الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > النوع الثاني: خيار الشرط
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةالنَّوعُ الثَّاني: خِيارُ الشَّرطِ:
خِيارُ الشَّرطِ خِيارٌ يثبُتُ بالشَّرطِ؛ لأنَّ سَبَبَه اشتِراطُ العاقِدِ؛ إذْ لَولا الشَّرطُ لَمَا ثبَت الخِيارُ، بخِلافِ خِيارِ العَيبِ والرُّؤيةِ؛ فإنَّما يَثبُتانِ مِنْ غيرِ شَرطٍ.
وخِيارُ الشَّرطِ: هو أنْ يَشتَرِطَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ، أو كُلٌّ منهما أنَّ له الخِيارَ -أي: حَقَّ فَسخِ العَقدِ- في خِلالِ مُدَّةٍ مَعلومةٍ.
ويُقالُ له: خِيارُ تَرَوٍّ، أي: نَظَرٍ وتَأمُّلٍ في إبرامِ البَيعِ وعَدَمِه.
حُكمُ خِيارِ الشَّرطِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ خِيارِ الشَّرطِ في البُيوعِ التي لا رِبا فيها، وهو ثابِتٌ بالنَّصِّ على غيرِ القياسِ، والقياسُ ألَّا يَصحَّ؛ لِمَا فيه مِنْ الغَرَرِ، ولِظاهِرِ نَهيِه عن بَيعٍ وشَرطٍ، إلَّا أنَّ النَّصَّ ورَد به، وهو ما رَواه عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ رضي الله عنه أنَّ رَجُلًا (١) ذكَر لِلنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخدَعُ في البُيوعِ، فقالَ ﷺ: «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ» (٢)، وفي رِوايةٍ: «إذا بايَعتَ فقُلْ: لا خِلابةَ، ثم أنتَ بالخِيارِ في كلِّ سِلعةٍ ابتَعتَها ثَلاثَ لَيالٍ، فإنْ رَضيتَ فأمسِكْ، وإنْ سَخِطتَ فاردُدْ» (٣)، ومَعنَى «لا خِلابةَ»: لا خَديعةَ، أي: لا تَحِلُّ لَكَ خَديعَتي، أو لا يَلزَمُني خَديعَتُكَ.
(١) هُوَ حِبّانُ بنُ مُنْقِذ.
(٢) رواه البخاري (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣)، وقال المُهلَّبُ: ولا يَدخلُ في الخِداعِ المُحرَّمِ الثَّناءُ على السِّلعةِ والأطنابُ في مَدحِها؛ فإنَّه مُتجاوَزٌ عنه، ولا يُنتقضُ به البَيعُ، «فتح الباري» (١٢/ ٣٣٦).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٢٣٥٥).
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واعلَم أنَّ أقوَى ما يُحتَجُّ به في ثُبوتِ خِيارِ الشَّرطِ الإجماعُ، وقد نَقَلوا فيه الإجماعَ، وهو كافٍ.
وقالَ أيضًا: يَصحُّ شَرطُ الخِيارِ في البَيعِ بالإجماعِ إذا كانَتْ مُدَّتُه مَعلومةً (١).
فأمَّا في البُيوعِ التي فيها الرِّبا، وهي الصَّرفُ، وبَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ؛ فلا يَجوزُ شَرطُ الخِيارِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا قبلَ تَمامِ البَيعِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يَتفَرَّقا إلَّا عن قَبضِ العِوضَيْنِ؛ فلو جَوَّزْنا شَرطَ الخِيارِ لَتفَرَّقا ولَم يَتِمَّ البَيعُ بينَهما.
وكذلك لا يَجوزُ التَّفرُّقُ في السَّلَمِ عندَ جَماهيرِ العُلماءِ، خِلافًا لِلمالِكيةِ الذين قالوا بجَوازِ تَأخيرِه ثَلاثةَ أيَّامٍ.
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا يَجوزُ الخِيارُ عندَ جُمهورِ العُلماءِ وجَماعَتِهم فيما يَجِبُ تَعجيلُه في المَجلِسِ، مثلَ الصَّرفِ والسَّلَمِ؛ لأنَّه خِلافُ الأُصولِ المُجتَمَعِ عليها (٢).
(١) «المجموع» (٩/ ١٨٠).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٤٨٥)، ويُنظر: «الإقناع في مسائل الإجماع» (٤/ ١٧٢٣) رقم (٣٣٦٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٧٤، ١٧٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٢، ٣٣)، و «اللباب» (١/ ٣٦١)، و «الاختيار» (٢/ ١٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٥)، و «العناية» (٨/ ٤٤٤، ٤٤٥)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٤)، و «البحر الرائق» (٦/ ٣، ٤)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢٥٠)، و «تحرير المقالة» (٥/ ١٧٨، ١٧٩)، و «الجامع لمسائل المدونة» (١٣/ ٧٨٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٧٩)، و «الشرح الكبير» (٤/ ١٤٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٥٧، ١٥٨)، و «الفروق» (٣/ ٤٥١، ٤٥٢)، و «المجموع» (٩/ ١٨٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٠١، ١٠٣)، و «البيان» (٥/ ٢٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ١١٦، ١١٧)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٩٢، ٤٩٤)، و «الديباج» (٢/ ٦٢، ٦٤)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ١٣، ١٦)، و «شرح مسلم» (١٠/ ١٧٦، ١٧٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٩، ١٠)، و «المبدع» (٤/ ٦٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٧)، و «الروض المربع» (١/ ٥٥٩).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الشرط
فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.
وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]
(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار
فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)
(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)
أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)
فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.