ضمان المقبوض بعقد فاسد

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > ضمان المقبوض بعقد فاسد

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

ضمان المقبوض بعقد فاسد - الأقوال والأدلة

ضَمانُ المَقبوضِ بعَقدٍ فاسِدٍ:

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ المَقبوضِ بعَقدٍ فاسِدٍ، هل هو مَضمونٌ على مَنْ في يَدِه أو لا؟ على أقوالٍ وتَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ:

فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المَقبوضَ بشِراءٍ فاسِدٍ يَضمَنُه المُشتَرِي ضَمانَ الغَصبِ بزَوائِدِه؛ لأنَّه قبَضه على وَجْهِ الضَّمانِ، ولا بدَّ، وعليه مُؤنةُ رَدِّه كالمَغصوبِ، وإنْ نقَص ضمِن نُقصانَه، وزَوائِدُه مَضمونةٌ، وفي تَعيُّبِه أرشُ النَّقصِ، وفي تَلَفِه وإتلافِه الضَّمانُ.

قالَ الشافِعيَّةُ: المَقبوضُ بشِراءٍ فاسِدٍ؛ لِفَقدِ شَرطٍ أو لِشَرطٍ فاسِدٍ، يَضمَنُه المُشتَرِي ضَمانَ الغَصبِ؛ لأنَّه مُخاطَبٌ كُلَّ لَحظةٍ مِنْ جِهةِ الشارِعِ برَدِّه؛ فإنْ كانَ تالِفًا لزِمه رَدُّ مِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا، وأقصى قِيمةٍ إنْ كانَ مُتقوَّمًا، وإنْ كانَ باقيًا فعليه رَدُّه ومُؤنةُ الرَّدِّ، وليسَ له حَبسُه لِاستِردادِ الثَّمنِ، ولا يَتقدَّمُ به على الغُرَماءِ، كالرَّهنِ الفاسِدِ، وإنْ أنفَقَ عليه لَم يَرجِعْ على البائِعِ بما أنفَقَ، ولو جَهِلَ الفَسادَ.

ولو حَذَفَ العاقِدانِ المُفسِدَ لِلعَقدِ، ولو في مَجلِسِ الخِيارِ، لَم يَنقَلِبْ صَحيحًا؛ إذْ لا عِبرةَ بالفاسِدِ، بخِلافِ ما إذا ألحَقا شَرطًا فاسِدًا أو صَحيحًا في مَجلِسِ الخِيارِ؛ فإنَّه يَلحَقُ العَقدَ؛ لأنَّ مَجلِسَ العَقدِ كالعَقدِ.

ولو باعَ في صَفقةٍ واحِدةٍ حَلالًا وحَرامًا، كأنْ باعَ مُذَكَّاةً ومَيْتةً أو خَلًّا وخَمرًا صَحَّ البَيعُ في الحَلالِ، وبطَل في الحَرامِ.

وفي ذلك يَقولُ النَّوويُّ في الرَّوضةِ: إذا اشتَرَى شَيئًا شِراءً فاسِدًا، إمَّا

لِشَرطٍ فاسِدٍ، وإمَّا لِسَبَبٍ آخَرَ، ثم قبَضه، لَم يَملِكْه بالقَبضِ، ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيه، ويَلزَمُه رَدُّه، وعليه مُؤنةُ رَدِّه، كالمَغصوبِ، ولا يَجوزُ حَبسُه، لِاستِردادِ الثَّمنِ.

ولا يَقدَمُ به على الغُرَماءِ على المَذهبِ، وحُكيَ قَولٌ ووَجْهٌ لِلإصْطَخْريِّ أنَّ له حَبسَه ويَقدَمُ به على الغُرَماءِ، وهو شاذٌّ ضَعيفٌ.

وتَلزَمُه أُجرةُ المِثلِ لِلمُدَّةِ التي كانَ هو في يَدِه، سَواءٌ استَوفَى المَنفَعةَ، أو تلِف تَحتَ يَدِه. وإنْ تَعيَّبَ في يَدِه فعليه أرشُ النَّقصِ، وإنْ تلِف فعليه قِيمَتُه أكثَرَ ما كانَتْ مِنْ يَومِ القَبضِ إلى يَومِ التَّلَفِ، كالمَغصوبِ؛ لأنَّه مُخاطَبٌ كُلَّ لَحظةٍ مِنْ جِهةِ الشَّرعِ برَدِّه.

وفي وَجْهٍ: تُعتبَرُ قِيمَتُه يَومَ التَّلَفِ.

وفي وَجْهٍ: يَومَ القَبضِ. وقد يُعبَّرُ عن هذا الخِلافِ بالأقوالِ، وكَيفَ كانَ.

فالمَذهبُ: اعتِبارُ الأكثَرِ، وما حدَث مِنْ الزَّوائِدِ المُنفَصِلةِ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ، والمُتَّصِلةِ، كالسِّمَنِ، وتَعلُّمِ صَنعةٍ، مَضمونٌ عليه، كزَوائِدِ المَغصوبِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: المَقبوضُ بعَقدٍ فاسِدٍ لا يُملَّكُ به، ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، ويَضمَنُه، كالغَصبِ، ويَلزَمُه رَدُّ النَّماءِ المُنفصِلِ والمُتَّصِلِ مِنْ وَلَدٍ وثَمَرةٍ وكَسبٍ، وغيرِها، كمَغصوبٍ، وأُجرةُ

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٣)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٨٠)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٣٦)، و «حاشية القليوبي» (٢/ ٢٧٦).

مِثلِه مُدَّةَ بَقائِه في يَدِه، وإنْ نقَص ضمِن نَقْصَه، وإنْ تلِف فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه يَومَ التَّلَفِ، وذلك لِحُصولِه بيَدِه بغيرِ إذْنِ الشَّرعِ، أشبَهَ المَغصوبَ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: إنَّ المُشتَريَ إذا قبَض المَبيعَ في البَيعِ الفاسِدِ، دخَل في ضَمانِه؛ لأنَّه لَم يَقبِضْه على وَجْهِ الأمانةِ، وإنَّما قبَضه على التَّمليكِ، بحَسَبِ زَعْمِه، وإنْ لَم يَنتقِلْ إليه المِلْكُ، بحَسَبِ الأمْرِ نَفْسِه، ويَتعيَّنُ عليه رَدُّه إلى رَبِّه، ما لَم يَفُتْ، وُجوبًا، ويَحرُمُ انتِفاعُ المُشتَرِي به ما دامَ قائِمًا، كأنْ لَم يَخرُجْ عن يَدِه ببَيعٍ أو بُنيانٍ أو غَرسٍ.

ولا غَلَّةَ تَصحَبُه في رَدِّه، بَلْ يَفوزُ بها المُشتَرِي؛ لأنَّه كانَ في ضَمانِه، ولأنَّ الغَلَّةَ بالضَّمانِ، ولا يُرجَعُ على البائِعِ بالنَّفَقةِ؛ لأنَّ مَنْ له الغَلَّةُ عليه النَّفَقةُ؛ فإنْ أنفَقَ على ما لا غَلَّةَ له رجَع بها، وإنْ أنفَقَ على ما له غَلَّةٌ لا تَفي بالنَّفَقةِ رجَع بزائِدِ النَّفَقةِ.

فإنْ فاتَ المَبيعُ فاسِدًا بيَدِ المُشتَرِي -بأنْ تَغيَّرتْ ذاتُه أو تَعيَّبَ أو تَعلَّقَ به حَقُّ الآخَرينَ- مَضى المُختلَفُ فيه -ولو في خارِجِ المَذهبِ المالِكيِّ- بالثَّمنِ الذي وقَع به البَيعُ.

وإنْ لَم يَكُنْ مُختلَفًا فيه، بَلْ كانَ مُتَّفقًّا على فَسادِه، ضمِن المُشتَرِي قِيمَتَه إنْ كانَ مُقوَّمًا يَومَ القَبضِ، وضمِن مثلَ المِثليِّ إذا بِيعَ كَيلًا أو وَزنًا، وعُلم كَيلُه أو وَزنُه، ولَم يَتعذَّرْ وُجودُه، وإلَّا ضمِن قِيمَتَه يَومَ القَضاءِ عليه بالرَّدِّ (٢).

(١) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٢٣٧)، و «القواعد» لابن رجب (١/ ٦٦)، و «كشف المخدرات» (١/ ٣٧٣)، و «منار السبيل» (٢/ ١٨)، و «حاشية اللبدي» ص (١٧٢).
(٢) يُنظر: «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ١١٥، ١١٦)، و «تحبير المختصر» =

وأمَّا الحَنفيَّةُ فكما سبَق يُفرِّقونَ بينَ البَيعِ الباطِلِ والبَيعِ الفاسِدِ.

فقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: الباطِلُ لا يُفيدُ المِلْكَ؛ لأنَّ الباطِلَ هو الخالي عنِ العِوَضِ والفائِدةِ، ويَكونُ أمانةً في يَدِه حتى لو هلَك فلا ضَمانَ على القابِضِ، لأنَّه لمَّا باعَ بما ليسَ بمالٍ وأمَرَه بقَبضِه فقد رَضيَ بقَبضِه بغيرِ بَدَلٍ ماليٍّ، فلا يَضمَنُ، كالمُودَعِ.

فلو اشتَرَى عَبدًا بمَيْتةٍ وقبَضه وأعتَقَه لا يُعتَقُ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ الصَّاحِبَيْنِ يَكونُ البَيعُ الباطِلُ مَضمونًا ويَهلِكُ بالقِيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ ما رَضيَ بقَبْضِه مَجَّانًا.

والمُعتبَرُ في القِيمةِ هو يَومُ القَبضِ؛ لأنَّ المَبيعَ بالقَبضِ دخَل في ضَمانِه، هذا إذا كانَ المَبيعُ قِيَميًّا؛ فإنْ كانَ مِثليًّا مَلَكَه بمِثلِه؛ إذْ هو أعدَلُ؛ لِكَونِه مِثْلًا له، صُورةً ومَعنًى.

والفاسِدُ يُفيدُ المِلْكَ بالقَبضِ بأمْرِ البائِعِ صَريحًا أو دِلالةً، كما إذا قبَضه في المَجلِسِ وسكَت حتى يَجوزَ له التَّصرُّفُ فيه إلَّا الِانتِفاعَ.

لِمَا رَوَتْ عَمرةُ عن عائِشةً رضي الله عنها أنَّها أتَتْها بَريرةُ تَسألُها في كِتابَتِها، فقالَتْ: إنْ شِئتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويَكونُ الوَلاءُ لي. فلمَّا جاءَ رَسولُ اللَّهِ ذَكَرتْ له ذلك، قالَ النَّبيُّ : ابتاعيها فأعتِقيها؛

= (٣/ ٥٥٣، ٥٥٧)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢١١، ٢١٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٠١، ٤٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٨٦)، و «الواكة الدواني» (٢/ ٨٨)، و «كفاية الطالب وحاشية العدوي» (٢/ ١٤٨)، و «القوانين الفقهية» (١٧٢).

فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ على المِنبَرِ فقالَ: «ما بالُ أقوامٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، مَنْ اشتَرطَ شَرطًا ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فليسَ له، وإنِ اشتَرطَ مِئةَ شَرطٍ» (١). فالنَّبيُّ أجازَ العِتقَ مع فَسادِ البَيعِ بالشَّرطِ؛ لأنَّ رُكنَ التَّمليكِ وهو قَولُه: (بِعتُ واشتَرَيتُ) صدَر مِنْ أهلِه، وهو المُكلَّفُ المُخاطَبُ، مُضافًا إلى مَحَلِّه، وهو المالُ، عن وِلايةٍ؛ إذِ الكَلامُ فيهما؛ فيَنعقِدُ؛ لِكَونِه وَسيلةً إلى المَصالِحِ، والفَسادُ لِمَعنًى يُجاوِرُه، كالبَيعِ وَقتَ النِّداءِ، والنَّهيُ لا يَنفي الِانعِقادَ، بَلْ يُقرِّرُه؛ لأنَّه يَقتَضي تَصوُّرَ المَنهيِّ عنه، والقُدرةَ عليه؛ لأنَّ النَّهيَ عَمَّا لا يُتصوَّرُ وعن غيرِ المَقدورِ قَبيحٌ، إلَّا أنَّه يُفيدُ مِلْكًا خَبيثًا لِمَكانِ النَّهيِ.

ولِهذا يَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ فَسخُه؛ إزالةً لِلخُبثِ، ورَفعًا لِلفَسادِ. ولا يُشترَطُ القَضاءُ، فيُفسَخُ بمَحضَرٍ مِنْ الآخَرِ، أي: بعِلمِه، رَضيَ أو لا؛ لأنَّ في الفَسخِ إلزامَ الفَسخِ على صاحِبِه؛ فلا يَلزَمُ بدُونِ عِلمِه.

ويُشترَطُ قِيامُ المَبيعِ حالةَ الفَسخِ؛ لأنَّ الفَسخَ بدُونِه مُحالٌ؛ فإنْ باعَه أو أعتَقَه أو وهَبه بعدَ القَبضِ جازَ، ولا يُنقَضُ لِمُصادَفةِ هذه التَّصرُّفاتِ مِلْكُه، ومُنِعَ الفَسخُ.

وعليه قِيمَتُه يَومَ قَبضِه، إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ القِيَمِ، أو مِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّه كالغَصبِ مِنْ حيثُ إنَّه مَنهيٌّ عن قَبضِه، ولِمَّا كانَ هذا العَقدُ ضَعيفًا؛ لِمُجاوَرَتِه المُفسِدَ، تَوقَّفتْ إفادةُ المِلْكِ على القَبضِ، كالهِبةِ.

(١) رواه البخاري (٢٧٣٥)، ومسلم (١٥٠٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان

بابُ الضَّمانِ

٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)

الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)

(كِتَابُ الضَّمَانِ)

تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -

(مسألة)

قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .

قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات

جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.

وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:

أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.

وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 442 - 446

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله