مقدار ما يوضع من الجائحة

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > مقدار ما يوضع من الجائحة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

مقدار ما يوضع من الجائحة - الأقوال والأدلة

وأمَّا العَطَشُ -كما قُلْنا- فلا خِلافَ بينَ الجَميعِ أنَّه جائِحةٌ.

وأمَّا ما أصابَ مِنْ صُنعِ الآدَميِّينَ فبَعضٌ مِنْ أصحابِ مالِكٍ رَآه جائِحةً، وبَعضٌ لَم يَرَه جائِحةً.

والَّذينَ رَأوْه جائِحةً انقَسَموا قِسمَيْنِ، فبَعضُهم رَأى مِنه جائِحةَ ما كانَ غالِبًا، كالجَيشِ، ولَم يَرَ ما كانَ مِنه بمُغافَصةِ جائِحةٍ مثلَ السَّرِقةِ، وبَعضُهم جعَل كُلَّ ما يُصيبُ الثَّمرةَ مِنْ جِهةِ الآدَميِّينَ جائِحةً، بأيِّ وَجْهٍ كانَ.

فمَن جعَلها في الأُمورِ السَّماويَّةِ فَقَط اعتَمَدَ ظاهِرَ قَولِه عليه الصلاة والسلام: «أرأيتَ إنْ منَع اللَّهُ الثَّمرةَ؟» (١).

ومَن جعَلها في أفعالِ الآدَميِّينَ شبَّهها بالأُمورِ السَّماويَّةِ.

ومَن استَثنَى اللِّصَّ قالَ: يُمكِنُ أنْ يُتحفَّظَ منه (٢).

مِقدارُ ما يُوضَعُ مِنْ الجائِحةِ:

اختلَف الفُقهاءُ في القَدْرِ الذي يُوضَعُ مِنْ الجائِحةِ، فذكَر المالِكيَّةُ أنَّ المَبيعَ الذي تُصيبُه الجائِحةُ ثَلاثةُ أنواعٍ:

أحَدُها: ثِمارُ التِّينِ، والتَّمرِ، والعِنَبِ، وما جَرى مَجراها مِنْ الجَوزِ، واللَّوزِ، والتُّفَّاحِ؛ فهذه يُراعَى في جَوائِحها الثُّلُثُ؛ فإنْ كانَ الذي تلِف أقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الثِّمارِ فلا يُوضَعُ عن المُشتَرِي شَيءٌ، وإنْ بلَغ التَّالِفُ مِنها الثُّلُثَ وُضِعَ عنه جَميعُ الجائِحةِ.

(١) رواه البخاري (٢١٩٨، ٢١٩٩).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٨٧، ١٨٨).

وإنَّما اعتُبِرَ الثُّلُثَ لأنَّ الثُّلُثَ فَرقٌ بينَ القَليلِ والكَثيرِ، كما ورَد في الوَصيَّةِ في قَولِه : «الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ» (١).

الثَّاني: البُقولُ والأُصولُ المُغَيَّبةُ، ممَّا الغَرَضُ في أعيانِها دونَ ما يَخرُجُ مِنها؛ ففيها رِوايَتانِ:

إحداهُما: انتِفاءُ وَضْعِ الجَوائِحِ فيها، والثَّانيةُ: إثباتُ حُكمِ الجائِحةِ فيها.

فعلى القَولِ بإثباتِ حُكمِ الجائِحةِ فيها هل يُعتبَرُ فيها الثُّلُثُ أو لا؟ رَوى ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ: أنَّ الجائِحةَ تُوضَعُ فيها، قَليلَها وكَثيرَها، بَلَغتِ الثُّلُثَ أو قَصُرتْ عنه، وفي المُدوَّنةِ عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ: إلَّا أنْ يَكونَ التَّالِفُ شَيئًا تافِهًا، ورَوى عَلِيُّ بنُ زِيادٍ عنه: لا يُوضَعُ مِنْ جائِحَتِها إلَّا ما بلَغ الثُّلُثَ.

الثَّالثُ: هو نَوعٌ جَرى مَجرَى البُقولِ في أنَّ أصْلَه مَبيعٌ مع ثَمَرَتِه، ويَجري مَجرَى الأشجارِ في أنَّ المَقصودَ مِنه ثَمَرَتُه، كالقِثَّاءِ، والبِطِّيخِ، والقَرْعِ، والباذِنجانِ، والفُولِ، والجُلبانِ؛ فهذا النَّوعُ يُعتبَرُ في جائِحَتِه الثُّلُثُ على رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وعليه جَميعُ المالِكيَّةِ.

ووَجْهُه أنَّ المَقصودَ مِنْ البَيعِ الثَّمرةُ؛ فوجَب أنْ يَكونَ حُكمُها حُكمَ سائِرِ الثِّمارِ، وقالَ أشهَبُ في كِتابِ ابنِ المَوَّازِ: المَقاثي، كالبَقلِ تُوضَعُ الجائِحةُ فيها، قَليلِها وكَثيرِها، دونَ اعتِبارِ الثُّلُثِ. ووَجْهُه أنَّ هذا نَباتٌ ليسَ له أصْلٌ ثابِتٌ، فلَم يُعتبَرْ فيه الثُّلُثُ، كالبُقولِ (٢).

(١) أخرجه البخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (١٦٢٨).
(٢) «المنتقى» (٤/ ٢٣٥)، و «القوانين الفقهية»، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٥).

وقد ذكَر ابنُ جُزَيٍّ أنَّه إذا كانَ المَبيعُ مِنْ الثِّمارِ أجناسًا مُختلِفةً، كالعِنَبِ والتِّينِ، في صَفقةٍ واحِدةٍ فأصابَتِ الجائِحةُ صِنفًا مِنها وسَلِمَ سائِرُها، فجائِحةُ كلِّ جِنسٍ مُعتبَرةٌ بنَفْسِه؛ فإنْ بَلَغتْ ثُلُثَه وُضِعَتْ، وإنْ قَصُرتْ عنه لَم تُوضَعْ.

وقالَ أصبَغُ رحمة الله عليه: يُعتبَرُ الجُملةُ؛ فإنْ كانَتِ الجائِحةُ ثُلُثَ الجَميعِ وُضِعَتْ، وإلَّا فلا (١).

ولو اشتَرطَ البائِعُ عندَ بَيعِ الثَّمرِ ألَّا يَضَعَ الجائِحةَ عنِ المُشتَرِي إنْ حَصَلتْ، فإنَّه يَكونُ عندَ المالِكيَّةِ شَرطًا فاسِدًا، ولو فيما عادَتُه أنْ يُجاحَ، ويَصحُّ العَقدُ لِنُدرةِ الجائِحةِ، وكذا لو شرَط البائِعُ ذلك لِنَفْسِه بعدَ العَقدِ. وإذا فسَد الشَّرطُ فلا يُقابِلُه مِنْ الثَّمنِ شَيءٌ.

وقالَ أبو الحَسَنِ: يَفسُدُ العَقدُ بذلك الشَّرطِ، أي: لِزِيادةِ الغَرَرِ (٢).

وذهَب الحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى وَضْعِ الجَوائِحِ في الثِّمارِ.

قالَ الحَنابِلةُ: هو في القَليلِ والكَثيرِ، إلَّا أنَّ الشَّيءَ التَّافِهَ لا يُلتَفَتُ إليه؛ فإذا تلِف شَيءٌ له قَدْرٌ خارِجٌ عن العادةِ وُضِعَ مِنْ الثَّمنِ بقَدْرِ الذَّاهِبِ؛ فإنْ تلِف الجَميعُ بطَل العَقدُ، ورجَع المُشتَرِي بجَميعِ الثَّمنِ.

وفي رِوايةٍ أُخرَى: أنَّ ما كانَ يُعَدُّ دونَ الثُّلُثِ فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي، ولا يُوضَعُ عن البائِعِ شَيءٌ، ويُعتبَرُ ثُلُثُ المَبلَغِ (المِقدارِ)، وقيلَ: ثُلُثُ

(١) «الزرقاني» (٥/ ١٩٣، ١٩٦).
(٢) «الشرح الكبير» الدسوقي (٣/ ١٥٨)، و «الشرح الصغير» (٣/ ٢٣٢).

القِيمةِ؛ فإنْ تلِف الجَميعُ أو أكثَرُ مِنْ الثُّلُثِ رجَع بقِيمةِ التَّالِفِ كُلِّه مِنْ الثَّمنِ (١).

وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيُّ في أصَحِّ قَولَيْه في الجَديدِ كما سبَقَ إلى أنَّ الثِّمارَ المَبيعةَ تَكونُ بعدَ التَّخليةِ في ضَمانِ المُشتَرِي، ولا يَجِبُ وَضْعُ الجائِحةِ، ولكنْ يُستحَبُّ (٢).

قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إنَّ الرَّجُلَ إذا اشتَرَى الثَّمرَ فقبَضه فأصابَتْه جائِحةٌ، فسَواءٌ مِنْ قَبلِ أنْ يَجِفَّ أو بعدَما جَفَّ، ما لَم يَجِدْه، وسَواءٌ كانَتِ الجائِحةُ أصابَتْ ثَمَرةً واحِدةً أو أتَتْ على جَميعِ المالِ، لا يَجوزُ فيها إلَّا واحِدٌ مِنْ قَولَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ لمَّا قبَضها، وكانَ مَعلومًا أنْ يَترُكَها إلى الجِذاذِ، كانَ في غيرِ مَعنَى مَنْ قبَض، فلا يَضمَنُ إلَّا ما قبَض، كما يَشتَرِي الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الطَّعامَ كَيلًا؛ فيَقبِضُ بَعضَه ويَهلِكُ بَعضُه قبلَ أنْ يَقبِضَه، فلا يَضمَنُ ما هلَك؛ لأنَّه لَم يَقبِضْه، ويَضمَنُ ما قبَض، وإمَّا أنْ يَكونَ إذا قبَض الثَّمرةَ كانَ مُسلَّطًا عليها إنْ شاءَ قطَعها، وإنْ شاءَ ترَكها؛ فما هلَك في يَدَيْه فإنَّما هلَك مِنْ مالِه، لا مِنْ مالِ البائِعِ؛ فأمَّا ما يَخرُجُ مِنْ هذا المَعنَى فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: يَضمَنُ البائِعُ الثُّلُثَ إنْ أصابَتْه جائِحةٌ، فأكثَرَ، ولا يَضمَنُ

(١) «المغني» (٦/ ١٧٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٠، ٤٧١)، و «الأم» للشافعي (٣/ ٥٦، ٥٧).
(٢) «البناية» (٦/ ٢٤٤)، و «فتح القدير» (٥/ ١٠٢)، و «المبسوط» (١٣/ ٩١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٠ - ٤٧١)، و «الأم» للشافعي (٣/ ٥٦، ٥٧)، و «الوجيز» (١/ ١٥١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٨٦).

أقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ؛ لأنَّه إنَّما اشتَراها بَيعةً واحِدةً، وقبَضها قَبضًا واحِدًا (١).

فَخُلاصةُ ما قالَه العُلماءُ في هذا تَنحصِرُ في ثَلاثةِ أقوالٍ:

أحَدُها: وَضعُ الجائِحةِ مُطلَقًا، سَواءٌ ما زادَ على الثُّلُثِ، أو ما نقَص عنه، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ والشافِعيِّ في القَديمِ.

بِالإضافةِ إلى ما سبَق ذِكْرُه عن المالِكيَّةِ في الثِّمارِ وفيما زادَ على الثُّلُثِ.

واستَدَلُّوا بوَضعِ الجائِحةِ بحَديثِ جابرٍ رضي الله عنه: أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «مَنْ باعَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَأخُذْ مِنْ أخيه شَيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيهِ؟» (٢).

وما رُويَ عنه رضي الله عنه أنَّه قالَ: أمرَ رَسولُ اللَّهِ بوَضعِ الجَوائِحِ (٣).

فعُمدةُ مَنْ أجازَ الجَوائِحَ حَديثا جابرٍ رضي الله عنه هَذانِ، وقياسُ الشَّبَهِ أيضًا، وذلك أنَّهم قالوا: إنَّه مَبيعٌ بَقيَ على البائِعِ فيه حَقُّ تَوفيةٍ، بدَليلِ ما عليه مِنْ سَقْيِه إلى أنْ يَكمُلَ؛ فوجَب أنْ يَكونَ ضَمانُه مِنه، أصْلُه سائِرُ المَبيعاتِ التي بَقيَ فيها حَقُّ تَوفيةٍ.

والفَرقُ عندَهم بينَ هذا المَبيعِ وبينَ سائِرِ البُيوعِ أنَّ هذا بَيعٌ وقَع في الشَّرعِ، والمَبيعُ لَم يَكمُلْ بَعدُ؛ فكَأنَّه مُستَثنًى مِنْ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم

(١) «الأم» للشافعي (٣/ ٥٩).
(٢) سبَق تخريجُه.
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

يُخلَقْ؛ فوجَب أنْ يَكونَ في ضَمانِه مُخالِفًا لِسائِرِ المَبيعاتِ.

القَولُ الثَّاني: عَدَمُ وَضعِ الجائِحةِ مُطلَقًا: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ في الجَديدِ، واستَدَلُّوا بتَشبيهِ هذا البَيعِ بسائِرِ المَبيعاتِ، وأنَّ التَّخليةَ في هذا المَبيعِ هي القَبضُ.

وقد اتَّفَقوا على أنَّ ضَمانَ المَبيعاتِ بعدَ القَبضِ مِنْ المُشتَرِي، ومِن طَريقِ السَّماعِ أيضًا حَديثُ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قالَ: أُجيحَ رَجُلٌ في ثِمارٍ ابتاعَها، وكَثُرَ دَيْنُه؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «تَصَدَّقوا عليه»؛ فتُصُدِّقَ عليه، فلَم يَبلُغْ وَفاءَ دَيْنِه. فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «خُذُوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكم إلَّا ذلك» (١)، قالوا: فلَم يَحكُمْ بالجائِحةِ.

وأيضًا فإنَّ أمْرَه إيَّاهم بالتَّصدُّقِ عليه وأمْرَ غُرَمائِه بأخْذِ ما وَجَدوا، لا يَدلُّ على وُجوبِ وَضعِ الجائِحةِ؛ إذ لو كانَتْ تُوضَعُ لَم يَفتقِرْ إلى أمْرِه إيَّاهم بالصَّدَقةِ عليه والأخْذِ، ويَكونُ الأمْرُ مَحمولًا على الِاستِحبابِ، أو فيما بِيعَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ (٢).

القَولُ الثَّالثُ: التَّفريقُ؛ فيُوضَعُ الثُّلُثُ وما زادَ عليه، ولا يُوضَعُ أقَلُّ منه، وهذا قَولُ المالِكيَّةِ ورِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ؛ لقولِه : «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيرٌ» (٣).

(١) مسلم (١٥٥٦).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ١٤٠، ١٤٤)، و «الأم» للشافعي (٣/ ٥٨)، و «نيل الأوطار» (٥/ ٢٨١)، وباقي المصادر السابقة.
(٣) تقدم تخريجه.

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: الفَصلُ الثَّالثُ في مِقدارِ ما يُوضَعُ مِنه فيه، وأمَّا المِقدارُ الذي تَجِبُ فيه الجائِحةُ في الثِّمارِ فالثُّلُثُ، وأمَّا في البُقولِ فقيلَ في القَليلِ والكَثيرِ.

وقيلَ: في الثُّلُثِ.

وابنُ القاسِمِ يَعتبِرُ ثُلُثَ الثَّمرِ بالكَيلِ، وأشهَبُ يَعتبِرُ الثُّلُثَ في القِيمةِ.

فإذا ذهَب مِنْ الثَّمرِ عندَ أشهَبَ ما قِيمَتُه الثُّلُثُ مِنْ الكَيلِ وُضِعَ عنه الثُّلُثَ مِنْ الثَّمنِ.

وسَواءٌ كانَ ثُلُثًا في الكَيلِ أو لَم يَكُنْ.

وأمَّا ابنُ القاسِمِ فإنَّه إذا ذهَب مِنْ الثَّمرِ الثُّلُثُ مِنْ الكَيلِ فإنْ كانَ نَوعًا واحِدًا ليسَ تَختلِفُ قِيمةُ بُطونِه حُطَّ عنه مِنْ الثَّمنِ الثُّلُثُ، وإنْ كانَ الثَّمرُ أنواعًا كَثيرةً مُختلِفةَ القِيمةِ، أو كانَ بُطونًا مُختلِفةَ القِيمةِ أيضًا، اعتُبِرَتْ قِيمةُ ذلك الثُّلُثِ الذَّاهِبِ مِنْ قِيمةِ الجَميعِ؛ فأيًّا كانَ قَدْرُه حُطَّ بذلك القَدْرِ مِنْ الثَّمنِ، ففي مَوضِعٍ يُعتبَرُ المَكيلةُ فَقط، حيثُ تَستَوي القِيمةُ في أجزاءِ الثَّمرةِ وبُطونِها، وفي مَوضِعٍ يُعتبَرُ الأمرَانِ جَميعًا، حيثُ تَختلِفُ القِيمةُ.

والمالِكيَّةُ يَحتَجُّونَ في مَصيرِهم إلى التَّقديرِ في وَضعِ الجَوائِحِ، وإنْ كانَ الحَديثُ الوارِدُ فيها مُطلَقًا، بأنَّ القَليلَ في هذا مَعلومٌ مِنْ حُكمِ العادةِ أنَّه يُخالِفُ الكَثيرَ؛ إذْ كانَ مَعلومًا أنَّ القَليلَ يَذهَبُ مِنْ كلِّ ثَمَرٍ، فكَأنَّ المُشتَريَ دخَل على هذا الشَّرطِ بالعادةِ، وإنْ لَم يَدخُلْ بالنُّطقِ.

وأيضًا فإنَّ الجائِحةَ التي عُلِّقَ الحُكمُ بها تَقتَضي الفَرقَ بينَ القَليلِ والكَثيرِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات

جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.

وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:

أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.

وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 327 - 333

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله