ضع وتعجل

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > ضع وتعجل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

ضع وتعجل - الأقوال والأدلة

ضَعْ وتَعجَّلْ:

مَعنَى (ضَعْ وتَعجَّلَ): أنْ يَكونَ لِرَجُلٍ على آخَرَ دَينٌ مُؤجَّلٌ، فيَقولَ المَدِينُ لِصاحِبِ الدَّينِ: ضَعْ بَعضَ دَينِكَ وتَعجَّلِ الباقيَ، أو يَقولَ صاحِبُ الدَّينِ لِلمَدِينِ: عَجِّلْ لي بَعضَه وأضَعُ عنكَ باقيَه (١).

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ هذه الصُّورةِ، فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -ما عَدا زُفَرَ- والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ هذه الصُّورةَ بهذا الشَّرطِ لا تَجوزُ، وهي مِنْ الرِّبا المُحرَّمِ.

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ كانَ له دَينٌ على رَجُلٍ إلى أجَلٍ فلا يَحِلُّ له أنْ يَضَعَ عنه بَعضَ الدَّينِ قبلَ الأجَلِ لِيُعجِّلَ له الباقيَ، وأنَّ ذلك حَرامٌ (٢).

واستَدَلُّوا على ذلك بما يَلي:

١ - عن أبي صالِحٍ، مَولَى السَّفَّاحِ، أنَّه قالَ: بِعتُ بَزًّا مِنْ أهلِ السُّوقِ إلى أجَلٍ، ثم أرَدتُ الخُروجَ إلى الكُوفةِ، فعَرَضوا علَيَّ أنْ أضَعَ عنهم ويَنقُدوني، فسَألتُ عن ذلك زَيدَ بنَ ثابِتٍ رضي الله عنه فقالَ: «لا آمُرُكَ أنْ تَأكُلَ هذا ولا تُؤكِلَه» (٣).

(١) «فتاوى السبكي» (١/ ٣٤٠).
(٢) «الإفصاح» (١/ ٤٠٨)، ويُنظر: «جواهر العقود» (١/ ١١٦).
(٣) رواه الإمام مالك في «الموطأ» في رواية محمد بن الحسن (٧٦٨) بابُ الرجلِ يبيعُ المتاعَ أو غيرَه نَسيئةً ثم يَقولُ: انقدني وأضع عنك، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٤٦٨).

٢ - عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنه عن رَجُلٍ يَكونُ له الدَّينُ على رَجُلٍ إلى أجَلٍ، فيَضَعُ عنه صاحِبُه ويُعجِّلُ له الآخَرُ، قالَ: فكَرِهَ ابنُ عمرَ رضي الله عنه ذلك، ونهَى عنه (١).

٣ - عن المِقدادِ بنِ الأسوَدِ رضي الله عنه قالَ: أسلَفتُ رَجُلًا مِئة دِينارٍ، ثم خرَج سَهْمي في بَعْثٍ بَعَثَه رَسولُ اللَّهِ ، فقُلتُ لَهُ: عَجِّلْ لي تِسعينَ دِينارًا وأحُطُّ عَشَرةَ دَنانيرَ، فقالَ: نَعَمْ، فذُكِرَ ذلك لِرَسولِ اللَّهِ فقالَ: «أكَلتَ رِبًا يا مِقدادُ، وأطعَمْتَه» (٢).

٤ - وعن أبي المِنهالِ أنَّه سَألَ ابنَ عمرَ رضي الله عنه قالَ: لِرَجُلٍ علَيَّ دَينٌ؟ فقالَ لي: عَجِّلْ لي وأضَعُ عنكَ. فنَهاني عنه، وقالَ: نهَى أميرُ المُؤمِنينَ، يَعنِى عمرَ رضي الله عنه، أنْ نَبيعَ العَينَ بالدَّيْنِ (٣).

ولأنَّه إذا تَعجَّلَ البَعضَ وأسقَطَ الباقيَ فقد باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي أسقَطَه، وذلك عَينُ الرِّبا، كما لو باعَ الأجَلَ بالقَدْرِ الذي يَزيدُه إذا حَلَّ عليه الدَّينُ، فقالَ: زِدْني في الدَّيْنِ وأزيدُكَ في المُدَّةِ. فأيُّ فَرقٍ بينَ أنْ تَقولَ: حُطَّ

(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١١٤٦٩).
(٢) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١١٤٧١)، وضعفه السبكي في «فتاويه» (١/ ٣٤٠)، وابن القيم في «إغاثة اللهفان» (٢/ ١١٢).
(٣) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١١٤٧٠)، وصححه السبكي في «فتاويه» (١/ ٣٤٠)، وابن القيم في «إغاثة اللهفان» (٢/ ١١٢).

مِنْ الأجَلِ وأحُطُّ مِنْ الدَّينِ، أو تَقولَ: زِدْ في الأجَلِ وأزيَدُ في الدَّيْنِ؟!

قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ: كان الرِّبا في الجاهِليَّةِ أنْ يَكونَ لِلرَّجلِ على الرَّجُلِ الحَقُّ إلى أجَلٍ، فإذا حَلَّ الأجَلُ قالَ: أتَقضي أم تُرْبِي؟ فإنْ قَضى أخَذ، وإلا زادَه في حَقِّه وأخَّرَ عنه في الأجَلِ (١).

وقد عَلَّلَ الحَنفيَّةُ المَنعَ في غيرِ دَينِ الكِتابةِ: بأنَّ صاحِبَ الدَّيْنِ المُؤجَّلِ لا يَستحِقُّ المُعجَّلَ، فلا يُمكِنُ أنْ يُجعَلَ استِيفاءً، فصارَ عِوَضًا، وبَيعُ خَمسِمِئةٍ بألْفٍ لا يَجوزُ.

وبَيانُ ذلك أنَّ المُعجَّلَ لَم يَكُنْ مُستحَقًّا بالعَقدِ حتى يَكونَ استيفاؤُه استيفاءً لِبَعضِ حَقِّه، والتَّعجيلُ خَيرٌ مِنْ النَّسيئةِ لا مَحالةَ، وحينَئذٍ يَكونُ الخَمسُمِئةِ بمُقابَلةِ خَمسِمِئةٍ مثلَها مِنْ الدَّينِ، والتَّعجيلُ في مُقابَلةِ البَقيَّةِ، وذلك اعتياضٌ عن الأجَلِ، وهو باطِلٌ؛ ألَا تَرَى أنَّ الشَّرعَ حرَّم رِبا النَّسيئةِ؟ وليسَ فيه إلَّا شُبهةُ مُبادَلةِ المالِ بالأجَلِ، وإذا كانَتْ شُبهةُ الرِّبا مُوجِبةً لِلحُرمةِ فحَقيقَتُه أوْلَى بذلك (٢).

وعَلَّلَه الشافِعيَّةُ بأنَّه تَرْكُ بَعضِ المِقدارِ لِيَحصُلَ الحُلولُ في البَقيَّةِ،

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» في رواية محمد بن الحسن (٧٦٨) باب الرجل يبيع المتاع أو غيره نسيئة ثم يقول: انقدني وأضع عنك، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٤٦٨).
(٢) «المبسوط» (٢١/ ٢١)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٥٢)، و «العناية» (١٢/ ٩٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٢٥٣)، و «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٢).

والصِّفةُ بانفِرادِها لا تُقابَلُ بعِوَضٍ، ولأنَّ صِفةَ الحُلولِ لا يَصحُّ إلحاقُها بالمُؤجَّلِ، وإذا لَم يَحصُلْ ما تُرِكَ مِنْ القَدْرِ لِأجْلِه لَم يَصحَّ التَّركُ (١).

وإليكَ نُصوصَ بَعضِ الفُقهاءِ في ذلك:

قالَ الإمامُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ -بعدَ رِوايةِ حَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ رضي الله عنه -: وبهذا نَأخُذُ، مَنْ وجَب له دَينٌ على إنسانٍ إلى أجَلٍ، فسَألَ أنْ يَضَعَ عنه، ويُعجِّلَ له ما بَقيَ، لَم يَنبَغِ ذلك؛ لأنَّه يُعجِّلُ قَليلًا بكَثيرٍ دَينًا، فكَأنَّه يَبيعُ قَليلًا نَقدًا بكَثيرٍ دَيْنًا، وهو قَولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وعَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضي الله عنهم، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه (٢).

وقالَ الإمامُ مالِكٌ رحمة الله عليه: والأمْرُ المَكروهُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا أنْ يَكونَ لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّينُ إلى أجَلٍ، فيَضَعَ عنه الطَّالِبُ، ويُعجِّلُه المَطلوبُ، وذلك عندَنا بمَنزِلةِ الذي يُؤخِّرُ دَيْنَه بعدَ مَحِلِّه عن غَريمِه، ويَزيدُه الغَريمُ في حَقِّه، قالَ: فهذا الرِّبا بعَيْنِه لا شَكَّ فيه (٣).

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ -بعدَ ذِكْرِ قَولِ الإمامِ مالِكٍ-: قد بيَّن مالِكٌ رحمة الله عليه أنَّ مَنْ وَضَعَ مِنْ حَقٍّ له لَم يَحِلَّ أجلُه يَستَعجِلُه فهو بمَنزِلةِ مَنْ أخَذ حَقَّه بعدَ حُلولِ أجَلِه لِزيادةٍ يَزدادُها مِنْ غَريمِه لِتَأخيرِه ذلك؛ لأنَّ المَعنَى الجامِعَ لَهُما هو أنْ يَكونَ بإزاءِ الأمَدِ السَّاقِطِ والزَّائِدِ بَدَلًا وعِوَضًا يَزدادُه الذي يَزيدُ

(١) «أسنى المطالب في شرح روض الطالب» (٢/ ٢١٦).
(٢) «الموطأ» (٣/ ١٦٧).
(٣) «الموطأ» (٢/ ٣٧٣).

في الأجَلِ، ويُسقَطُ عن الذي يُعجِّلُ الدَّيْنَ قبلَ مَحِلِّه، فهَذانِ -وإنْ كانَ أحَدُهما عَكسَ الآخَرِ- مُجتَمِعانِ في المَعنَى الذي وَصَفْنا (١).

وقالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: والَّذي يَدلُّ على بُطلانِ ذلك شَيئانِ:

أحَدُهما: تَسميةُ ابنِ عمرَ إيَّاه رِبًا، وقد بيَّنا أنَّ أسماءَ الشَّرعِ تَوقيفٌ.

والآخَرُ: أنَّه مَعلومٌ أنَّ رِبا الجاهِليَّةِ إنَّما كانَ قَرضًا مُؤجَّلًا بزيادةٍ مَشروطةٍ، فكانَتِ الزِّيادةُ بَدَلًا مِنْ الأجَلِ، فأبطَلَه اللَّهُ تَعالى وحرَّمه، وقالَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩].

وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فحَظَرَ أنْ يُؤخَذَ لِلأجَلِ عِوَضٌ، فإذا كانَتْ عليه ألْفُ دِرهَمٍ مُؤجَّلةٌ فوَضَعَ عنه على أنْ يُعجِّلَه، فإنَّما جعَل الحَطَّ بحِذاءِ الأجَلِ، فكانَ هذا هو مَعنَى الرِّبا الذي نصَّ اللَّهُ تَعالى على تَحريمِه، ولا خِلافَ أنَّه لو كانَ عليه ألْفُ دِرهَمٍ حالَّةٌ فقالَ له: أجِّلْني وأزيدُكَ فيها مِئةَ دِرهَمٍ، لا يَجوزُ؛ لأنَّ المِئةَ عِوَضٌ مِنْ الأجَلِ، كذلك الحَطُّ في مَعنَى الزِّيادةِ؛ إذ جعَله عِوَضًا مِنْ الأجَلِ، وهذا هو الأصلُ في امتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأبدالِ عن الآجالِ (٢).

فَحُرمةُ رِبا النَّساءِ ليسَتْ إلَّا لِشُبهةِ مُبادَلةِ المالِ بالأجَلِ، وإذا كانَتْ شُبهةُ الرِّبا مُوجِبةً لِلحُرمةِ فحَقيقَتُه أوْلَى بذلك.

(١) «الاستذكار» (٦/ ٤٨٨)، و «الكافي» (١/ ٣٢٤).
(٢) «أحكام القرآن» (٢/ ١٨٦، ١٨٧).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا صالَحَه على المُؤجَّلِ ببَعضِه حالًّا لَم يَجُزْ، كَرِهَه زَيدُ بنُ ثابِتٍ وابنُ عمرَ رضي الله عنهما وقالَ: نهَى عمرُ أنْ تُباعَ العَينُ بالدَّينِ، وسَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ والقاسِمُ وسالِمٌ والحَسَنُ والشَّعبيُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ والثَّوريُّ وابنُ عُيَينةَ وهُشَيمٌ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ.

ورُويَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه والنَّخَعيِّ وابنِ سِيرينَ أنَّه لا بَأْسَ به.

وعن الحَسَنِ وابنِ سِيرينَ أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بَأْسًا بالعُروضِ أنْ يَأخُذَها مِنْ حَقِّه قبلَ مَحِلِّه؛ لأنَّهما تَبايَعا العُروضَ بما في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشتَراها بثَمَنٍ مِثلِها، ولَعَلَّ ابنَ سِيرينَ يَحتَجُّ بأنَّ التَّعجيلَ جائِزٌ، والإسقاطَ وَحدَه جائِزٌ، فجازَ الجَمعُ بينَهما، كما لو فعَلا ذلك مِنْ غيرِ وَطأةٍ عليه.

ولنا: أنَّه يَبذُلُ القَدْرَ الذي يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعجيلِ ما في ذِمَّتِه، وبَيعُ الحُلولِ والتَّأجيلِ لا يَجوزُ، كما لا يَجوزُ أنْ يُعطيَه عَشَرةً حالَّةً بعِشرينَ مُؤجَّلةً؛ ولأنَّه يَبيعُه عَشَرةً بعِشرينَ، فلَم يَجُزْ، كما لو كانَتْ مَعيبةً.

وبِفارِقِ ما إذا كانَ عن غيرِ مُواطَأةٍ، ولا عَقدٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما مُتبرِّعٌ ببَذْلِ حَقِّه مِنْ غيرِ عِوَضٍ، ولا يَلزَمُ مِنْ جَوازِ ذلك جَوازُه في العَقدِ، أو مع الشَّرِكةِ، كبَيعِ دِرهَمٍ بدِرهَمَيْنِ، ويُفارِقُ ما إذا اشتَرَى العُروضَ بثَمَنِ مِثلِها؛ لأنَّه لَم يَأخُذْ عن الحُلولِ عِوَضًا (١).

وذهَب زُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ وابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ مِنْ الحَنابِلةِ، وهي رِوايةٌ عن أحمدَ، إلى جَوازِ هذه الصُّورةِ.

(١) «المغني» (٤/ ٣١٦).

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: إذا كانَ له على رَجُلٍ دَينٌ مُؤجَّلٌ وأرادَ رَبُّ الدَّيْنِ السَّفَرَ، وخافَ أنْ يَذهَبَ مالُه، أو احتاجَ إليه، ولا يُمكِنُه المُطالَبةُ قبلَ الحُلولِ، فأرادَ أنْ يَضَعَ عن الغَريمِ بَعضًا ويُعجِّلَ له باقيَه، فقدِ اختلَف السَّلَفُ والخَلَفُ في هذه المَسألةِ:

فأجازَها ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وحرَّمها ابنُ عمرَ رضي الله عنه، وعَن أحمدَ فيها رِوايَتانِ، أشهَرُهما عنه: المَنعُ، وهي اختِيارُ جُمهورِ أصحابِه، والأُخرى: الجَوازُ، حَكاها ابنُ أبي موسى، وهي اختِيارُ شَيخِنا … قالَ المُبيحونَ: صَحَّ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه كانَ لا يَرَى بَأْسًا أنْ يَقولَ: «أُعجِّلُ لَكَ وتَضَعُ عَنِّي»، وهو الذي رَوى أنَّ رَسولَ اللَّهِ لمَّا أمَرَ بإخراجِ بَني النَّضيرِ مِنْ المَدينةِ جاءَه ناسٌ مِنهم، فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّكَ أمَرتَ بإخراجِهم، ولَهم على النَّاسِ دُيونٌ لَم تَحِلَّ؟ فقالَ النَّبيُّ : «ضَعوا وتَعَجَّلوا» (١)، قالَ أبو عَبدِ اللَّهِ الحاكِمُ: هو صَحيحُ الإسنادِ.

قُلتُ: هو على شَرطِ السُّنَنِ، وقد ضَعَّفَه البَيهَقيُّ وإسنادُه ثِقاتٌ: وإنَّما ضُعِّفَ بمُسلِمِ بنِ خالِدٍ الزِّنجيِّ، وهو ثِقةٌ فَقيهٌ رَوى عنه الشافِعيُّ، واحتَجَّ به، وقالَ البَيهَقيُّ: بابُ مَنْ عجَّل له أدنَى مِنْ حَقِّه، قبلَ مَحِلِّه، فوَضَعَ عنه طَيِّبةً به أنْفُسُهما، وكَأنَّ مُرادَه أنَّ هذا وقَع بغيرِ شَرطٍ، بَلْ هذا عجَّل، وهذا وَضَعَ، ولا مَحذورَ في ذلك.

(١) رواه الطحاوي في «شرح المشكل» (١١/ ٥٦)، والدارقطني (٣/ ٤٦)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠٩٢٠)، والحاكم في «المستدرك» (٢٣٢٥).

قالوا: وهذا ضِدُّ الرِّبا، فإنَّ ذلك يَتضمَّنُ الزِّيادةَ في الأجَلِ والدَّينِ، وذلك إضرارٌ مَحضٌ بالغَريمِ، ومَسألَتُنا تَتضمَّنُ بَراءةَ ذِمَّةِ الغَريمِ مِنْ الدَّينِ، وانتِفاعَ صاحِبِه بما يَتعجَّلُه، فكِلاهُما حصَل له الِانتِفاعُ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ، بخِلافِ الرِّبا المُجمَعِ عليه؛ فإنَّ ضَرَرَه لاحِقٌ بالمَدِينِ، ونَفعَه مُختَصٌّ برَبِّ الدَّينِ، فهذا ضِدُّ الرِّبا صُورةً ومَعنًى.

قالوا: ولأنَّ مُقابَلةَ الأجَلِ بالزِّيادةِ في الرِّبا ذَريعةٌ إلى أعظَمِ الضَّرَرِ، وهو أنْ يَصيرَ الدِّرهَمُ الواحِدُ أُلوفًا مُؤلَّفةً، فتَشتَغِلَ الذِّمَّةُ بغيرِ فائِدةٍ، وفي الوَضعِ والتَّعجيلِ تَتخلَّصُ ذِمَّةُ هذا مِنْ الدَّينِ، ويَنتفِعُ ذاكَ بالتَّعجيلِ له.

قالوا: والشارِعُ له تَطلُّعٌ إلى بَراءةِ الذِّمَمِ مِنْ الدُّيونِ، وسَمَّى الغَريمَ المَدِينَ أسيرًا، ففي بَراءةِ ذِمَّتِه تَخليصٌ له مِنْ الأسْرِ، وهذا ضِدُّ شَغلِها بالزِّيادةِ مع الصَّبرِ، وهذا لازِمٌ لِمَنْ قالَ: يَجوزُ ذلك في دَينِ الكِتابةِ، وهو قَولُ أحمدَ وأبي حَنيفةَ؛ فإنَّ المَكاتَبَ مع سَيِّدِه كالأجنَبيِّ في بابِ المُعامَلاتِ، ولِهذا لا يَجوزُ أنْ يَبيعَه دِرهَمًا بدِرهَمَيْنِ، ولا أنْ يُبايِعَه بالرِّبا، فإذا جازَ له أنْ يَتعجَّلَ بَعضَ كِتابَتِه ويَضَعَ عنه بَقيَّتَها، لِما له في ذلك مِنْ مَصلَحةِ تَعجيلِ العِتقِ وبَراءةِ ذِمَّتِه مِنْ الدَّينِ، لَم يُمنَعْ ذلك في غيرِه مِنْ الدُّيونِ.

ولو ذهَب ذاهِبٌ إلى التَّفصيلِ في المَسألةِ وقالَ: لا يَجوزُ في دَينِ القَرضِ، إذا قُلنا بلُزومِ تَأجيلِه، ويَجوزُ في ثَمَنِ المَبيعِ والأُجرةِ وعِوَضِ الخُلعِ والصَّداقِ، لَكانَ له وَجْهٌ، فإنَّه في القَرضِ يَجِبُ رَدُّ المِثْلِ، فإذا عجَّل

له وأسقَطَ بَقيَّتَه خرَج عن مُوجِبِ العَقدِ، وكانَ قد أقرَضَه مِئةً، فوَفَّاه تِسعينَ بلا مَنفَعةٍ حَصَلتْ لِلمُقرِضِ، بَلِ اختَصَّ المُقتَرِضُ بالمَنفَعةِ، فهو كالمُرْبِي سَواءٌ في اختِصاصِه بالمَنفَعةِ دونَ الآخَرِ، وأمَّا في البَيعِ والإجارةِ فإنَّهما يَملِكانِ فَسخَ العَقدِ، وجَعْلَ العِوَضِ حالًّا أنقَص ممَّا كانَ، وهذا هو حَقيقةُ الوَضعِ والتَّعجيلِ، لكنْ تَحيَّلَا عليه، والِعبرةُ في العُقودِ بمَقاصِدِها لا بصُورِها، فإنْ كانَ الوَضعُ والتَّعجيلُ مَفسَدةً فالِاحتِيالُ عليه لا يُزيلُ مَفسَدَتَه، وإنْ لَم يَكُنْ مَفسَدةٌ لَم يَحتَجْ إلى الِاحتيالِ عليه.

فتَلَخَّصَ في المَسألةِ أربَعةُ مَذاهبَ:

المَنعُ مُطلَقًا بشَرطٍ وبِدونِه في دَينِ الكِتابةِ وغيرِه، كقَولِ مالِكٍ، وجَوازُه في دَينِ الكِتابةِ دونَ غيرِه، كالمَشهورِ مِنْ مَذهبِ أحمدَ وأبي حَنيفةَ، وجَوازُه في المَوضِعَيْنِ، كَقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه وأحمدَ في الرِّوايةِ الأُخرَى، وجَوازُه بلا شَرطٍ، وامتِناعُه مع الشَّرطِ المُقارِنِ، كقَولِ أصحابِ الشافِعيِّ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ -بعدَ أنْ ذكَر كِلَا القَولَيْنِ-: فقالَ قائِلٌ: أفَتجعَلونَ حَديثَ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه الذي ذَكَرتُموه في أوَّلِ هذا البابِ حُجَّةً لِمَنْ أجازَ المَعنَى المَذكورَ فيه على مَنْ كَرِهَه؟ فكانَ جَوابُنا له في ذلك: أنَّه لا حُجَّةَ فيه عندَنا لِمَنْ ذهَب إلى إطلاقِ ذلك على مَنْ ذهَب إلى كَراهَتِه؛ لأنَّه

(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٢، ١٤).

قد يَجوزُ أنْ يَكونَ كانَ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ما كانَ مِنه مِنْ ذلك قبلَ تَحريمِ اللَّهِ الرِّبا، ثم حرَّم الرِّبا بعدَ ذلك، فحُرِّمتْ أسبابُه، وهذه مَسألةٌ في الفِقهِ جَليلةُ المِقدارِ مِنه، يَجِبُ أنْ تُتأمَّلَ حتى يُوقَفَ على الوَجْهِ فيها إنْ شاءَ اللَّهُ ، وهي حَطيطةُ البَعضِ مِنْ الدَّينِ المُؤجَّلِ؛ لِيَكونَ سَبَبًا لِتَعجيلِ بَقيَّتِه، فكَرِهَ ذلك مَنْ كَرهَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنا، وأطلَقَه مَنْ سِواه مِمَّنْ وَصَفْنا، وكانَ الأصلُ في ذلك أنَّ الأمرَ لو جَرى في ذلك بينَ مَنْ هو له وبينَ مَنْ هو عليه بالوَضعِ والتَّعجيلِ على أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما مَشروطٌ في صاحِبِه، كانَ واضِحًا أنَّ ذلك لا يَجوزُ، وأنَّه كالرِّبا الذي جاءَ القُرآنُ بتَحريمِه، وبِوَعيدِ اللَّهِ عليه، وهو أنَّ الجاهِليَّةَ كانوا يَدفَعونَ إلى مَنْ لَهم عليهم الدَّينُ العاجِلُ ما يَدفَعونَه إلَيهم مِنْ أموالِهم حتى يُؤَخِّروا عنهم ذلك الدَّينَ العاجِلَ إلى أجَلٍ يَذكُرونَه في ذلك التَّأخيرِ، فهُم يَكونونَ بذلك مُشتَرينَ أجَلًا بمالٍ، فحرَّم اللَّهُ ذلك، وأوعَدَ عليه الوَعيدَ الذي جاءَ به القُرآنُ، فكانَ مِثلُ ذلك وَضعَ بَعضِ الدَّينِ المُؤجَّلِ لِتَعجيلِ بَقيَّتِه في أنَّه لا يَجوزُ ذلك؛ لأنَّه ابتياعُ التَّعجيلِ بما يُتعجَّلُ مِنه بإسقاطِ بَقيَّةِ الدَّينِ الذي سقَط مِنه، فهذا واضِحٌ أنَّه لا يَجوزُ، ومِمَّن كانَ يَذهَبُ إلى ذلك مِنْ أهلِ العِلمِ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ، كما حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ العَبَّاسِ حدَّثنا عَلِيُّ بنُ مَعبَدٍ أنبَأنا مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ حدَّثنا يَعقوبُ عن أبي حَنيفةَ بما ذَكَرْنا، ولَم يَحْكِ بينَهم في ذلك خِلافًا، وكما حدَّثنا يُونُسُ أنبَأنا

ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ بهذا المَعنَى أيضًا، ومِمَّن كانَ يَذهَبُ إلى خِلافِ ذلك زُفَرُ بنُ الهُذَيلِ كما حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ العَبَّاسِ حدَّثنا يَحيَى بنُ سُلَيمانَ الجُعفيُّ حَدَّثنا الحَسَنُ بنُ زِيادٍ قالَ: قالَ زُفَرُ في رَجُلٍ له على رَجُلٍ ألْفُ دِرهَمٍ إلى سَنةٍ مِنْ ثَمَنِ مَتاعٍ، أو ضَمانٍ، فصالَحَه مِنها على خَمسِمِئةٍ نَقدًا، إنَّ ذلك جائِزٌ، وقد كانَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه قد أجازَ ذلك مَرَّةً كما ذكَره لَنا المُزنيُّ عنه قالَ: ولو عجَّل المُكاتَبُ لِمَولاه بَعضَ الكِتابةِ على أنْ يُبرِئَه مِنْ الباقي لَم يَجُزْ، ورَدَّ عليه ما أخَذ، ولَم يُعتَقْ؛ لأنَّه أبرَأه ممَّا لَم يُبرَأْ مِنه. قالَ المُزَنيُّ: قد قالَ في هذا المَوضِعِ: ضَعْ وتَعجَّلْ لا يَجوزُ، وأجازَه في الدَّيْنِ.

قالَ أبو جَعفَرٍ: وأمَّا إذا كانَ ذلك الوَضْعُ والتَّعجيلُ ليسَ واحِدٌ مِنهما مَشروطًا في صاحِبِه، ولكنَّه على وَضْعٍ مَرجُوٍّ به التَّعجيلُ لِبَقيَّةِ الدَّينِ، فذلك بخِلافِ البابِ الأوَّلِ، ولا يَجوزُ في المَعقولِ إبطالُه بالحُكمِ، ولكنَّه مَكروهٌ غيرُ مَحكومٍ بإبطالِه، كما يُكرَهُ القَرضُ الذي يَجُرُّ مَنفَعةً ولا يُحكَمُ بإبطالِه لِذلك، فهذا وَجْهُ هذا البابِ بإيقاعِ الصُّلحِ على اشتِراطِ التَّعجيلِ في الوَضعِ، وفي الوَضعِ المَرجُوِّ به تَعجيلُ بَقيَّةِ الدَّينِ بغيرِ اشتِراطٍ له في ذلك الوَضعِ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ (١).

(١) «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٦٣، ٦٥)، ويُنظر: «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٥٢)، و «القوانين الفقهية» (١/ ١٦٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٨)، و «الإقناع» للشربيني (٢/ ٣٠٧)، و «فتاوى السبكي» (١/ ٣٤٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 189 - 199

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل