الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > مشروعية خيار العيب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةيَكونُ نُقصانَ عَينٍ، كالخَصيِّ، أو زيادَتِه، كالإصبَعِ الزَّائِدةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: العَيبُ: وهو نَقصُ عَينِ المَبيعِ، كخِصاءٍ، ولو لَم تَنقُصْ به القيمةُ، بل زادَتْ، أو نَقصُ قيمَتِه عادةً في عُرفِ التُّجَّارِ وإنْ لَم تَنقُصْ عَينُه.
وقيلَ: العَيبُ: نَقيصةٌ يَقتَضي العُرفُ سَلامةَ المَبيعِ عنها في الأغلَبِ (٢).
والنَّقيصةُ: مِنْ النَّقصِ، وخيارُ النَّقيصةِ مَنوطٌ بفَواتِ شَيءٍ مِنْ المَعقودِ عليه كانَ يُظَنُّ حُصولُه، وذلك الظَّنُّ مِنْ أحَدِ ثَلاثةِ أُمورٍ:
أوَّلُها: شَرطُ كونِه بتلك الصِّفةِ.
ثانيها: اطِّرادُ العُرفِ بحُصولِها فيه.
ثالِثُها: أنْ يَفعَلَ العاقِدُ ما يُورِثُ ظَنَّ حُصولِها، ويُسَمَّى خيارَ الخُلفِ أيضًا (٣).
مَشروعيَّةُ خيارِ العَيبِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً ووجَد بها عَيبًا كانَ عندَ البائِعِ، ولَم يَعلَم به المُشتَري، فلَه الخيارُ بينَ الرَّدِّ والفَسخِ، وبينَ الإمضاءِ، سَواءٌ كانَ يَعلَمُه البائِعُ وكتَمه أو لا. وقد نقَل عَدَدٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على هذا.
وقد استَدلَّ أهلُ العِلمِ على مَشروعيَّةِ الرَّدِّ بالعَيبِ بأدِلَّةٍ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والقياسِ:
(١) «الوسيط» (٣/ ٥١٥).
(٢) «كشاف القناع» (٣/ ٢٥٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣١).
(٣) «روضة الطالبين» (٣/ ١١٣).
فمِنَ الكِتابِ: استَدَلُّوا بعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والعَيبُ في المَبيعِ مُنافٍ لِلرِّضا المَشروطِ في العُقودِ؛ فالعَقدُ المُلتَبِسُ بالعَيبِ تِجارةٌ عن غيرِ تَراضٍ؛ فالآيةُ تَدُلُّ على أنَّ العاقِدَ لا يَلزَمُه المَعقودُ عليه المَعيبُ، بل له رَدُّه والِاعتِراضُ، بقَطعِ النَّظَرِ عن طَريقةِ الرَّدِّ والإصلاحِ لِذلك الخَلَلِ في تَكافُؤِ المُبادَلةِ.
ومِنَ السُّنةِ: عن عائِشةَ رضي الله عنها: أنَّ رَجُلًا ابتاعَ غُلامًا فأقامَ عندَه ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُقيمَ ثم وجَد به عَيبًا، فخاصَمَه إلى النَّبيِّ ﷺ فرَدَّه عليه، فقالَ الرَّجُلُ: يا رَسولَ اللَّهِ، قد استَغَلَّ غُلامي، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «الخَراجُ بالضَّمانِ» (١).
قالَ الخطَّابيُّ رحمة الله عليه: مَعنَى الخَراجِ: الدَّخلُ والمَنفَعةُ، ومِن هذا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: ٧٢].
ويُقالُ لِلعَبدِ إذا كانَ لِسَيِّدِه عليه ضَريبةٌ: مُخارِجٌ، ومَعنَى قَولِه ﷺ: «الخَراجُ بالضَّمانِ»: المَبيعُ إذا كانَ ممَّا له دَخلٌ وغَلَّةٌ فإنَّ مالِكَ الرَّقَبةِ -الذي هو ضامِنُ الأصلِ- يَملِكُ الخَراجَ بضَمانِ الأصلِ؛ فإذا ابتاعَ الرَّجُلُ أرضًا فأشغَلُها، أو ماشيةً فنَتَجَها، أو دابَّةً فرَكِبَها، أو عَبدًا فاستَخدَمَه، ثم وجَد به عَيبًا، فلَه أنْ يَرُدَّ الرَّقَبةَ ولا شَيءَ عليه فيما انتفعَ به؛ لأنَّها لو تَلِفتْ ما بينَ مُدَّةِ العَقدِ والفَسخِ لَكانَتْ
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، وابن ماجه (٢٢٤٢).
مِنْ ضَمانِ المُشتَري؛ فوجَب أنْ يَكونَ الخَراجُ مِنْ حَقِّهِ (١).
وأمَّا الإجماعُ فقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً ووجَد بها عَيبًا كانَ عندَ البائِعِ لَم يَعلَم به المُشتَري أنَّ له الرَّدَّ (٢).
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ ابتاعَ سِلعةً ثم وجَد بها عَيبًا كانَ له رَدُّها به، نقَد الثَّمنَ قبلَ ذلك أو لَم يَنقُدْ.
وقالَ أيضًا: وأجمَعَ الجَميعُ على أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً له الرَّدُّ بالعَيبِ إذا ظهَر له بعدَ ذلك.
وقالَ أيضًا: وكُلُّ مَنْ اشتَرَى حَيَوانًا أو سِلعةً أو ضَيعةً فوجَد بالمَبيعِ عَيبًا، إنْ شاءَ رَدَّ، وإنْ شاءَ أمسَكَ، قَرُبتِ المُدَّةُ أو طالَتْ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلك (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إلَّا أنْ يَجِدَ بالسِّلعةِ عَيبًا فيَرُدَّها به، أو يَكونَ قد شرَط الخيارَ لِنَفْسِه مُدَّةً مَعلومةً فيَملِكَ الرَّدَّ أيضًا، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في ثُبوتِ الرَّدِّ بهذَيْنِ الأمرَيْنِ (٤).
وقالَ أيضًا: متى عَلِمَ بالبَيعِ عَيبًا لَم يَكُنْ عالِمًا به فلَه الخيارُ بينَ الإمساكِ والفَسخِ، سَواءٌ كانَ البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكتَمه، أو لَم يَعلَم، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ إثباتَ النَّبيِّ ﷺ الخيارَ بالتَّصريةِ تَنبيهٌ على ثُبوتِه بالعَيبِ،
(١) «معالم السنن» (٣/ ١٤٧).
(٢) «الإقناع» (١/ ٢٦٢، ٢٦٣).
(٣) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٤/ ١٧٢٩، ١٧٣٣) رقم (٣٣٧٢، ٣٣٧٨، ٣٣٨٠).
(٤) «المغني» (٤/ ١٤).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]
(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار
فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الشرط
فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.
وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)
(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)
أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)
فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.