إلحاق الخيار بالبيع بعد انعقاده

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > إلحاق الخيار بالبيع بعد انعقاده

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إلحاق الخيار بالبيع بعد انعقاده - الأقوال والأدلة

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: المِثالُ الحادي بعدَ المِئةِ: رَجُلٌ قالَ لِغيرِه: اشتَرِ هذه الدَّارَ أو هذه السِّلعةَ مِنْ فُلانٍ بكذا وكذا، وأنا أُربِحُكَ فيها كذا وكذا، فخافَ إنِ اشتَراها أنْ يَبدوَ لِلآمِرِ فلا يُريدَها، ولا يَتمكَّنَ مِنْ الرَّدِّ؛ فالحِيلةُ أنْ يَشتَريَها على أنَّه بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ أو أكثَرَ، ثم يَقولَ لِلآمِرِ: قد اشتَرَيتُها بما ذَكَرتَ، فإنْ أخَذها منه وإلَّا تَمكَّنَ مِنْ رَدِّها على البائِعِ بالخِيارِ؛ فإنْ لَم يَشتَرِها الآمِرُ إلَّا بالخيارِ فالحِيلةُ أنْ يَشتَرِطَ له خِيارًا أنقَصَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ التي اشتَرطَها هو على البائِعِ؛ لِيَتَّسِعَ له زَمَنُ الرَّدِّ إنْ رُدَّتْ عليه (١).

إلحاقُ الخيارِ بالبَيعِ بعدَ انعِقادِه:

اختلَف الفُقهاءُ فيما لو ألحَقا في العَقدِ خِيارًا بعدَ لُزومِ البَيعِ، هل يَلحَقُه ويَصحُّ أو لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.

قالَ الحَنفيَّةُ: يَجوزُ إلحاقُ خيارِ الشَّرطِ بالبَيعِ، فلو قالَ أحَدُهما بعدَ البَيعِ -ولو بأيَّامٍ-: جَعَلتُكَ بالخيارِ ثَلاثةَ أيَّامٍ، صَحَّ بالإجماعِ.

فلو شَرَطاه بعدَه أزيَدَ مِنْ الثَّلاثةِ فسَد العَقدُ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّها أقصى مُدَّةِ الخيارِ عندَه، خِلافًا لِأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّهما قالا: يَجوزُ الخيارُ أكثَرَ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ، كما لو ألحَقا بالبَيعِ شَرطًا فاسِدًا، فإنَّه يَلتحِقُ ويَفسُدُ العَقدُ عندَه، وعندَهما لا يَفسُدُ ويَبطُلُ الشَّرطُ (٢).

(١) «إعلام الموقعين» (٤/ ٢٩).
(٢) «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٠٠)، و «البحر الرائق» (٦/ ٣)، و «اللباب» (١/ ٣٦١)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٥٦٨).

وقالَ المالِكيَّةُ: وصَحَّ الخيارُ بعدَ انعِقادِ البَيعِ على البَتِّ لِلمُشتَرِي أو لِلبائِعِ، بأنْ يَجعَلَ أحَدُهما لِصاحِبِه، أو كُلٌّ مِنهما لِلآخَرِ الخِيارَ، أو لِغيرِهما، بعدَ بَتِّ البَيعِ إنْ نُقِدَ الثَّمنُ لِلبائِعِ، وأمَّا الجَمعُ بينَ البَتِّ والخِيارِ في عَقدٍ واحِدٍ فهو مَمنوعٌ؛ لِخُروجِ الرُّخصةِ عن مَورِدِها؛ لأنَّ إباحةَ الخيارِ رُخصةٌ، وذلك لأنَّ الخيارَ مُحتَوٍ على غَرَرٍ؛ إذ لا يَدري كُلٌّ مِنْ المُتَبايِعَيْنِ ما يَحصُلُ لَه، هل الثَّمنُ أو المُثَمَّنُ؟ لِجَهلِه بانبرامِ العَقدِ، ومتى يَحصُلْ يَكُنْ مُقتَضاه أنْ يَكونَ مَمنوعًا، لكنْ رَخَّصَ الشارِعُ فيه فأباحَه عندَ انفِرادِه، وهو بَيعٌ مُؤتَنَفٌ، بمَنزِلةِ بَيعِ المُشتَرِي لَها مِنْ غيرِ البائِعِ، وضَمانُه حينَ وُقوعِه بعدَ البَتِّ مِنْ المُشتَرِي؛ لأنَّه صارَ بائِعًا حينَئذٍ.

وإذا لَم يُنقَدِ الثَّمنُ لا يَصحُّ؛ لأنَّه إذا لَم يَنقُدْه فقد فسَخ البائِعُ مالَه في ذِمَّةِ المُشتَرِي في مُعيَّنٍ يَتأخَّرُ قَبضُه (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: إنْ شرَط الخيارَ بعدَ العَقدِ في المَجلِسِ صَحَّ في الأظهَرِ، ولو شرَط في العَقدِ الخيارَ مِنْ الغَدِ، كأنْ قالَ: بِعتُكَ الآنَ على أنْ يَكونَ لي الخيارُ مِنْ الغَدِ -مَثَلًا-، بطَل العَقدُ، وإلَّا أدَّى إلى جَوازِه بعدَ لُزومِه (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: لو ألحَقا في العَقدِ خِيارًا بعدَ لُزومِه لَم يَلحَقْه؛ لأنَّه عَقدٌ لازِمٌ، فلَم يَصِرْ جائِزًا بقَولِهما، كالنِّكاحِ، وإنْ فعَلا ذلك في مُدَّةِ

(١) «تحبير المختصر» (٣/ ٥٨١)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١١١)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٤/ ١٥٢).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ١٠٣)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٩٥)، و «الإقناع» (٢/ ٢٨٥)، و «حاشية قليوبي على كنز الراغبين» (٢/ ٤٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
كراهة التفريق في البيع

بِالتَّفْرِيقِ فَيَلْحَقُهُمَا الْوَحْشَةُ فَكَانَ التَّفْرِيقُ إضْرَارًا بِهِمَا بِإِلْحَاقِ الْوَحْشَةِ، وَكَذَا بَيْنَ الصَّغِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْتَلِفَانِ وَيَسْكُنُ قَلْبُ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ فَكَانَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا إيحَاشًا بِهِمَا فَكُرِهَ وَلِأَنَّ الصِّبَا مِنْ أَسْبَابِ الرَّحْمَةِ قَالَ عليه الصلاة والسلام : «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَفِي التَّفْرِيقِ تَرْكُ الرَّحْمَةِ فَكَانَ مَكْرُوهًا.

كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ فِي الْبَيْع

ثُمَّ الْكَلَامُ فِي كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ فِي مَوَاضِعَ، فِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْكَرَاهَةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَمْ لَا.

(أَمَّا) شَرَائِطُ الْكَرَاهَةِ (فَمِنْهَا) صِغَرُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا أَوْ يَكُونَا صَغِيرَيْنِ فَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ لَا يُكْرَهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمْ السَّبْيُ وَالتَّفْرِيقُ حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ» مَدَّ عليه الصلاة والسلام النَّهْيَ عَنْ التَّفْرِيقِ إلَى غَايَةِ الْبُلُوغِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِحَالَةِ الصِّغَرِ وَزَوَالِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ وَلِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مَعْلُولَةٌ بِالْإِضْرَارِ بِزَوَالِ الِاسْتِئْنَاسِ وَالشَّفَقَةِ وَتَرْكِ الرَّحِمِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الصِّغَرِ.

، (وَمِنْهَا) الرَّحِمُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ فَإِنْ كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ لَمْ يُكْرَهْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]

(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار

فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشفعة
٨٨٤ - مسألة؛ قال: (وإن أذن الشريك في البيع، ثم طالب بالشفعة بعد وقوع البيع، فله ذلك)

لأحمدَ: ما مَعْنَى قولِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ بَيْنَه وبَيْنَ أَخِيهِ رَبْعَةٌ، فأَرَادَ بَيْعَها، فَلْيَعْرِضْها عَلَيْهِ" . وقد جاءَ في بعضِ الحَدِيثِ: "وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أنْ يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ" . إذا كانت الشُّفْعَةُ ثابِتَةً له؟ فقال: ما هو بِبَعِيدٍ مِن أن يكُونَ على ذلك، وأن لا تكونَ له الشُّفْعةُ. وهذا قولُ الحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى خَيْثَمَةَ، وطائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنذِرِ: وقد اخْتَلَفَ فيه عن أحمدَ، فقال مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُه. وقال مَرَّةً: لا تَبْطُلُ. واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ في أَرْضٍ؛ رَبْعَةٍ، أو حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ شَاءَ أخَذَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ" . ومُحَالٌ أن يقولَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ومن شَاءَ تَرَكَ" . فلا يكونُ لِتَرْكِه مَعْنًى. ومَفْهُومِ قولِه: "فَإنْ بَاعَ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" أنَّه إذا باعَهُ بإذْنِه لا حَقَّ له. ولأنَّ الشُّفْعةَ تَثْبُتُ في مَوْضِع الاتِّفاقِ على خِلَافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يأْخُذُ مِلْكَ المُشْتَرِى من غيرِ رِضَائِه، ويُجْبِرُه على المُعاوَضةِ به، لِدُخُولِه مع البائِعِ في العَقْدِ، الذي أساءَ فيه بإدْخَالِه الضَّرَرَ على شَرِيكِه، وتَرْكِه الإِحْسانَ إليه في عَرْضِه عليه. وهذا المَعْنَى معْدُومٌ ههُنا، فإنَّه قد عَرَضَه عليه، وامْتِنَاعُه من أخْذِه دَلِيلٌ على عَدَمِ الضَّرَرِ في حَقِّه بِبَيْعِه، وإن كان فيه ضَرَرٌ فهو أدْخَلَه على نَفْسِه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ، كما لو أخَّرَ المُطَالبةَ بعدَ البَيْعِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه إسْقَاطُ حَقٍّ قبلَ وُجُوبِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أبْرَأهُ ممَّا يَجِبُ له، أو…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 519 - 520

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله