الأعيان التي يجري فيها الربا

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > الأعيان التي يجري فيها الربا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

الأعيان التي يجري فيها الربا - الأقوال والأدلة

الأعيانُ التي يَجري فيها الرِّبا:

الشارِعُ نصَّ على تَحريمِ رِبا الفَضلِ في سِتَّةِ أعيانٍ، وهي: الذَّهبُ والفِضَّةُ والبُرُّ والشَّعيرُ والتَّمرُ والمِلحُ، كما في حَديثِ أبي سَعيدٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١).

وفائِدةُ تَخصيصِ هذه الأشياءِ بالذِّكرِ أنَّ عامَّةَ المُعامَلاتِ يَومَئِذٍ كانَتْ بها على ما جاءَ في الحَديثِ: كُنَّا نَتبايَعُ في الأسواقِ بالأوساقِ. والمُرادُ به ما يَدخُلُ تَحتَ الوَسقِ ممَّا يَكثُرُ الحاجةُ إليه، وهي الأشياءُ المَذكورةُ.

واتَّفق العُلماءُ على تَحريمِ التَّفاضُلِ في هذه الأجناسِ مع اتِّحاد الجِنسِ، واتَّفَقوا أيضًا -أي: القائِلونَ بالقياسِ- على أنَّ ثُبوتَ الرِّبا فيها بعِلَّةٍ، وأنَّه يثبُتُ في كلِّ ما وُجِدتْ فيه عِلَّتُها؛ لأنَّ القياسَ دَليلٌ شَرعيٌّ، فيَجِبُ استِخراجُ عِلَّةِ هذا الحُكمِ وإثباتُه في كلِّ مَوضِعٍ وُجِدتْ عِلَّتُه فيه.

ثُمَّ اختَلَفوا بعدَ ذلك في المَعنَى الذي يَتعدَّى الحُكمُ به إلى سائِرِ الأموالِ على أربَعةِ أقوالٍ:

القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في هذه الأصنافِ التي نصَّ عليها النَّبيُّ هي الكَيلُ أو الوَزنُ، فكلُّ

(١) رواه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤).

مَكيلٍ أو مَوزونٍ إذا بِيعَ بجِنسِه مُتفاضِلًا حَرامٌ، ويَجري فيه الرِّبا سَواءٌ كانَ مَأكولًا، أو غيرَ مَأكولٍ.

فعِلَّةُ كَونِ المالِ رِبَويًّا القَدْرُ مع الجِنسِ، أي: الكَيلُ مع الجِنسِ، أو الوَزنُ مع الجِنسِ.

فمَن باعَ قَفيزًا مِنْ بُرٍّ بقَفيزَيْ بُرٍّ لا يَجوزُ؛ لِوُجودِ الكَيلِ مع الجِنسِ، وكذا ما يَدخُلُ تَحتَ الوَزنِ، كالحَديدِ والرَّصاصِ، فإنَّ الرِّبا يثبُتُ فيه؛ لِوُجودِ القَدْرِ، وهو الوَزنُ والجِنسُ.

ولا يَجري الرِّبا في مَطعومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ كالمَعدوداتِ ونَحوِها، فيَجوزُ بَيعُ بِطِّيخةٍ ببِطِّيخَتَيْنِ وبَيضةٍ ببَيضَتَيْنِ وحَفنةٍ بحَفنَتَيْنِ؛ لعَدمِ الكَيلِ.

فلا رِبا فيما لا يَدخُلُ تَحتَ كَيلٍ أو وزنٍ، كالحَفنةِ مِنْ القَمحِ، والذَّرَّةِ مِنْ الذَّهبِ، ولا في مَكيلٍ أو مَوزونٍ مع خِلافِ جِنسِه -هذا عندَ الحَنفيَّةِ- وقالَ الحَنابِلةُ: ما كانَ جِنسُه مَكيلًا أو مَوزونًا، وإنْ لَم يَتَأتَّ فيه كَيلٌ ولا وَزنٌ، إمَّا لِقِلَّتِه، كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْنِ والحَفنةِ والحَفنَتَيْنِ، وما دونَ الأرزَّةِ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ، أو لِكَثرَتِه، كالزُّبرةِ العَظيمةِ، فإنَّه لا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَحرُمُ التَّفاضُلُ فيه، وبِهَذا قالَ الشافِعيُّ، لقولِ النَّبيِّ : «التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْلٍ، مَنْ زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى»، ولأنَّ ما جَرى الرَّبا في كَثيرِه جَرى في قَليلِه، كالمَوزونِ.

والدَّليلُ على أنَّ العِلَّةَ هي الكَيلُ أو الوَزنُ وإنْ لَم يَكُنْ مَطعومًا، لِحَديثِ أبي سَعيدٍ مَرفوعًا: «الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ،

والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالمِلحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، يَدًا بيَدٍ، فمَن زادَ أو استَزادَ فقد أرْبَى، الآخِذُ والمُعطي فيه سَواءٌ» (١). ووَجْهُ الدِّلالةِ أنَّه أوجَبَ المُماثَلةَ في الجِنسِ الواحِدِ تَتميمًا لِلفائِدةِ في حَقِّ العاقِدَيْنِ، إذ لو كانَ أحَدُ العِوضَيْنِ أقَلَّ مِنْ الآخَرِ لَكانَتِ الفائِدةُ تامَّةً لِأحَدِ العاقِدَيْنِ دونَ الآخَرِ، والمُماثَلةُ تَكونُ باعتِبارِ الصُّورةِ: القَدْرِ، وبِاعتِبارِ المَعنَى: الجِنسُ.

وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا تَبيعوا الدِّينارَ بالدِّينارَيْنِ، ولا الدِّرهَمَ بالدِّرهَمَيْنِ، ولا الصَّاعَ بالصَّاعَيْنِ، فإنِّي أخافُ عليكم الرَّما والرَّما هو الرِّبا»، فقامَ إليه رَجُلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ الرَّجُلَ يَبيعُ الفَرَسَ بالأفراسِ، والنَّجيبةَ بالإبِلِ؟ قالَ: «لا بَأسَ إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (٢)، والمُرادُ ما يَحِلُّ بالصَّاعِ؛ إذ لا يَجري الرِّبا في نَفْسِ الصَّاعِ، وهو عامٌّ فيما يُحِلُّه، فيَتناوَلُ المَطعومَ وغيرَه.

وما رُويَ عن عُبادةَ وأنَسٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ قالَ: «ما وُزِنَ مِثْلٌ بمِثْلٍ، إذا كانَ نَوعًا واحِدًا، وما كِيلَ فمِثلُ ذلك، فإذا اختلَف النَّوعانِ فلا بَأْسَ بهِ» رَواه الدارَقُطنيُّ (٣).

وَجْهُ التَّمسُّكِ به أنَّه رَتَّبَ الحُكمَ على الجِنسِ، والقَدْرِ، وهذا نَصٌّ على أنَّهُما عِلَّةُ الحُكمِ؛ لِما عُرِفَ أنَّ تَرتُّبَ الحُكمِ على الِاسمِ المُشتَقِّ يُنبِئُ عن عِلِّيَّةِ مَأخَذِ الِاشتِقاقِ لِذلك الحُكمِ، فيَكونُ تَقديرُه: المَكيلُ والمَوزونُ مِثْلًا

(١) رواه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤).
(٢) سبَق تخريجُه.
(٣) رواه الدارقطني (٢٨٩٠).

بمِثْلٍ بسَبَبِ الكَيلِ أو الوَزنِ مع الجِنسِ، والَّذي يَدلُّ عليه ما رَواه سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وعَن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَه بتَمرٍ جَنيبٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «أكُلُّ تَمرِ خَيبَرَ هَكَذا؟»، قالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثةِ. فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «لا تَفعَلْ بِعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ ثم ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيبًا»، وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلك (١)، أي: في المَوزونِ، إذ المِيزانُ نَفْسُه ليسَ مِنْ أموالِ الرِّبا، وهو أقوَى حُجَّةً في عِلِّيَّةِ القَدْرِ، وهو بعُمومِه يَتَناوَلُ المَوزونَ كُلَّه، الثَّمنَ والمَطعومَ وغيرَهما، فيَكونُ حُجَّةً؛ لأنَّه اشتَرطَ في الجِنسِ المُماثَلةَ، وهي لا تَتحقَّقُ إلَّا بالكَيلِ أو الوَزنِ، ثم قاسَ عليه المِيزانَ.

فتَبيَّن بهذه الآثارِ قِيامُ الدَّليلِ على تَعْديةِ الحُكمِ مِنْ الأشياءِ السِّتَّةِ لِغيرِها.

القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ الشافِعيَّةِ في المَذهبِ وأحمدَ في رِوايةٍ قالوا: عِلَّةُ الرِّبا في هذه الأصنافِ الأربَعةِ هي الطَّعامُ، وإنْ لَم يَكُنْ مَكيلًا أو مَوزونًا؛ لقولِه : «الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْلٍ» (٢)، والطَّعامُ اسمٌ لِكُلِّ ما يُطعَمُ به، والدَّليلُ عليه قَولُه تَعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وأرادَ به الذَّبائِحَ، وقالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: «مَكَثْنا مع نَبيِّنا سَنةً ما لَنا طَعامٌ إلَّا الأسوَدانِ: الماءُ والتَّمرُ»، والحُكمُ إذا عُلِّقَ على اسمٍ مُشتَقٍّ كانَ ذلك عِلَّةً فيه، كالقَطعِ في السَّرِقةِ، والحَدِّ في الزِّنا،

(١) رواه البخاري (٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣).
(٢) رواه مسلم (١٥٩٢).

ولأنَّ الحَبَّ ما دامَ مَطعومًا يَحرُمُ فيه الرِّبا، فإذا زُرِعَ وخرَج عن أنْ يَكونَ مَطعومًا لَم يَحرُمْ فيه الرِّبا، فإذا انعقَد الحَبُّ وصارَ مَطعومًا حرُم فيه الرِّبا، فدَلَّ على أنَّ العِلَّةَ فيه كَونُه مَطعومًا، ولأنَّ الطُّعمَ وَصفُ شَرَفٍ؛ إذْ به قِوامُ الأبدانِ فيَقتَضي التَّعليلَ بها.

والجَوابُ: حَديثُ: «فإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ»، فالمُرادُ جَوازُ التَّفاضُلِ في هذه الأصنافِ إذا اختَلَفتْ، ومَنعُه فيها إذا اتَّفَقتْ، لا مَنعُه في غيرِها.

فعلى هذا يَحرُمُ الرِّبا في كلِّ مَطعومٍ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُكالُ أو ممَّا يُوزَنُ أو غيرَهما، ولا يَحرُمُ في غيرِ المَطعومِ، فيَجري الرِّبا في السَّفَرجَلِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والبُقولِ وغيرِها مِنْ المَطعومِ.

والمُرادُ بالمَطعومِ ما يُعَدُّ لِلطُّعمِ في الأغلَبِ تَقوُّتًا وتَأدُّمًا، أو تَفكُّهًا أو تَداويًا أو غيرَها، فيَحرُمُ الرِّبا في جَميعِ ذلك، وسَواءٌ ما أُكِلَ في الأغلَبِ، فيَدخُلُ فيه الحُبوبُ والأُدمُ والحَلاواتُ والفَواكِهُ والبُقولُ والتَّوابِلُ والأدويةُ، أو نادِرًا كالبَلُّوطِ والطُّرثوثِ، وهو نَبتٌ مَعروفٌ، وسَواءٌ ما أُكِلَ وَحدَه أو مع غيرِه.

ويَجري تَحريمُ الرِّبا في جَميعِ الأدويةِ، كالإهليلَجِ والأملَجِ والسُّقْمونيا وغيرِها.

وكذا الماءُ يَحرُمُ فيه الرِّبا.

وأمَّا الأدهانُ فأضرُبٌ:

أحَدُها: ما يُعَدُّ لِلأكلِ، كالزُّبدِ والسَّمنِ والزَّيتِ والشَّيرَجِ، ودُهنِ الجَوزِ

واللَّوزِ والبُطمِ، ودُهنِ الفُجلِ والخَردَلِ والصَّنَوبَرِ وأشباهِها، فيَحرُمُ فيه الرِّبا أيضًا؛ لأنَّه يُؤكَلُ لِلتَّداوِي، فأشبَهَ الإهليلَجَ.

والثَّاني: يُرادُ لِلتَّداوِي، كدُهنِ اللَّوزِ المُرِّ، ودُهنِ الخِروَعِ، فيَجرِي فيها أيضًا الرِّبا؛ لأنَّها تُؤكَلُ لِلتَّداوِي.

وما يُرادُ لِلطِّيبِ، كدُهنِ البَنَفسَجِ والوَردِ والياسَمِينِ والزِّئبَقِ والبانِ، وسائِرِ الأدهانِ المُطيِّبةِ، فيَحرُمُ فيها الرِّبا أيضًا، فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنْ هذه الأدهانِ بَعضِه ببَعضٍ مُتَفاضِلًا، وَلا بَيعُ بَعضِها بالشَّيرَجِ مُتفاضِلًا بلا خِلافٍ؛ لأنَّها كُلَّها شَيرَجٌ اختَلَفتْ رائِحَتُه بحَسَبِ ما جاوَرَها مِنْ هذه الأدْهانِ.

والثَّالثُ: ما يُرادُ لِلِاستِصباحِ، كدُهنِ السَّمَكِ، وبَزْرِ الكَتَّانِ ودُهنِه؛ فليسَ برِبَويٍّ.

وما سِوَى الذَّهبِ والفِضَّةِ والمَأكولِ والمَشروبِ لا يَحرُمُ فيها الرِّبا، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِها ببَعضٍ مُتفاضِلًا ونَسيئةً، ويَجوزُ فيها التَّفرُّقُ قبلَ التَّقابُضِ.

القَولُ الثَّالثُ: وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنَّ عِلَّةَ الرِّبا في هذه الأصنافِ هي الطَّعامُ إذا كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا، والدَّليلُ عليه أنَّ النَّبيَّ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ بالطَّعامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ (١)، والمُماثَلةُ لا تَكونُ إلَّا بالكَيلِ أو الوَزنِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَحرُمُ إلَّا في مَطعومٍ يُكالُ أو يُوزَنُ، فعلى هذا لا يَجري الرِّبا إلَّا في مَطعومٍ يُكالُ أو يُوزَنُ، فلا يَجرِي الرِّبا في السَّفَرجَلِ والتُّفَّاحِ والرُّمَّانِ والبَيضِ والجَوزِ والبُقولِ والخَضرواتِ

(١) رواه مسلم (١٥٩٢).

وغيرِها ممَّا لا يُكالُ ولا يُوزَنُ، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ مُتفاضِلًا.

ولا فيما ليسَ بمَطعومٍ، كالزَّعفَرانِ والأُشنانِ والحَديدِ والرَّصاصِ ونَحوِها.

ولأنَّ لِكُلِ واحِدٍ مِنْ هذه الأوصافِ أثَرًا، والحُكمَ مَقرونٌ بجَميعِها في المَنصوصِ عليه، فلا يَجوزُ حَذفُه، ولأنَّ الكَيلَ والوَزنَ والجِنسَ لا تَقتَضي وُجوبَ المُماثَلةِ، وإنَّما أثَرُه في تَحقيقِها في العِلَّةِ ما يَقتَضي ثُبوتَ الحُكمِ، لا ما تَحَقَّقَ شَرطُه، والطُّعمُ بمَجرَّدِه لا تَتحقَّقُ المُماثَلةُ به؛ لعَدمِ المِعيارِ الشَّرعيِّ فيه، وإنَّما تَجِبُ المُماثَلةُ في المِعيارِ الشَّرعيِّ، وهو الكَيلُ والوَزنُ، ولِهذا وَجَبتِ المُساواةُ في المَكيلِ كَيلًا، وفي المَوزونِ وَزنًا.

فوجَب أنْ يَكونَ الطُّعمُ مُعتَبَرًا في المَكيلِ والمَوزونِ دونَ غيرِهما.

والأحاديثُ الوارِدةُ في هذا البابِ يَجِبُ الجَمعُ بينَها وتَقييدُ كلِّ واحِدٍ مِنها بالآخَرِ، فنَهْيُ النَّبيِّ عن بَيعِ الطَّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثلٍ يَتقيَّدُ بما فيه مِعيارٌ شَرعيٌّ، وهو الكَيلُ والوَزنُ، ونَهيُه عن بَيعِ الصَّاعِ بالصَّاعَيْنِ يَتقيَّدُ بالمَطعومِ المَنهيِّ عن التَّفاضُلِ فيه.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا القَولُ ضَعيفٌ جِدًّا.

القَولُ الرَّابِعُ: وهو قَولُ المالِكيَّةِ، واختيارُ ابنِ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّ عِلَّةَ حُرمةِ رِبا الفَضلِ في الطَّعامِ الِاقتياتُ والِادِّخارُ، أي: مَجموعُ الأمرَيْنِ، فالطَّعامُ الرِّبَويُّ: ما يُقتاتُ ويُدَّخَرُ، أي: ما تَقومُ به البِنيةُ عندَ الِاقتِصارِ عليه، ويُدَّخَرُ إلى الأمَدِ المُبتَغَى مِنه عادةً، ولا يَفسُدُ بالتَّأخيرِ، ولا يُشترَطُ كَونُه

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب الربا والصرف

بابُ الرِّبا والصَّرْف

الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" . قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" . وَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما في أخْبارٍ سوى هذين

كثيرةٍ ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل علة طعام الربا]

(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 117 - 123

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر