الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > ومحل الحرمة عند الفقهاء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 61 دقيقة قراءةوالمُوكِلَ، فلعَن المَعقودَ له والمُعِينَ له على ذلك العَقدِ، ولعَن المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له؛ فالمُحَلَّلُ له: هو الذي يُعقَدُ التَّحليلُ لِأجْلِه، والمُحَلِّلُ هو المُعِينُ له بإظهارِ صُورةِ العَقدِ، كما أنَّ المُرابيَ هو المُعانُ على أكلِ الرِّبا، بإظهارِ صُورةِ العَقدِ المَكتوبِ المَشهودِ به.
ومَحَلُّ الحُرمةِ عندَ الفُقهاءِ:
١ - أنْ يَبيعَ المُشتَري السِّلعةَ لِلبائِعِ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ المُؤجَّلِ، فإنْ باعَها قبلَ النَّقدِ لا يَجوزُ، ومَعناه أنَّه لو باعَ شَيئًا وقبَضه المُشتَرِي ولَم يَقبِضِ البائِعُ الثَّمنَ، فاشتَراه بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ لا يَجوزُ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ، والبَيعُ الثَّاني باطِلٌ عندَهم جَميعًا، والبَيعُ الأوَّلُ باطِلٌ أيضًا عندَ المالِكيَّةِ والحَنبَليَّةِ.
أمَّا لو باعَه بعدَ نَقدِ الثَّمنِ فيَجوزُ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ المُقاصَّةَ لا تَتحقَّقُ بعدَ الثَّمنِ، فلا تَتمكَّنُ الشَّبهةُ بالعَقدِ، ولو قَبضَ نِصفَ الثَّمنِ ثم اشتَرَى النِّصفَ بأقلَّ مِنْ نِصفِ الثَّمنِ لَم يَجُزْ، وكذا لو أحالَ البائِعُ على المُشتَرِي.
٢ - أنْ يَكونَ باعَه بنَقدٍ، فإنِ اشتَراها بعَرضٍ أو كانَ بَيعُها الأوَّلُ بعَرضٍ، فاشتَراها بنَقدٍ أقَلَّ، جازَ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ التَّحريمَ إنَّما كانَ لِشُبهةِ الرِّبا، ولا رِبا بينَ الأثمانِ والعُروضِ.
قالَ: فأمَّا إنْ باعَها بنَقدٍ ثم اشتَراها بنَقدٍ آخَرَ، مثلَ أنْ يَبيعَها بمِئَتَيْ دِرهَمٍ
ثم اشتَراها بعَشَرةِ دَنانيرَ، فقالَ أصحابُنا: يَجوزُ؛ لأنَّهما جِنسانِ لا يَحرُمُ التَّفاضُلُ بينَهما، فجازَ، كما لو اشتَراها بعَرضٍ أو بمِثلِ الثَّمنِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ؛ استِحسانًا؛ لأنَّهما كالشَّيءِ الواحِدِ في مَعنَى الثَّمنيَّةِ؛ ولأنَّ ذلك يُتَّخَذُ وَسيلةً إلى الرِّبا، فأشبَهَ ما لو باعَها بجِنسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، وهذا أصَحُّ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى (١).
وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: هذا إذا اشتَراه بجِنسِ الثَّمنِ الأوَّلِ، فإنِ اشتَراه بخِلافِ الجِنسِ جازَ؛ لأنَّ الرِّبا لا يَتحقَّقُ عندَ اختِلافِ الجِنسِ إلَّا في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ خاصَّةً؛ استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لأنَّهما جِنسانِ مُختلِفانِ حَقيقةً، فالتَحَقا بسائِرِ الأجناسِ المُختلِفةِ.
وَجْهُ الِاستِحسانِ: أنَّهما في الثَّمنيَّةِ كجِنسٍ واحِدٍ، فيَتحقَّقُ الرِّبا بمَجموعِ العَقدَيْنِ، فكانَ في العَقدِ الثَّاني شُبهةُ الرِّبا، وهي الرِّبا مِنْ وَجْهٍ (٢).
٣ - أنْ يَكونَ البائِعُ اشتَراه بأقلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ الذي باعَها به؛ فلو اشتَرَى ما باعَ بمِثْلِ ما باعَ أو اشتَراه بأكثَرَ ممَّا باعَ جازَ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ -وهو ما يُفهَمُ مِنْ كلامِ المالِكيَّةِ-؛ لأنَّه لا يَكونُ ذَريعةً، ولأنَّ فَسادَ العَقدِ مَعدولٌ به عن القياسِ، وإنَّما عَرَفناه بالأثَرِ، والأثَرُ جاءَ في الشِّراءِ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ؛ فبَقيَ ما وَراءَه على أصْلِ القِياسِ.
(١) «المغني» (٤/ ١٢٧)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٩٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٩٩).
قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولو اشتَرَى ما باعَ بمِثلِ ما باعَ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ جازَ بالإجماعِ؛ لِانعِدامِ الشُّبهةِ، وكذا لو اشتَراه بأكثَرَ ممَّا باعَ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ، ولأنَّ فَسادَ العَقدِ مَعدولٌ به عن القِياسِ، وإنَّما عَرَفْناه بالأثَرِ، والأثَرُ جاءَ في الشِّراءِ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ؛ فبَقيَ ما وَراءَه على أصْلِ القِياسِ (١).
٤ - أنْ تَكونَ السِّلعةُ بحالِها، لَم تَنقُصْ عن حالةِ البَيعِ؛ فإنْ نَقَصتْ أو تَعيَّبَتْ، مثلَ أنْ هَزُلَ العَبدُ، أو نَسيَ صِناعةً، أو تَخرَّقَ الثَّوبُ أو بَلِيَ، جازَ له شِراؤُها بما شاءَ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ؛ لأنَّ نُقصانَ الثَّمنِ يَكونُ بمُقابَلةِ نُقصانِ العَيبِ؛ فيَلتحِقُ النُّقصانُ بالعَدَمِ، كأنَّه باعَه بمِثلِ ما اشتَراه؛ فلا تَتحقَّقُ شُبهةُ الرِّبا؛ لأنَّ نَقصَ الثَّمنِ لِنقْصِ المَبيعِ، لا لِلتَّوسُّلِ إلى الرِّبا.
ولِأشهَبَ عن مالِكٍ أنَّ ذلك لا يَجوزُ، وهذا ممَّا لا يُؤمَنُ النَّاسُ على مِثلِه، وقالَ سَحنونٌ: هذه خَيرٌ مِنْ رِوايةِ ابنِ القاسِمِ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: هذا يَدلُّكَ على أنَّهم إنَّما كَرِهوه لِلتُّهَمِ، وليسَ كلُّ النَّاسِ يُتَّهَمُ في مِثلِ ذلك؛ فلا يَنبَغي أنْ يُظَنَّ بالمُسلِمِ الطَّاهِرِ إلَّا الصَّلاحُ والخَيرُ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٩٩).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٢٧٣)، وقال في «الاستذكار» (٦/ ٢٧٠، ٢٧١): قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قال مَالِكٌ في الرَّجلِ يَبيعُ مِنْ الرَّجلِ الجاريةَ بمِائةِ دِينارٍ إلى أجلٍ ثم يَشترِيها بأكثرَ من ذلك الثَّمنِ الذي باعها به إلى أبعدَ مِنْ ذلك الأجلِ الذي باعَها إليه إنَّ ذلك لا يَصلحُّ. وتفسيرُ ما كُرِه من ذلك أن يَبيعَ الرَّجلُ الجاريةَ إلى أجلٍ ثم يَبتاعُها إلى أجلٍ أبعدَ منه =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يَبيعُها بثَلاثينَ دِينارًا إلى شهرٍ ثم يَبتاعُها بِستِّينَ دِينارًا إلى سنَةٍ أو إلى نِصفِ سنَةٍ فصارَ إن رجعَت إليه سلعتُه بعينِها وأعطاه صاحِبُه ثَلاثينَ دِينارًا إلى شهرٍ بستيِّنَ دِينارًا إلى سنَةٍ أو إلى نصفِ سنَةٍ فهذا لا يَنبغِي. قال أبو عمرَ: حُكمُ هذا عندَه إذا باعَ السِّلعةَ بثَمنٍ إلى أجلٍ ثم اشتَراها إلى أبعدَ من ذلك الأجلِ بأكثرَ مِنْ ذلك الثَّمنِ كَحُكمِ مَنْ باعها إلى أجلٍ بثَمنٍ ثم ابتاعَها بالنَّقدِ بأقلَّ من ذلك؛ لأنَّه في كِلا الوجهَينِ تَرجعُ إليه سلعَتُه بعينها ويحصلُ بيدِه دراهِمُ أو ذهبٌ بأكثرَ منها إلى أجلٍ وهذا هو الرِّبا لا شكَّ فيه لمَن قصدَه. إلا أنَّ العُلماءَ قد اختلَفوا في هذا المعنى وهذا مَذهبُ مَنْ رأى قطعَ الدَّراهمِ؛ لِما يَغلِبُ على الظَّنِّ أنَّ المُتبايعَينِ قصَدا إليه. وأمَّا مَنْ رَأى أنَّ البَيعَ على ظاهرِه وأنَّ تُهمةَ المُسلِمِ بمَا لا يَحلُّ له حَرامٌ عليه لَم يَقلْ بشيءٍ من ذلك. والذي ذهَب إليه مالِكٌ في هذا البابِ هو قولُ جُمهورِ أهلِ المَدينةِ. ذكَر ابنُ وهبٍ عن يُونُسُ بنِ يَزيدَ عن رَبيعةَ وأبي الزنادِ أنَّهما قالا: إذا بعتَ شيئًا إلى أجلٍ فلا تَبتعْه مِنْ صاحبِه الذي بعتَه منه ولا من أحدٍ يبيعُه له أو يَتبايعُه إلى دونِ ذلك الأجلِ إلا بالثَّمنِ الذي بعتُه منه به أو بأكثرَ ولا يبيعُ منه تلك السِّلعةِ إلى دونِ ذلك الأجلِ إلا بالثَّمنِ أو بأقلَ فإذا ابتعْتَه إلى الأجلِ بعَينِه ابتعْتَه بالثَّمنِ أو بأكثرَ أو بأقلَّ. قال: وأخبرَني اللَّيثُ بنُ سعدٍ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ نحوَه. قال: وقال لي عبدُ العَزيزِ بنُ أبي سلَمةَ ومالِكُ بنُ أنسٍ مثلَ ذلك. وقال لي مالِكُ بنُ أنسٍ: لا بأسَ أن يبتاعَها بنقدٍ أو إلى أجلٍ دونَ الأجلِ الذي باعَها إليه بأكثرَ من ثَمنِها الذي باعَها به لأنَّه لا يتهمُّ أحدٌ أن يعطِيَ عشرةَ دَنانير نقدًا أو إلى شهرٍ أو شَهرينِ بخمسةِ دَنانير إلى سنةٍ. قال: وقال لي مالِكٌ: لا بأسَ أن يبتاعَها إلى أبعدَ من أجلِها بأقلَّ من ثَمنِها لأنَّه لا يتهمُّ أحدٌ أن يأخُذَ عِشرينَ دِينارًا إلى أجلٍ بخمسةَ عشرَ دِينارًا. قال مالك: وإنَّما يتهمُّ إذا باعَها بمِائةِ دِينارٍ إلى أجلٍ من اشترَاها بأقلَّ من ذلك والثَّمنُ نَقدًا من ذلك أو أكثرَ منه إلى أبعدَ من ذلك الأجلِ لأنَّه أعطاهُ عشرةَ دَنانير نَقدًا بخمسةَ عشرَ دِينارًا إلى أجلٍ وأعطاهُ عشرةَ دَنانير إلى ثَلاثِ لَيالٍ أو إلى شهرٍ بعِشرينَ أو نحوها إلى سنةٍ. قال ابنُ وهبٍ: وقال لي عبدُ العزيزِ بنُ أبي سلَمةَ مثل ذلك كلِّه. قال أبو عمرَ: كانَ =
وقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ: وإنْ نقَص سِعرُها بتَغيُّرِ الأسعارِ لَم يَجُزْ بَيعُها بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِها، كما لو كانَتْ بحالِها؛ لأنَّ تَغيُّرَ السِّعرِ غيرُ مُعتَبَرٍ في حَقِّ الأحكامِ؛ لأنَّه فُتورٌ في الرَّغَباتِ، لا فَواتُ جُزءٍ، كما في حَقِّ الغاصِبِ وغيرِه، فعادَ إليه كما خرَج عن مِلْكِه، فظهَر الرِّبحُ.
٥ - أنْ يَبيعَها لِمَنِ اشتَراها مِنه، فإنْ باعَها المُشتَرِي لِغيرِ مَنْ اشتَراها مِنه لَم تَحرُمْ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، وهو ما يُسَمَّى التَّوَرُّقَ، خِلافًا لِابنِ تَيميَّةَ وابنِ القيِّمِ.
قالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولو خرَج المَبيعُ مِنْ مِلكِ المُشتَرِي فاشتَراه البائِعُ مِنْ المالِكِ الثَّاني بأقَلَّ ممَّا باعَه قبلَ نَقدِ الثَّمنِ جازَ؛ لأنَّ اختِلافَ المِلْكِ بمَنزِلةِ اختِلافِ العَينِ، فيُمنَعُ تَحقُّقُ الرِّبا، ولو ماتَ المُشتَرِي فاشتَراه البائِعُ مِنْ وارِثِه بأقَلَّ ممَّا باعَ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المِلْكَ
= أبو حَنيفةَ وأصحابُه يَذهبونَ في ذلك نحوَ مَذهبِ مالِكٍ وهو قولُ الثَّوريِّ والحسنِ بنِ صالحٍ وأحمدَ بنِ حنبلٍ والأوزاعِيِّ، قالوا فيمَن اشترَى جاريةً بألفِ درهمٍ فقبَضها ثم باعَها مِنْ البائعِ بأقلَّ مِنْ الألفِ قبلَ أن ينقُدَ الثَّمنَ إن البيعَ الثَّاني باطلٌ. وقال الحسَنُ بنُ حيٍّ فيمَن باعَ بيعًا بنَسيئةٍ لَم يجُزْ للبائعِ أن يَشترِيَه بنقدٍ قبلَ قبضِ الثَّمنِ ولا بعرضٍ إلا أن يَكونَ العَرضُ قِيمةَ الثَّمنِ أو أكثرَ من ذلك ولا يَشترِيه بعَرضٍ قيمتُه أقلُّ مِنْ الثَّمنِ حتى يَستوفِيَ الثَّمنَ كلَّه. قال: وإن نقَصت السِّلعةُ بيد المُشترِي فلا بأسَ أن يَشترِيَها البائعُ بأقلَّ مِنْ ذلك الثَّمنِ سَواءٌ كان نُقصانُ العَيبِ لها قَليلًا أو كَثيرًا. وقال الأوزاعِيُّ في رَجلٍ باعَ خادمًا إلى سنةٍ ثم جاءَ الأجلُ به يأخذُه منه بقيمَته يومَ قبضِه ولا يَشترِيه بدونِ الثَّمنِ قبلَ محلِّ الأجلِ إلا بالثَّمنِ أو أكثرَ. وقال أحمدُ: من باعَ سِلعةً بنَسيئةٍ لم يجُزْ لأحدٍ أن يَشترِيَها بأقلَّ ممَّا باعَها به.
هُناكَ لَم يَختَلِفْ، وإنَّما قامَ الوارِثُ مَقامَ المُشتَرِي، بدَليلِ أنَّه يُرَدُّ بالعَيبِ، ويُرَدُّ عليه … ولو باعَه المُشتَرِي مِنْ غيرِه فعادَ المَبيعُ إلى مِلكِه، فاشتَراه بأقَلَّ ممَّا باعَ، فهذا لا يَخلو مما يلي: إمَّا أنْ يَعودَ إليه بمِلْكٍ جَديدٍ، وإمَّا أنْ يَعودَ إليه على حُكمِ المِلْكِ الأوَّلِ؛ فإنْ عادَ إليه بمِلْكٍ جَديدٍ، كالشِّراءِ والهِبةِ والمِيراثِ والإقالةِ قبلَ القَبضِ وبعدَه، والرَّدِّ بالعَيبِ بعدَ القَبضِ بغيرِ قَضاءِ القاضي، ونَحوِ ذلك مِنْ أسبابِ تَجديدِ المِلْكِ جازَ الشِّراءُ مِنه بأقَلَّ ممَّا باعَ؛ لأنَّ اختِلافَ المِلْكِ بمَنزِلةِ اختِلافِ العَينِ.
وإنْ عادَ إليه على حُكمِ المِلْكِ الأوَّلِ كالرَّدِّ بخِيارِ الرُّؤيةِ، والرَّدِّ بخِيارِ الشَّرطِ قبلَ القَبضِ وبعدَه بقَضاءِ القاضي، وبغيرِ قَضاءِ القاضي، والرَّدِّ بخِيارِ العَيبِ قبلَ القَبضِ بقَضاءِ القاضي وبغيرِ قَضاءِ القاضي، وبعدَ القَبضِ بقَضاءِ القاضي لا يَجوزُ الشِّراءُ مِنه بأقَلَّ ممَّا باعَ؛ لأنَّ الرَّدَّ في هذه المَواضِعِ يَكونُ فَسخًا، والفَسخُ يَكونُ رَفعًا مِنْ الأصلِ، وإعادةً إلى قَديمِ المِلْكِ، كأنَّه لَم يَخرُجْ عن مِلكِه أصْلًا، ولو كانَ كذلك لَكانَ لا يَجوزُ له الشِّراءُ، فكذا هذا.
ولو لَم يَشتَرِه البائِعُ، لَكِنِ اشتَراه بَعضُ مَنْ لا تَجوزُ شَهادَتُه له، كالوالِدَيْنِ والمَولودِينَ والزَّوجِ والزَّوجةِ، لا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه، كما لا يَجوزُ مِنْ البائِعِ، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ يَجوزُ، كما يَجوزُ مِنْ الأجنَبيِّ.
وَجْهُ قَولِهما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما أجنَبيٌّ عن مِلكِ صاحِبِه؛ لِانفِصالِ مِلْكِه عن مِلكِ صاحِبِه؛ فيقعُ عَقدُ كلِّ واحِدٍ مِنهما له، لا لِصاحِبِه، كسائِرِ الأجانِبِ، ثم شِراءُ الأجنَبيِّ لِنَفْسِه جائِزٌ، فكذا شِراؤُه لِصاحِبِه.
ولِأبي حَنيفةَ رحمة الله عليه أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما يَبيعُ بمالِ صاحِبِه عادةً، حتى إنَّه لا تُقبَلُ شَهادةُ أحَدِهما لِصاحِبِه، فكانَ مَعنَى مِلْكِ كلِّ واحِدٍ مِنهما ثابِتًا لِصاحِبِه، فكانَ عَقدُه واقِعًا لِصاحِبِه مِنْ وَجْهٍ، فيُؤثِّرُ في فَسادِ العَقدِ احتياطًا في بابِ الرِّبا (١).
القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ (والظاهِريَّةِ) بأنَّ هذه الصُّورةَ مِنْ البَيعِ جائِزةٌ؛ فمَن باعَ لِغيرِه شَيئًا بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ وسلَّمه إليه ثم اشتَراه مِنه قبلَ قَبضِ الثَّمنِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الثَّمنِ نَقدًا أنَّ ذلك جائِزٌ، وكذا يَجوزُ أنْ يَبيعَ بثَمَنٍ نَقدًا، ويَشتَريَ بأكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ، سَواءٌ أقبَض الثَّمنَ الأوَّلَ أم لا، وسَواءٌ أصارَتِ العِينةُ عادةً له غالِبةً في البَلَدِ أم لا، وبِالجُملةِ لا تَعلُّقَ لِأحَدِ العَقدَيْنِ بالآخَرَ إذا تَميَّزَ أحَدُ العَقدَيْنِ عنِ الآخَرِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٩٩، ٢٠٠)، وينظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ١٨٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٢٤)، و «البحر الرائق» (٦/ ٩٠، ٩١)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٥٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٣٢٥)، و «درر الحكام» (٧/ ٤١٣)، و «المدونة» (٩/ ١١٨)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٧١، ٢٧٥)، و «الفروق» (٣/ ٤٣٨، ٤٣٩)، و «شرح ابن بطال» (٦/ ٢١٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٦، ١٠٧)، و «الإشراف» (٢/ ٥٠٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٢٠، ٤٢٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢٤٣، ٢٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٨٦)، و «شرح حدود ابن عرفة» (١/ ٣٦٤)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٧١)، و «شرح السنة» (٨/ ٧٢)، و «الإفصاح» (١/ ٤٠٤)، و «المغني» (٤/ ١٢٧)، و «الكافي» (٢/ ٢٦)، و «المبدع» (٤/ ٤٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٣٥، ٣٣٧)، و «الروض المربع» (١/ ٥٥٤، ٥٥٥)، و «إعلام الموقعين» (٣/ ١٦٢، ١٧٠)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ٢٤١، ٢٤٨).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ومَن باعَ سِلعةً مِنْ السِّلَعِ إلى أجَلٍ مِنْ الآجالِ وقبَضها المُشتَرِي فلا بَأْسَ أنْ يَبيعَها الذي اشتَراها بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ أو أكثَرَ، ودَينًا ونَقدًا؛ لأنَّها بَيعةٌ غيرُ البَيعةِ الأُولَى.
وقد قالَ بَعضُ النَّاسِ: لا يَشتَريها البائِعُ بأقَلَّ مِنْ الثَّمنِ، وزَعَمَ أنَّ القياسَ في ذلك جائِزٌ، ولكنَّه زَعَمَ تَتبُّعَ الأثَرِ، ومَحمودٌ مِنه أنْ يَتَّبِعَ الأثَرَ الصَّحيحَ؛ فلمَّا سُئلَ عن الأثَرِ إذا هو أبو إسحاقَ عن امرَأتِه عاليةَ بِنتِ أنفَعَ أنَّها دَخَلتْ مع امرَأةِ أبي السَّفَرِ على عائِشةَ رضي الله عنها، فذَكَرتْ لِعائِشةَ رضي الله عنها أنَّ زَيدَ بنَ أرقَمَ باعَ شَيئًا إلى العَطاءِ، ثم اشتَراه بأقَلَّ ممَّا باعَه به؛ فقالَتْ عائِشةُ: أخبِري زَيدَ بنَ أرقَمَ أنَّ اللَّهَ قد أبطَلَ جِهادَه مع رَسولِ اللَّهِ، إلَّا أنْ يَتوبَ.
قالَ الشافِعيُّ: فقيلَ له: ثبَت هذا الحَديثُ عن عائِشةَ رضي الله عنها، فقالَ أبو إسحاقَ: رَواه عن امرَأتِه. فقيلَ: فتَعرِفُ امرَأتَه بشَيءٍ يثبُتُ به حَديثُها؟ فما عَلِمتُه قالَ شَيئًا؛ فقُلتُ: تَرُدُّ حَديثَ بُسرةَ بِنتِ صَفوانَ، مُهاجِرةٍ مَعروفةٍ بالفَضلِ، بأنْ تَقولَ حَديثَ امرَأةٍ وتَحتَجُّ بحَديثِ امرَأةٍ ليسَتْ عندَكَ مِنها مَعرِفةٌ أكثَرُ مِنْ أنَّ زَوجَها رَوى عنها، ولو كانَ هذا مِنْ حَديثِ مَنْ يثبُتُ حَديثُه، هل كانَ أكثَرُ ما في هذا إلَّا أنَّ زَيدَ بنَ أرقَمَ رضي الله عنه وعائِشةَ رضي الله عنها اختَلَفا؛ لأنَّكَ تَعلَمُ أنَّ زَيدًا لا يَبيعُ إلَّا ما يَراه حَلَالًا له، ورَأتْه عائِشةُ رضي الله عنها حَرامًا، وزَعَمتْ أنَّ القياسَ مع قَولِ زَيدٍ؛ فكَيفَ لَم تَذهَبْ إلى قَولِ زَيدٍ ومعه القياسُ، وأنتَ تَذهَبُ إلى القياسِ في بَعضِ الحالاتِ، فتَترُكُ به السُّنةَ الثَّابِتةَ؟ قالَ: أفَليسَ قَولُ عائِشةَ رضي الله عنها مُخالِفًا لقولِ زَيدٍ
رضي الله عنه؟ قيلَ: ما تَدري؟ لَعَلَّها إنَّما خالَفَتْه في أنَّه باعَ إلى العَطاءِ، ونحن نُخالِفُه في هذا المَوضِعِ؛ لأنَّه أجَلٌ غيرُ مَعلومٍ؛ فأمَّا إنِ اشتَراها بأقَلَّ ممَّا باعَه بها فلَعَلَّها لَم تُخالِفْه فيه قَطُّ، لَعَلَّها رَأتِ البَيعَ إلى العَطاءِ مَفسوخًا، ورَأتْ بَيعَه إلى العَطاءِ لا يَجوزُ؛ فرَأتْه لَم يَملِكْ ما باعَ، ولا بَأْسَ في أنْ يُسلِفَ الرَّجُلُ فيما ليسَ عندَه أصْلُه … وإذا أرَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ السِّلعةَ فقالَ: اشتَرِ هذه وأُربِحُكَ فيها كذا. فاشتَراها الرَّجُلُ فالشِّراءُ جائِزٌ، والَّذي قالَ: أُربِحُكَ فيها، بالخِيارِ، إنْ شاءَ أحدَثَ فيها بَيعًا، وإنْ شاءَ ترَكه وهكذا، إنْ قالَ: اشتَرِ لي مَتاعًا. ووصَفه له، أو: مَتاعًا، أيَّ مَتاعٍ شِئتَ، وأنا أُربِحُكَ فيه. فكلُّ هذا سَواءٌ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونُ هذا فيما أعطَى مِنْ نَفْسِه بالخِيارِ، وسَواءٌ في هذا ما وَصَفتُ، إنْ كانَ قالَ: أبتاعُه وأشتَريه مِنْكَ بنَقدٍ أو دَيْنٍ، يَجوزُ البَيعُ الأوَّلُ، ويَكونانِ بالخِيارِ في البَيعِ الآخَرِ؛ فإنْ جَدَّداه جازَ، وإنْ تَبايَعا به على أنْ ألزَما نَفْسَيْهما الأمْرَ الأوَّلَ فهو مَفسوخٌ مِنْ قِبَلِ شَيئَيْنِ: أحَدُهما أنَّه تَبايَعاه قبلَ أنْ يَملِكَه البائِعُ، والآخَرُ أنَّه على مُخاطَرةِ أنَّكَ إنِ اشتَرَيتَه على كذا أُربِحُكَ فيه كذا، وإنِ اشتَرَى الرَّجُلُ طَعامًا إلى أجَلٍ فقبَضه فلا بَأْسَ أنْ يَبيعَه مِمَّنِ اشتَراه مِنه، ومِن غيرِه بنَقدٍ، وإلى أجَلٍ، وسَواءٌ في هذا المُعيَّنَيْنِ وغيرِ المُعيَّنَيْنِ، وإذا باعَ الرَّجُلُ السِّلعةَ بنَقدٍ أو إلى أجَلٍ فتَسوَّمَ بها المُبتاعُ، فبارَتْ عليه، أو باعَها بوَضعٍ، أو هَلَكتْ مِنْ يَدِه، فسَألَ البائِعَ أنْ يَضَعَ عنه مِنْ ثَمَنِها شَيئًا، أو يَهَبَها كُلَّها، فذلك إلى البائِعِ، إنْ شاءَ فعَل وإنْ شاءَ لَم يَفعَلْ مِنْ قِبَلِ أنَّ الثَّمنَ له لازِمٌ، فإنْ شاءَ ترَك له مِنْ الثَّمنِ اللَّازِمِ، وإنْ شاءَ لَم يَترُكْ، وسَواءٌ كانَ هذا عن عادةٍ اعتادَها، أو عن
غيرِ عادةٍ، وسَواءٌ أحدَثا هذا في أوَّلِ بَيعةٍ تَبايَعا بها، أو بعدَ مِئةِ بَيعةٍ، ليسَ لِلعادةِ التي اعتادَها مَعنًى يُحِلُّ شَيئًا، ولا يُحرِّمُه، وكذلك المَوعِدُ إنْ كانَ قبلَ العَقدِ، أو بعدَه، فإنَّ عَقدَ البَيعِ على مَوعِدٍ أنَّه إنْ وُضِعَ في البَيعِ وُضِعَ عنه، فالبَيعُ مَفسوخٌ؛ لأنَّ الثَّمنَ غيرُ مَعلومٍ، وليسَ تَفسُدُ البُيوعُ أبَدًا، ولا النِّكاحُ، ولا شَيءَ أبَدًا إلَّا بالعَقدِ؛ فإذا عَقدَ عَقدًا صَحيحًا لَم يُفسِدْه شَيءٌ تَقدَّمه، ولا تَأخَّرَ عنه، كما إذا عَقدَ عَقدًا فاسِدًا لَم يُصلِحْه شَيءٌ تَقدَّمَه، ولا تَأخَّرَ عنه إلَّا بتَجديدِ عَقدٍ صَحيحٍ … إلى آخِرِ كَلامِه رحمة الله عليه (١).
وسُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رَوحَه-: عن العِينةِ هل هي جائِزةٌ في دِينِ الإسلامِ أو لا؟ وهل يَجوزُ لِأحَدٍ أنْ يُقلَّدَ فيها بَعضُ مَنْ رَأى جَوازَها مِنْ الفُقهاءِ، أو يَجِبُ عليه أنْ يَحتاطَ لِدِينِه، ويَتَّبِعَ النُّصوصَ الوارِدةَ في ذلك؟ ومَن تابَ مِنْ مَسألةِ العِينةِ المَذكورةِ هل يَحِلُّ له ما رَبِحَه بطَريقِها أو يَجِبُ عليه إخراجُ الرِّبحِ ورَدُّه إلى أربابِه إنْ قدَر، أو التَّصدُّقُ بذلك؟ فإنْ عادَ إليها مُقلِّدًا بعدَ العِلمِ ببُطلانِها، هل يَجوزُ له ذلك أو لا؟ وكذلك ما تَقولونَ في مَسألةِ الثُّلاثيَّةِ، ومَسألةِ التَّورُّقِ؟
فأجابَ رحمة الله عليه: الحَمدُ لِلَّهِ، أمَّا إذا كانَ قَصدُ الطَّالِبِ أخْذَ دَراهِمَ بأكثَرَ مِنها إلى أجَلٍ، والمُعطي يَقصِدُ إعطاءَه ذلك فهذا رِبًا، لا رَيبَ في تَحريمِه، وإنْ تَحَيَّلا على ذلك بأيِّ طَريقٍ كانَ؛ فإنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ
(١) «الأم» (٣/ ٣٨، ٤١)، ويُنظر: «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٨٧، ٢٨٨)، و «نهاية المطلب» (٥/ ٣١١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٧٩)، و «شرح السنة» (٨/ ٧٢).
امرِئٍ ما نَوَى؛ فإنَّ هذَيْنِ قد قَصَدا الرِّبا الذي أنزَلَ اللَّهُ ﷾ في تَحريمِه القُرآنَ.
والأصْلُ في هذا البابِ أنَّ الشِّراءَ على ثَلاثةِ أنواعٍ:
أحَدُها: أنْ يَشتَريَ السِّلعةَ مَنْ يَقصِدُ الِانتِفاعَ بها، كالأكلِ والشُّربِ واللِّباسِ والرُّكوبِ والسُّكْنَى ونَحوِ ذلك؛ فهذا هو البَيعُ الذي أحَلَّه اللَّهُ ﷾.
والثَّاني: أنْ يَشتَريَها مَنْ يَقصِدُ أنْ يَتَّجِرَ فيها، إمَّا في ذلك البَلَدِ، وإمَّا في غيرِه، فهذه هي التِّجارةُ التي أباحَها اللَّهُ ﷾.
والثَّالثُ: ألَّا يَكونَ مَقصودُه هذا ولا هذا، بَلْ مَقصودُه دَراهِمُ لِحاجَتِه إليها، وقد تَعذَّرَ عليه أنْ يَستَسلِفَ قَرضًا أو سَلَمًا؛ فيَشتَريَ سِلعةً لِيَبيعَها ويَأخُذَ ثَمَنَها، فهذا هو التَّورُّقُ، وهو مَكروهٌ في أظهَرِ قَولَيِ العُلماءِ، وهذه إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ، كما قالَ عمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ رحمة الله عليه: التَّورُّقُ أُخَيَّةُ الرِّبا.
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: إذا استَقَمتَ بنَقدٍ ثم بِعتَ بنَقدٍ فلا بَأْسَ به، وإذا استَقَمتَ بنَقدٍ ثم بِعتَ بنَسيئةٍ فتلك دَراهِمُ بدَراهِمَ.
ومَعنَى كَلامِه: إذا استَقَمتَ: إذا قَوَّمتَ، يَعني: إذا قَوَّمتَ السِّلعةَ بنَقدٍ، وابتَعتَها إلى أجَلٍ، فإنَّما مَقصودُكَ دَراهِمُ بدَراهِمَ، هكذا التَّورُّقُ، يُقوِّمُ السِّلعةَ في الحالِ ثم يَشتَريها إلى أجَلٍ بأكثَرَ مِنْ ذلك، وقد يَقولُ لِصاحِبِه: أُريدُ أنْ تُعطيَني ألْفَ دِرهَمٍ، فكم تَربَحُ؟ فيَقولُ: أربَحُ مِئَتَيْنِ، أو نَحوَ ذلك،
أو يَقولُ: عِندي هذا المالُ يُساوي ألْفَ دِرهَمٍ، أو يُحضِرانِ مَنْ يُقوِّمُه بألْفِ دِرهَمٍ، ثم يَبيعُه بأكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ، فهذا ممَّا نُهيَ عنه في الصَّحيحِ.
وما اكتَسَبَه الرَّجُلُ مِنْ الأموالِ بالمُعامَلاتِ التي اختَلَفتْ فيها الأُمَّةُ كهَذِه المُعامَلاتِ المَسؤولِ عنها وغيرِها، وكانَ مُتأوِّلًا في ذلك ومُعتقِدًا جَوازَه؛ لِاجتِهادٍ أو تَقليدٍ أو تَشبُّهٍ ببَعضِ أهلِ العِلمِ، أو لأنَّه أفتاه بذلك بَعضُهم، ونَحوِ ذلك؛ فهذه الأموالُ التي كَسَبوها وقَبَضوها ليسَ عليهم إخراجُها، وإنْ تَبيَّن لَهم بعدَ ذلك أنَّهم كانوا مُخطِئينَ في ذلك، وأنَّ الذي أفتاهم أخطأَ؛ فإنَّهم قَبَضوها بتَأويلٍ، فلَيسوا أسوَأَ حالًا ممَّا اكتَسَبَه الكُفَّارُ بتَأويلٍ باطِلٍ.
فَإنَّ الكُفَّارَ إذا تَبايَعوا بينَهم خَمرًا أو خِنزيرًا وهُم يَعتقِدونَ جَوازَ ذلك، وتَقابَضوا مِنْ الطَّرفَيْنِ أو تَعامَلوا برِبًا صَريحٍ يَعتقِدونَ جَوازَه وتَقابَضوا مِنْ الطَّرفَيْنِ، ثم أسلَموا، ثم تَحاكَموا إلينا، أقرَرْناهم على ما بأيديهم، وجازَ لَهم بعدَ الإسلامِ أنْ يَنتَفِعوا بذلك، كما قالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فأمَرَهم بتَركِ ما بَقيَ لَهم في الذِّمَمِ، ولَم يَأمُرْهم بإعادةِ ما قَبَضوه، وكانَ بَعضُ نُوَّابِ عمرَ بالعِراقِ يَأخُذونَ مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ الجِزيةَ خَمرًا، ثم يَبيعونَها لَهم، فكتَب إليه عمرُ يَنهاه عن ذلك، وقالَ: إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ، حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فباعوها وأكَلوا أثمانَها»، ولكنْ وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا أثمانَها، فنَهاهم عمرُ عن بَيعِ الخَمرِ، وقالَ: وَلُّوا بَيعَها الكُفَّارَ، فإذا باعوها هُمْ لِأهلِ دِينِهم وقَبَضوا أثمانَها جازَ لِلمُسلِمينَ أنْ يَأخُذوا ذلك
الثَّمنَ مِنهم، ولِهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «أيُّما قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهِليةِ فهو على ما قُسِمَ، وأيُّما قَسْمٍ أدرَكَه الإسلامُ فهو على قَسْمِ الإسلامِ»، بَلْ أكثَرُ العُلماءِ كمالِكٍ وأحمدَ وأبي حَنيفةَ يَقولونَ بما دَلَّتْ عليه سُنَّةُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وسُنَّةِ خُلَفائِه الرَّاشِدِينَ، وهو أنَّ الكُفَّارَ المُحارِبينَ إذا استَولَوْا على أموالِ المُسلِمينَ بالمُحارَبةِ، ثم أسلَموا بعدَ ذلك أو عاهَدوا فإنَّها تُقَرُّ بأيديهم كما أقَرَّ النَّبيُّ ﷺ بيَدِ المُشرِكينَ ما كانوا أخَذوه مِنْ أموالِ المُسلِمينَ حالَ الكُفرِ؛ لأنَّهم لَم يَعتَقِدوا تَحريمَ ذلك، وقد أسلَموا، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه، فإنَّما غَفَرَ لَهم بالإسلامِ ما تَقدَّمَ مِنْ الكُفرِ والأعمالِ صاروا مُكتَسِبينَ لَها بما لا يَأثَمونَ به.
وإذا كانَ الأمْرُ كذلك فالمُسلِمُ المُتأوِّلُ الذي يَعتقِدُ جَوازَ ما فعَله مِنْ المُبايَعاتِ والمُؤاجَراتِ والمُعامَلاتِ التي يُفتِي فيها بَعضُ العُلماءِ إذا قبَض بها أموالًا وتَبيَّن لِأصحابِها فيما بَعدُ أنَّ القَولَ الصَّحيحَ تَحريمُ ذلك، لَم يَحرُمْ عليهم ما قَبَضوه بالتَّأويلِ، كما لَم يَحرُمْ على الكُفَّارِ بعدَ الإسلامِ ما اكتَسَبوه في حالِ الكُفرِ بالتَّأويلِ، ويَجوزُ لِغيرِهم مِنْ المُسلِمينَ الذين يَعتقِدونَ تَحريمَ ذلك أنْ يُعامِلوهم فيه كما يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُعامِلَ الذِّمِّيَّ فيما في يَدِه مِنْ ثَمَنِ الخَمرِ وغيرِه، لكنْ عليهم إذا سَمِعوا العِلمَ أنْ يَتوبوا مِنْ هذه المُعامَلاتِ الرِّبَويةِ، ولا يَصلُحَ أنْ يُقلِّدَ فيها أحَدًا مِمَّنْ يُفتي بالجَوازِ، تَقليدًا لِبَعضِ العُلماءِ؛ فإنَّ تَحريمَ هذه المُعامَلاتِ ثابِتٌ بالنُّصوصِ والآثارِ، ولَم يَختَلِفِ الصَّحابةُ في تَحريمِها، وأُصولُ الشَّريعةِ شاهِدةٌ بتَحريمِها، والمَفاسِدُ التي لِأجْلِها حرَّم اللَّهُ الرِّبا مَوجودةٌ في هذه المُعامَلاتِ مع زِيادةِ
مَكرٍ وخِداعٍ وتَعَبٍ وعَذابٍ؛ فإنَّهم يُكلِّفونَ مِنْ الرُّؤيةِ والصِّفةِ والقَبضِ وغيرِ ذلك مِنْ أُمورٍ يُحتاجُ إليها في البَيعِ المَقصودِ، وهذا البَيعُ ليسَ مَقصودًا لَهم، وإنَّما المَقصودُ أخْذُ دَراهِمَ بدَراهِمَ، فيَطولُ عليهم الطَّريقُ التي يُؤمَرونَ بها، فيَحصُلُ لَهم الرِّبا؛ فهم مِنْ أهلِ الرِّبا المُعذَّبينَ في الدُّنيا قبلَ الآخِرةِ، وقُلوبُهم تَشهَدُ بأنَّ هذا الذي يَفعَلونَه مَكرٌ وخِداعٌ وتَلبيسٌ، ولِهَذا قالَ أيُّوبُ السَّختِيانيُّ: يُخادِعونَ اللَّهَ ﷾ كما يُخادِعونَ الصِّبيانَ، فلو أتَوُا الأمْرَ على وَجْهِه لَكانَ أهوَنَ علَيَّ، والكَلامُ على هذا مَبسوطٌ في غيرِ هذا المَوضِعِ وقد صَنَّفتُ كِتابًا كبيرًا في هذا، واللَّهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وهُناكَ صُوَرٌ أُخرى لِبَيعِ العِينةِ، ذكَرها الفُقهاءُ، وأكثَرُها عندَ المالِكيَّةِ:
قالَ المالِكيَّةُ: العِينةُ هي: بَيعُ مَنْ طُلِبتْ مِنه سِلعةٌ لِلشِّراءِ، وليسَتْ عندَه لِطالِبِها -المُشتَرِي- بعدَ شِرائِها لِنَفْسِه مِنْ آخَرَ.
حُكمُها: جائِزةٌ، بمَعنًى خِلافِ الأُولَى؛ فأهلُ العِينةِ قَومٌ نَصَّبوا أنْفُسَهم لِطَلَبِ شِراءِ السِّلَعِ مِنهم، وليسَتْ عندَهم؛ فيَذهَبونَ إلى التُّجَّارِ لِيَشتَروها بثَمَنٍ، لِيَبيعوها لِلطَّالِبِ، وسَواءٌ باعوها لِطالِبِها بثَمَنٍ حالٍّ، أو مُؤجَّلٍ، أو بَعضُه حالٌّ وبَعضُه مُؤجَّلٌ.
أمَّا إذا قالَ الطَّالِبُ لِلسِّلعةِ: اشتَرِها بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا آخُذُها مِنْكَ باثنَيْ عَشَر لِأجَلٍ، فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ تُهمةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفعًا؛ لأنَّه كأنَّه سَلَّفَه عَشَرةً ثَمَنَ السِّلعةِ يَأخُذُ عنها بعدَ الأجَلِ اثنَيْ عشَرَ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٣٩، ٤٤٥)، ويُنظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ١٦٢، ١٧٠)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ٢٤١، ٢٤٨).
ثم تارةً يَقولُ الطَّالِبُ: خُذْها لي، وتارةً لا يَقولُ: لي؛ فتَلزَمُ السِّلعةُ الطَّالِبَ بالعَشَرةِ نَقدًا إنْ قالَ لِلمَطلوبِ منه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ … إلَخ، ولِلمَطلوبِ مِنه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، ومِنَ الرِّبحِ، وفَسخُ البَيعِ الثَّاني وهو الِاثنا عشَرَ لِأجَلٍ، ثم إنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً في يَدِ الآمِرِ رُدَّتْ لِلمَأمورِ بعَينِها، وإنْ فاتَتْ في يَدِ الآمِرِ بفَوْتِ البَيعِ الفاسِدِ رَدَّ قِيمَتَها يَومَ القَبضِ حالَّةً، بالِغةً ما بَلَغتْ، زادَتْ على الِاثنَيْ عشَرَ، أو نَقَصتْ.
وقيلَ: إنَّ البَيعَ الثَّانيَ يَمضي مع الآمِرِ باثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ، ولا يُفسَخُ، كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً أو فائِتةً.
فإنْ لَم يَقُلْ: لي -في الفَرضِ المَذكورِ-، مَضى الثَّاني بالاثنَيْ عشَرَ لِلأجَلِ؛ لِبُعدِ تُهمةِ السَّلَفِ بمَنفَعةٍ، ولزِمه -أي: الآمِرَ- الِاثنا عشَرَ لِلأجَلِ؛ لأنَّ ضَمانَها مِنْ المَأْمورِ لو هلَك قبلَ شِراءِ الثَّاني، ولو شاءَ الآمِرُ عَدَمَ الشِّراءِ كانَ له ذلك؛ لأنَّها لَم تَلزَمْه.
وإلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخَذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فيُمنَعَ إنْ شرَط الطَّالِبِ النَّقدَ على المَأْمورِ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ بشَرطِ أنْ تَنقُدَها عَنِّي، وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ لأنَّه حينَئذٍ قد جعَل له دِرهَمَيْنِ في نَظيرِ سَلَفِه وتَولِيَتِه الشِّراءَ؛ فهو سَلَفٌ وإجارةٌ بشَرطِ.
ولَزِمتِ السِّلعةُ الطَّالِبَ بالعَشَرةِ، ولِلمَأْمورِ في نَظيرِ عَمَلِه الأقَلُّ مِنْ جُعلِ مِثلِه، أو مِنْ الدِّرهَمَيْنِ فيهما، أي: في هذه، وفي أوَّلِ قِسمَيَّ التي قبلَها، وهي قَولُه: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا، وآخُذُها باثنَيْ عشَرَ لِأجَلٍ.
وجازَ النَّقدُ بغيرِ شَرطٍ مِنْ الطَّالِبِ، بَلْ تَطوُّعًا، وله الدِّرهَمانِ، كنَقدِ
الآمِرِ، فإنَّه جائِزٌ، بأنْ قالَ له: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ نَقدًا -ونقَدها له- وأنا آخُذُها باثنَيْ عشَرَ نَقدًا وله الدِّرهَمانِ؛ لأنَّهما أُجرةٌ، وإنْ لَم يَقُلْ: لي -في هذا الفَرضِ-، وهو ما إذا شرَط الطَّالِبُ النَّقدَ على المَأْمورِ كُرِهَ، كقَولِ بائِعٍ لِمُشتَرٍ: خُذْ مِنِّي بمِئةٍ ما -أي: سِلعةً- بثَمانينَ قِيمةً؛ لِمَا فيه مِنْ رائِحةِ الرِّبا، ولا سيَّما إذا قالَ له المُشتَرِي: سَلِّفْني ثَمانينَ وأرُدُّ لَكَ عَنها مِئةً؛ فقالَ المَأْمورُ: هذا رِبًا، بَلْ خُذْ مِنِّي بمِئةٍ … إلَخ.
أو قالَ شَخصٌ لِآخَرَ: اشتَرِها، وأنا أُربِحُكَ، ولَم يُعيِّنْ له قَدْرَ الرِّبحِ؛ فإنَّه يُكرَهُ؛ فإنْ عَيَّنَه مُنِعَ.
وإنْ قالَ: اشتَرِها لي بعَشَرةٍ لِأجَلٍ وأنا أشتَريها مِنْكَ بثَمانيةٍ نَقدًا؛ فيُمنَعُ؛ لِمَا فيه مِنْ السَّلَفِ بزِيادةٍ؛ لأنَّه سَلَّفُه الثَّمانيةُ المَنقودةَ على أنْ يَشتَريَها له بعَشَرةٍ، كذا قيلَ، ولا وَجْهَ له، كما يَقولُ الدُّسوقيُّ والصاويُّ.
وذكَر ابنُ رُشدٍ وغيرُه: أنَّ وَجْهَ المَنعِ أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المَأْمورَ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ بسَلَفِه الثَّمانيةَ يَنقُدُها له، يَنتفِعُ بها إلى الأجَلِ، ثم يَرُدُّها له، أي: والآمِرُ يَدفَعُ له العَشَرةَ عندَ الأجَلِ لِلبائِعِ الأصْليِّ.
قالَ الصَّاويُّ: وهذا بَعيدٌ أيضًا، لا يَقتَضي الحُرمةَ فتَأمَّلْ (١).
وتَلزَمُ السِّلعةُ الآمِرَ بما أمَرَ، وهو العَشَرةُ لِأجلِها، ولا يُعجِّلُ له الأقَلَّ، وهو الثَّمانيةُ في المِثالِ؛ فإنْ عجَّل الأقَلَّ لِلمَأْمورِ رُدَّ لِلآمِرِ، ولِلمَأْمورِ جُعلُ مِثلِه.
(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٣٩٧).
وإنْ لَم يَقُلْ «لي»، فُسِخَ البَيعُ الثَّاني؛ فتُرَدُّ السِّلعةُ لِلمَأْمورِ إنْ كانَتْ قائِمةً؛ فإنْ فاتَتْ فالقِيمةُ على الآمِرِ يَومَ قَبضِها على أحَدِ القَولَيْنِ.
والثَّاني: لا يُفسَخُ، بَلْ يَمضي بالثَّمانيةِ نَقدًا، وعلى المَأْمورِ العَشَرةُ لِلأجَلِ لِرَبِّ السِّلعةِ (١).
وقد بيَّن الإمامُ ابنُ رُشدٍ مَسائِلَ العِينةِ، وبيَّن الجائِزَ مِنها والمَكروهَ والمَحظورَ، فقالَ رحمة الله عليه: العِينةُ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ: جائِزةٌ، ومَكروهةٌ، ومَحظورةٌ.
فالجائِزةُ أنْ يَأتيَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ مِنهم فيَقولَ له: أعندَكَ سِلعةُ كذا وكذا تَبيعُها مِنِّي بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَذهَبَ عنه فيَبتاعَ المَسؤولُ تلك السِّلعةَ، ثم يَلقاه فيَقولَ له: عِندي ما سَألتَ، فيَبيعَ ذلك منه.
والمَكروهُ أنْ يَقولَ له: عندَكَ كذا وكذا تَبيعُه مِنِّي بدَيْنٍ؟ فيَقولَ: لا؛ فيَقولَ له: ابتَعْ ذلك وأنا أبتاعُه مِنْكَ بدَيْنٍ وأُربِحُكَ فيه؛ فيَشتَريَ ذلك ثم يَبيعَه مِنه على ما تَواعَدا عليه.
والمَحظورُ أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا بكذا وكذا، وأنا أشتَريها مِنْكَ بكَذا وكَذا، وهذا الوَجْهُ فيه سِتُّ مَسائِلَ تَفترِقُ أحكامُها بافتِراقِ مَعانيها:
(١) «الشرح الكبير» (٤/ ١٤٣، ١٤٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٢٠، ٤٢٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢٤٣، ٢٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٠٥، ١٠٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٣٩٦، ٣٩٦)، وكتاب: «الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية» ص (٦١٠، ٦١١).
إحدى هذه المَسائِلِ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أشتَريها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ نَقدًا؛ فهذا أجازَه مالِكٌ مَرَّةً، إذا كانَتِ البَيعَتانِ بالنَّقدِ، وانتَقَدَ، وكَرِهَه مَرَّةً لِلمُراوَضةِ التي وَقَعتْ بينَهما في السِّلعةِ قبلَ أنْ تَصيرَ في مِلْكِ المَأْمورَ.
والثَّانيةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا لا يَجوزُ، إلَّا أنَّه اختُلِفَ فيه إذا وقَع على قَولَيْنِ:
أحَدُهما: أنَّ السِّلعةَ لازِمةٌ لِلآمِرِ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، لأنَّ المَأْمورَ كانَ ضامِنًا لَها لو تَلِفتْ في يَدِه قبلَ أنْ يَبيعَها مِنْ الآمِرِ، ويُستحَبُّ له أنْ يَتورَّعَ فلا يَأخُذَ مِنه إلَّا ما نقَد فيها، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِ سَحنونٍ مِنْ كِتابِ البَضائِعِ والوَكالاتِ، ورِوايَتِه عن مالِكٍ.
والآخَرُ: أنَّ البَيعَ يُفسَخُ وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المَأْمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ، فتَكونَ فيه القِيمةُ مُعجَّلةً، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ؛ لأنَّه باعَه إيَّاها قبلَ أنْ يَجِبَ له، فيَدخُلُه بَيعُ ما ليسَ عندَكَ.
والثَّالثُ: عَكسُها، وهو أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا وكذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أبتاعُها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا لا يَجوزُ أيضًا، إلَّا أنَّه يَختلِفُ فيه إذا وقَع على القَولَيْنِ المَذكورَيْنِ، يَلزَمُ الآمِرَ السِّلعةُ بالعَشَرةِ نَقدًا.
ويُستحَبُّ له أنْ يَزيدَه الدِّينارَيْنِ على القَولِ الأوَّلِ، ويُفسَخُ البَيعُ على القَولِ الثَّاني، وتُرَدُّ السِّلعةُ إلى المأْمورِ، إلَّا أنْ تَفوتَ بيَدِ الآمِرِ، فتَكونَ عليه فيها القِيمةُ، كما يُفعَلُ في البَيعِ الحَرامِ على القَولِ الثَّاني، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ.
والرَّابِعُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ سِلعةَ كذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ؛ فهذا مَرجِعُ الأمْرِ فيه إلى أنَّ الآمِرَ استَأجَرَ المأْمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بدينارَيْنِ أُجرةً؛ فإنْ كانَ النَّقدُ مِنْ عِنْدِ الآمِرِ، أو مِنْ عِنْدِ المأْمورِ بغيرِ شَرطٍ فهو جائِزٌ، وإنْ كانَ مِنْ عِنْدِ المأْمورِ بشَرطٍ، كانَتْ إجارةً وسَلَفًا؛ لأنَّه استَأجَرَه بدينارَيْنِ على أنْ يَشتَريَ له السِّلعةَ ويَنقُدَ عنه؛ فتَكونَ له إجارةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ أكثَرَ مِنْ الدِّينارَيْنِ؛ فلا يُزادَ عليهما على مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في البَيعِ والسَّلَفِ، وإذا كانَ السَّلَفُ مِنْ عِنْدِ البائِعِ وفاتَتِ السِّلعةُ فلِلبائِعِ الأقَلُّ مِنْ القِيمةِ أو الثَّمنِ، وإنْ قبَض السَّلَفَ، وتَكونُ له إجارةُ مِثلِه بالِغةً ما بَلَغتْ، وعلى مَذهبِ ابنِ حَبيبٍ في البَيعِ والسَّلَفِ إذا قبَض السَّلَفَ وفاتَتِ السِّلعةُ، ففيها القِيمةُ، بالِغةً ما بلَغتْ، والأصَحُّ ألَّا تَكونَ له أُجرةٌ؛ لأنَّا إنْ أعطَيناه الأُجرةَ كانَ الثَّمنُ ثَمَنًا لِلسَّلَفِ؛ فكانَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا الذي عَقَدا عليه، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وهذه الأقوالُ الثَّلاثةُ إذا عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنْ نقَد المأْمورَ الثَّمنَ وقبلَ أنْ يَحِلَّ الأجَلُ؛ لأنَّ السَّلَفَ -وإنْ كانَ حالًّا- لا بدَّ مِنْ الحُكمِ فيه بأجَلٍ، ولو عُثِرَ على الآمِرِ بعدَ أنِ ابتاعَ المَأمورُ السِّلعةَ، وقبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ، كانَ النَّقدُ على الآمِرِ، ولَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمأْمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ له الأُجرةَ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: أنَّ له الأقَلَّ، ولو لَم يُعثَرْ على ذلك إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَلِ لَم يَكُنْ فيما يَجِبُ لِلمأْمورِ مِنْ الأُجرةِ إلَّا قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ له الأُجرةَ بالِغةً ما بَلَغتْ، والآخَرُ: أنَّه لا شَيءَ له.
والخامِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا وكذا بعَشَرةٍ نَقدًا، وأنا أبتاعُها مِنْكَ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ فهذا حَرامٌ، لا يَحِلُّ، ولا يَجوزُ؛ لأنَّه رَجُلٌ ازدادَ في سَلَفِه؛ فإنْ وقَع ذلك لَزِمتِ السِّلعةُ لِلآمِرِ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، وإنَّما أسلَفَه المأْمورُ ثَمَنَها؛ لِيأخُذَ مِنه أكثَرَ مِنه إلى أجَلٍ؛ فيُعطيَه العَشَرةَ مُعجَّلةً، ويَطرَحَ عنه ما أرْبَى، ويَكونَ لَه أُجرةُ مِثْلِه بالِغةً ما بَلَغتْ، في قَولٍ، والأقَلُّ مِنْ أُجرةِ مِثْلِه أو الدِّينارَيْنِ في قَولٍ، ولا يَكونَ له شَيءٌ في قَولٍ؛ لِئَلَّا يَكونَ ذلك تَتميمًا لِلرِّبا فيما بينَهما على ما مَضى مِنْ الِاختِلافِ في المَسألةِ التي قبلَها.
وقالَ في سَماعِ سَحنونٍ: إنْ لَم تَفُتِ السِّلعةُ فُسِخَ البَيعُ، وهو بَعيدٌ؛ فقيلَ: مَعنَى ذلك إذا عَلِمَ البائِعُ الأوَّلُ بعَمَلِهما.
والسَّادِسةُ: أنْ يَقولَ له: اشتَرِ لي سِلعةَ كذا باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ، وأنا أشتَريها مِنْكَ بعَشَرةٍ نَقدًا؛ فهذا حَرامٌ، لا يَجوزُ، ومَكروهٌ إذا استَأجَرَ المأْمورَ على أنْ يَبتاعَ له السِّلعةَ بسَلَفٍ، بعَشَرةِ دَنانيرَ، يَدفَعُها إليه يَنتَفِعُ بها إلى أجَلٍ، ثم يَرُدُّها إليه؛ فإذا وقَع ذلك لَزِمتِ الآمِرَ السِّلعةُ باثنَيْ عشَرَ إلى أجَلٍ؛ لأنَّ الشِّراءَ كانَ له، ولا يَتعجَّلِ المأْمورُ مِنه العَشَرةَ النَّقدَ، وإنْ كانَ قد دَفَعَها إليه صرَفها عليه، ولَم تُترَكْ عندَه إلى الأجَلِ، وكانَ له جُعْلُ مِثلِه بالِغًا ما بلَغ في هذا الوَجْهِ باتِّفاقٍ، واللَّهُ ﷾ أعلَمُ (١).
(١) «البيان والتحصيل» (٧/ ٨٦، ٨٩).
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.