حكم الهدية للمقرض

الإسلام > المعاملات المالية > حكم الهدية للمقرض

مسائلُ فقهيةٌ في حكم الهدية للمقرض على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

تعريف حكم الهدية للمقرض وحكمها

حُكمُ الهَديَّةِ لِلمُقرِضِ:

لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ المُقرِضَ لو شرَط على المُقترِضِ هَديَّةً فإنَّه حَرامٌ ورِبًا ولا يَحِلُّ له أخذُها.

قال الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ المُسلِفَ إذا شَرَط عندَ السَّلفِ هَديَّةً أو زيادةً فأسلَفَه على ذلك فأخْذُه الزِّيادةَ على ذلك رِبًا (١).

ثم اختَلَفوا فيما لو أهدى له مِنْ غيرِ شَرطٍ.

فقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ: لا بأسَ بهَديَّةِ المُستقرِضِ لِلمُقرِضِ مِنْ غيرِ شَرطٍ، ولكنَّ الأفضَلَ التَّنزُّهُ والتَّورُّعُ عنها إنْ عَلِمَ أنَّه إنَّما يُعطيه لِأجْلِ القَرضِ.

قال الحَنفيَّةُ: لا بأسَ بهَديَّةِ مَنْ عليه القَرضُ لِمُقرِضِه، لكنَّ الأفضَلَ أنْ يَتورَّعَ المُقرِضُ عن قَبولِ هَديَّتِه إذا عَلِمَ أنَّه إنَّما يُعطيه لِأجْلِ القَرضِ، أمَّا إذا عَلِمَ أنَّه لَم يُعطِه لِأجْلِ القَرضِ، بل لِقَرابةٍ أو صَداقةٍ بينَهما، لا يَتورَّعُ عن القَبولِ، وكذا لو كان المُستقرِضُ مَعروفًا بالجُودِ والسَّخاءِ، فإنْ لَم يَكُنْ شَيءٌ مِنْ ذلك فالحالةُ حالةُ الإشكالِ، فيَتورَّعُ عنه حتى يَتبيَّنَ أنَّه لَم يُهْدِ لِأجْلِ الدَّينِ.

لكنْ قال ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: ويَجبُ أنْ تَكونَ هَديَّةُ المُستقرِضِ لِلمُقرِضِ كالهَديَّةِ لِلقاضي إنْ كان المُستقرِضُ له عادةٌ قبلَ استِقراضِه

(١) «الإجماع» رقم (٥٠٨)، و «الإشراف» (٦/ ١٤٢)، ويُنظر: «الإقناع» (٣/ ١٦٧٢) رقم (٣٢٧٠).

فأهدى إلى المُقرِضِ فللمُقرِضِ أنْ يَقبَلَ منه قَدْرَ ما كان يُهديه بلا زيادةٍ. اه.

قال ابنُ نُجَيمٍ رحمة الله عليه: وهو سَهوٌ، والمَنقولُ -كما قَدَّمناه في آخِرِ الحَوالةِ- أنَّه يَحِلُّ حيثُ لَم يَكُنْ مَشروطًا مُطلَقًا (١).

قال الشافِعيَّةُ: ولا كَراهةَ في قَبولِ هَديَّةِ المُستقرِضِ بغَيرِ شَرطٍ، قال الماوَرديُّ والرُّويانيُّ: والتَّنزُّه عنه أوْلى قبلَ رَدِّ البَدَلِ، وأمَّا ما رَواه البُخاريُّ وغَيرُه مما يَدلُّ على الحُرمةِ فبَعضُه شُرِطَ فيه أجَلٌ، وبَعضُه مَحمولٌ على اشتِراطِ الهَديَّةِ في العَقدِ (٢).

وقال المالِكيَّةُ: يَحرُمُ على المَدينِ -سَواءٌ مِنْ بَيعٍ أو سَلَمٍ أو قَرضٍ- أنْ يُهديَ لِصاحِبِ الدَّينِ هَديَّةً، ويَحرُمُ على صاحِبِ الدَّينِ قَبولُها؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى التأخيرِ بزيادةٍ، ثم إنْ كانت قائِمةً وجَب رَدُّها، وإنْ فاتَتْ بمُفوِّتِ البَيعِ الفاسِدِ وَجَب رَدُّ مِثلِها إنْ كانتْ مِثليَّةً، وقيمَتِها يَومَ دَخَلتْ في ضَمانِه إنْ كانتْ مُقوَّمةً، إلا أنْ يَتقدَّمَ مِثلُ الهَديَّةِ بينَهما قبلَ المُدايَنةِ، وعَلِمَ أنَّها ليست لِأجْلِ الدَّينِ فإنَّها لا تَحرُمُ حينَئذٍ حالةَ المُدايَنةِ، وإلا بأنْ يَحدُثَ مُوجِبُ الهَديَّةِ بعدَ المُدايَنةِ مِنْ صَهارةٍ ونَحوِها -كفَرَحٍ أو مَوتِ أحَدٍ عندَه أو سَفَرٍ ونَحوِ ذلك- فإنَّها لا تَحرُمُ.

(١) «البحر الرائق» (٦/ ٣٥٠)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٧٢)، و «المحيط الرباني» (٧/ ٢٨٥)، و «ابن عابدين» (٥/ ٣٧٤).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٤)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٦٤)، و «أسنى المطالب» (٢/ ١٤٤)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٢٨٤)، و «الديباج» (٢/ ١٧١).

وهَديَّةُ رَبِّ القَرضِ لِلعامِلِ حَرامٌ؛ لِئلَّا يَقصِدَ بذلك أنْ يَستديمَ العَمَلَ فيَصيرَ سَلَفًا جَرَّ مَنفَعةً، وكذلك يَحرُمُ هَديَّةُ العامِلِ لِرَبِّ المالِ ولو بعدَ شُغلِ المالِ، أمَّا قبلَ الشُّغلِ فبلا خِلافٍ؛ لأنَّ لِرَبِّ المالِ أخْذَه منه فيُتَّهَمُ بأنَّه إنَّما أهدى إليه لِيَبقى المالُ بيَدِه، وأمَّا بعدَ شُغلِ المالِ فعلى المَشهورَ، وقيلَ: تَجوزُ، وهُما مَبنيَّانِ على اعتِبارِ الحالِ، فتَجوزُ لِعَدَمِ قُدرةِ رَبِّ المالِ على انتِزاعِه منه حينَئذٍ، أو على اعتِبارِ المآلِ، وهو أنْ يَترقَّبَ مِنْ رَبِّ المالِ بعدَ نُضوضِ هذا المالِ أنْ يُعامِلَه مَرَّةً أُخرى لِأجْلِ هَديَّتِه له.

ولا يَجوزُ لِذي الجاهِ أخذُ مالٍ على جاهِه إنْ لَم يَتقدَّمْ مِثلُها أو يَحدُثْ مُوجِبٌ، وكذلك لا يَجوزُ لِلقاضي أخْذُ هدايا الناسِ بحَيثُ يُتوصَّلُ بالهَديَّةِ له إلى أمْرٍ مَمنوعٍ، أو إلى أمْرٍ يَجبُ على ذي الجاهِ دَفعُه عن المُهدي بلا تَعَبٍ ولا حَرَكةٍ، وأمَّا كَونُه يَتوصَّلُ بذلك إلى أنْ يَذهَبَ به في قَضاءِ مَصالِحِه إلى نَحوِ ظالِمٍ أو سَفَرٍ لِمَكانٍ فيَجوزُ كالهَديَّةِ له لا لِحاجةٍ، وإنَّما هي لِمَحبَّةٍ أو اكتِسابِ جاهٍ.

ويَجوزُ لِمَنْ حَبَسه السُّلطانُ أو غَيرُه ظُلمًا أنْ يَبذُلَ مالًا لِمَنْ يَتكلَّمُ في خَلاصِه بجاهِهِ أو غَيرِه، وهي على هذا جائِزةٌ لِلدافِعِ، حَرامٌ لِلآخِذِ؛ لأنَّ تَخليصَ المَظلومِ واجِبٌ على كلِّ مَنْ قَدَرَ عليه.

إلا أنْ يَتقدَّمَ لِمَنْ أهدى لِمَنْ ذُكِرَ -هو المُقرِضُ ورَبُّ القِراضِ وعامِلُه والقاضي وذو الجاهِ- هَديَّةٌ مِثلُها، أو يَحدُثَ لِمَنْ ذُكِرَ مُوجِبٌ يَقتَضي الإهداءَ له عادةً، كفَرَحٍ أو مَوتِ أحَدٍ عندَه أو سَفَرٍ ونَحوِ ذلك، وكان الإهداءُ لِذلك، لا لِلدَّينِ فيَجوزُ.

وكما تَحرُمُ الهَديَّةُ يَحرُمُ مُبايَعةُ المَدينِ وذي الجاهِ والقاضي لِرَبِّ الدَّينِ مُسامحةً -أي: بغَبنٍ بغَيرِ ثَمَنِ المِثليِّ- لِذلك، لا لِأجْلِ وَجْهِ اللهِ ، أو لِأجْلِ أمْرٍ اقتَضى ذلك، وسَواءٌ كان قبلَ الأجَلِ، أو بعدَه، وحَيثُ لا مُسامَحةَ لا تَحريمَ، فيَحتمِلُ الجَوازَ والكَراهةَ، وهُما قَولانِ (١).

وقال الحَنابِلةُ: إنْ أهدى المُقرِضُ لِلمُقترِضِ مِنْ غيرِ شَرطٍ قبلَ الوَفاءِ لَم يَقبَلْه ولَم يَجُزْ قَبولُه إلا أنْ يُكافِئَه، أو يَحسُبَه مِنْ دَينِه، إلا أنْ يَكونَ شَيئًا جَرَتِ العادةُ به بينَهما قبلَ القَرضِ؛ لِما رَوَى الأثرَمُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَجعَل يُهْدِي إِلَيْهِ السَّمَكَ وَيُقَوِّمُهُ، حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقَالَ: «أَعْطِهِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ» (٢).

وعنِ ابنِ سِيرينَ أَنَّ عُمرَ رضي الله عنه أَسْلَفَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنه عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فأَهْدَى إِلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ ثَمَرَةِ أَرْضِهِ، فرَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، فأَتَاهُ أُبَيٌّ فقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَةً، وَأنَّه لا حَاجَةَ لَنَا، فبِمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنَا؟ ثُمَّ أَهْدَى إِلَيْهِ بعدَ ذَلِكَ فَقَبِلَ.

قال ابنُ القَيِّمِ: فكان رَدُّ عُمرَ رضي الله عنه لمَّا تَوهَّمَ أنْ تَكونَ هَديَّتُه بسَبَبِ

(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٧١، ٧٢)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٦١، ٣٦٣)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٦٠٨، ٦٠٩)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣٠، ٢٣١)، و «حاشية الصاوي» (٧/ ١٨٤).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي (١٠٧١٣).

القَرضِ، فلَمَّا تَيقَّنَ أنَّها ليستْ بسَبَبِ القَرضِ قَبِلَها، وهذا فَصلُ النِّزاعِ في مَسألةِ هَديَّةِ المُقترِضِ (١).

وعن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ رضي الله عنه قال: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إِلَى الْعِرَاقِ، فقَال: إِنَّكَ تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا، فإِنْ أَقْرَضْتَ رَجُلًا قَرْضًا فَأَتَاكَ بِقَرْضِكَ وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ فاقْبِضْ قَرْضَكَ وَارْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ. رَواهُما الأثرَمُ.

ورَوى البُخاريُّ عن أبي بُردةَ رضي الله عنه قال: أتَيْتُ الْمدِينَةَ فلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ رضي الله عنه، فقال: ألَا تَجِيءُ فأُطْعِمَكَ سَوِيقًا وتَمْرًا وتَدْخُلَ في بَيْتٍ، ثمَّ قال: إِنَّكَ بِأرْضٍ الرِّبا بها فاشٍ، إذا كان لَكَ على رَجُلٍ حَقٌّ فأَهْدَى إِليْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أو حِمْلَ شَعِيرٍ أو حِمْلَ قَتٍّ فلا تأْخُذْهُ؛ فإنَّه رِبًا (٢).

قال ابنُ أبي موسى رحمة الله عليه: ولو أقرَضَه قَرضًا ثم استَعمَلَه عَمَلًا لَم يَكُنْ لِيَستَعمِلَه مِثلَه قبلَ القَرضِ، كان قَرضًا جَرَّ مَنفَعةً.

ولو استَضافَ غَريمَه ولَم تَكُنِ العادةُ جَرَتْ بينَهما بذلك حَسَبَ له ما أكَلَه؛ لِما رَوى ابنُ ماجَه في «سُنَنِه» عن أنَسٍ قال: قال رَسولُ اللهِ : «إذا أَقْرَضَ أحَدُكم قَرْضًا فأُهديَ له أو حَمَلَهُ على الدَّابَّةِ فلا يَرْكَبْهَا ولا يَقْبَلْهُ، إلا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قبلَ ذلك» (٣)، فنَهى

(١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ٢٦٩).
(٢) رواه البخاري (٣٦٠٣).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٤٣٢).

مسائل حكم الهدية للمقرض الفقهية

ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 2 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 4 / 29.5
الإضاءة 17%
البدر بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله