ خاصَّةً دونَ أهلِ القُرَى المَسكونةِ التي لا يُفارِقُها أهلُها.

والثَّاني: أنَّهم أهلُ العَمودِ، وأهلُ القُرَى دونَ أهلِ المُدُنِ.

والثَّالثُ: أنَّه لا يَجوزُ لِلحاضِرِ أنْ يَبيعَ لِلجالِبِ، وإنْ كانَ مِنْ أهلِ المُدُنِ والحَواضِرِ؛ فرَأى على هذا القَولِ أنَّ المَعنَى في النَّهيِ إنَّما هو على أنْ يَبيعَ الحاضِرُ لِلبادي، ولأنَّ قَولَه : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، إنَّما خرَج على الأعَمِّ في أنَّ أهلَ الباديةِ هُمْ الذين يَجلِبونَ إلى الحاضِرةِ.

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: كانَ مالِكٌ يَقولُ: تَفسيرُ ذلك أهلُ الباديةِ وأهلُ القُرَى؛ فأمَّا أهلُ المَدائِنِ مِنْ أهلِ الرِّيفِ فإنَّه ليسَ بالبَيعِ لَهم بَأْسٌ مِمَّنْ يَرَى أنَّه يَعرِفُ السَّومَ، إلَّا مَنْ كانَ مِنهم يُشبِهُ أهلَ الباديةِ؛ فإنِّي لا أُحِبُّ أنْ يَبيعَ لَهم حاضِرٌ. وقالَ في البَدَويِّ: يَقدَمُ فيَسألُ الحاضِرَ عن السِّعرِ، أكرَهُ له أنْ يُخبِرَه، ولا بَأْسَ أنْ يَشتَريَ له، إنَّما يُكرَهُ أنْ يَبيعَ له؛ فأمَّا أنْ يُشترَطَ له فلا بَأْسَ. هذه رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عنه، قالَ ابنُ القاسِمِ: ثم قالَ بَعدُ -يَعني مالِكًا-: ولا يَبيعُ مِصريٌّ لِمَدَنيِّ، ولا مَدَنيٌّ لِمِصريٍّ، ولكنْ يُشيرُ عليه.

وقالَ ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ: لا أرَى أنْ يَبيعَ الحاضِرُ لِلبادي، ولا لِأهلِ القُرَى. وقد حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسِمِ قالَ: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ المُؤمِنِ قالَ: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ مُحمَّدٍ الجُنديُّ قالَ: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ زِيادٍ قالَ: حدَّثنا أبو قُرَّةَ قالَ: قُلتُ لِمالِكٍ: قَولُ النَّبيِّ : «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ»، ما تَفسيرُه؟ قالَ: لا يَبِعْ أهلُ القُرَى لِأهلِ الباديةِ سِلَعَهم. قُلتُ: فإنْ بَعَثَ بالسِّلعةِ إلى أخٍ له مِنْ أهلِ القُرَى، ولَم يَقدَمْ مع سِلعَتِه؟ قالَ: لا يَنبَغي لَه. قُلتُ له: ومَن أهلُ الباديةِ؟ قالَ: أهْلُ العَمودِ. قُلتُ لَهُ: القُرَى المَسكونةُ التي لا يُفارِقُها أهلُها يُقيمونَ فيها تَكونُ قُرًى صِغارًا في نَواحي المَدينةِ العَظيمةِ؛ فيَقدَمُ بَعضُ أهلِ تلك القُرَى الصِّغارِ إلى أهلِ المَدينةِ بالسِّلَعِ، فيَبيعُها لَهم أهلُ المَدينةِ. قالَ: نَعَمْ، إنَّما مَعنَى الحَديثِ أهْلُ العَمودِ. ورَوى أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ فيمَن فعَل ذلك مِنْ بَيعِ الحاضِرِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب النهي عن بيع حاضر لباد والنهي عن تلقي السلع

بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعٍ حَاضِرٍ لِبَادٍ وَالنَّهْيِ عن تلقي السلع

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ " وَزَادَ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " (قال) فَإِنْ بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ فَهُوَ عَاصٍ إِذَا كان عالما بالحديث ولم يفسخ لأن في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " يتبين أن عقدة البيع جائزة ولو كانت مفسوخة لم يكن بيع حاضر لباد يمنع المشتري شيئا من فضل البيع وإنما كان أهل البوادي إذا قدموا بسلعهم يبيعونها بسوق يومهم للمؤنة عليهم في حبسها واحتباسهم عليها ولا يعرف من قلة سلعته وحاجة الناس إليها ما يعلم الحاضر فيصيب الناس من بيوعهم رزقا وإذا توكل لهم أهل القرية المقيمون تربصوا بها لأنه لا مؤنة عليهم في المقام بها فلم يصب الناس ما يكون في بيع أهل البادية " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.

وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ.

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " .

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في صفة البيع الذي يحصل به التفريق

يَكُونُ ضَرَرًا مَعْنًى وَلَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا نَسَمَةً لِلْعِتْقِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُكْرَهُ.

(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالَةِ الْمُشْتَرِي إنْجَازُ مَا وَعَدَ فَيَخْرُجُ التَّفْرِيقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ نَفْعٌ أَعْظَمُ مِنْهُ وَهُوَ الْعِتْقُ.

(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فِي الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ مَشْرُوطًا لَأَوْجَبَ فَسَادَ الْبَيْعِ فَبَقِيَ قَصْدُ الْإِعْتَاقِ وَتَنْفِيذُ هَذَا الْقَصْدِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَبَقِيَ الْبَيْعُ تَفْرِيقًا فَيُكْرَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، قَالُوا: لَا يُكْرَهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَا مَحَالَةَ فَيَخْرُجُ الْبَيْعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ضَرَرًا.

فَصْلٌ فِي صِفَة الْبَيْعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ

(فَصْلٌ) :

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشفعة
٨٧٣ - مسألة؛ قال: (ومن كان غائبا، وعلم بالبيع في وقت قدومه، فله الشفعة، [وإن طالت غيبته)

الخَطَّابِ: لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه لأنَّها ثَبَتَتْ له ولم يُوجَدْ منه رِضًى بِتَرْكِها، ولا ما يَدُلُّ على إسْقاطِها، والأَصْلُ بَقاؤُها فتَبْقَى. وفارَقَ ما إذا عَلِمَ، فإنَّ بَيْعَه دَلِيلٌ على رِضَاهُ بِتَرْكِها، فعلى هذا، للبائِع الثانِى أخْذُ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى الأَوَّلِ، فإن عَفَا عنه ، فلِلمُشْتَرِى الأولِ أخْذُ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى الثاني، وإن أخَذَ منه، فهل لِلْمُشْتَرِى الأولِ الأَخْذُ من الثانِى؟ على وَجْهَيْنِ.

٨٧٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ غائِبًا، وعَلِمَ بِالْبَيْعِ في وَقْتِ قُدُومِهِ، فَلَهُ الشُّفْعةُ، وَإنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ)

وجملةُ ذلك أنَّ الغائِبَ له شُفْعَةٌ . في قولِ أَكْثَر أهْلِ العِلْمِ. رُوِى ذلك عن شُرَيْحٍ، والحَسَنِ، وعَطَاءٍ. وبه قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. ورُوِىَ عن النَّخَعِيِّ: ليس للغائِبِ شُفْعَةٌ. وبه قال الحارِثُ العُكلِىُّ، والبَتِّىُّ، إلَّا للغائِبِ القَرِيبِ؛ لأنَّ إثْباتَ الشُّفْعةِ له يَضُرُّ بالمُشْتَرِى، ويَمْنَعُ من اسْتِقْرارِ مِلْكِه وتَصَرُّفِه على حَسَبِ اخْتِيارِه، خَوْفًا من أَخْذِه، فلم يَثْبُتْ ذلك كَثُبُوتِه للحاضِرِ على التَّرَاخِى. ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" . وسائرُ الأَحادِيثِ، ولأنَّ الشُّفْعةَ حَقٌّ مالِىٌّ وُجِدَ سَبَبُه بالنِّسْبةِ إلى الغائِبِ، فيَثْبُتُ له، كالإِرْثِ، ولأنَّه شَرِيكٌ لم يَعْلَم بالبَيْعِ، فتَثْبُتُ له الشُّفْعةُ عند عِلْمِه، كالحاضِرِ إذا كُتِمَ عنه البَيْعُ، والغائِبِ غَيْبةً قَرِيبةً، وضَرَرُ المُشْتَرِى يَنْدَفِعُ بإِيجابِ القِيمَةِ له، كما في الصُّوَرِ المذْكُورةِ. إذا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 382 - 388

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله