ما يجب بيانه في المرابحة وأخواتها وما لا يجب

الإسلام > المعاملات المالية > شرط جواز المرابحة وكذا التولية والإشراك والوضيعة > ما يجب بيانه في المرابحة وأخواتها وما لا يجب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 42 دقيقة قراءة

ما يجب بيانه في المرابحة وأخواتها وما لا يجب - الأقوال والأدلة

لأنَّه تَغريرٌ بالمُشتَري؛ فإنَّه عَسَى أنْ لو عَلِمَ أنَّ بَعضَ ما تَحلَّتْ به لِأجْلِ الصِّناعةِ لا يَرغَبُ فيه؛ لعَدمِ رَغبَتِه في ذلك، فأشبَهَ ما يَنقُصُه الحَيَوانُ في مُؤنَتِه وكِسوَتِه، وعلى المُبتاعِ في خَزنِه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُحتمَلُ أنْ يَجوزَ فيما استَأجَرَ عليه أنْ يَضُمَّ الأُجرةَ إلى الثَّمنِ ويَقولَ: تَحصَّلتْ علَيَّ بكذا؛ لأنَّه صادِقٌ، وبه قالَ الشَّعبيُّ والحَكَمُ والشافِعيُّ.

فأمَّا الأدويةُ والمُؤنةُ والكِسوةُ وعَمَلُه في السِّلعةِ بنَفْسِه أو عَمَلِ غيرِه له بغيرِ أجْرِه، فإنَّه لا يُخبِرُ بذلك في الثَّمنِ وَجهًا واحِدًا، وإنْ أخبَرَ بالحالِ على وَجْهِه فحَسَنٌ (١).

ما يَجِبُ بَيانُه في المُرابَحةِ وأخَواتِها وما لا يَجِبُ:

وأمَّا بَيانُ ما يَجِبُ بَيانُه في المُرابَحةِ وما لا يَجِبُ فالأصلُ فيه أنَّ بَيعَ المُرابَحةِ والتَّوليةِ بَيعُ أمانةٍ؛ لأنَّ المُشتَريَ ائتَمَنَ البائِعَ في إخبارِه عن الثَّمنِ الأوَّلِ مِنْ غيرِ بَيِّنةٍ ولا استِحلافٍ فتَجِبُ صيانَتُها عن الخيانةِ وعَن سَبَبِ الخيانةِ والتُّهمةِ؛ لأنَّ التَّحرُّزَ عن ذلك كُلِّه واجِبٌ ما أمكَنَ، قالَ اللَّهُ وعَزَّ شَأنُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)[الأنفال: ٢٧]، وقالَ النَّبيُّ : «مَنْ غَشَّنا فليسَ مِنَّا» (٢)، والِاحتِرازُ عن الخيانةِ وعن شُبهةِ الخيانةِ والتُّهمةِ إنَّما

(١) «المغني» (٤/ ١٣١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٧٠، ٢٧١).
(٢) رواه مسلم (١٠١).

يَحصُلُ ببَيانِ ما يَجِبُ بَيانُه، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ ما يَجِبُ بَيانُه وما لا يَجِبُ، فهو على التَّفصيلِ الآتي:

قالَ الحَنفيَّةُ:

١ - إذا حدَث بالسِّلعةِ عَيبٌ في يَدِ البائِعِ أو في يَدِ المُشتَري فأرادَ أنْ يَبيعَها مُرابَحةً يُنظَرُ إنْ حدَث بفِعلِه أو بفِعلِ أجنَبيٍّ لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ بالإجماعِ.

وَإنْ حدَث بآفةٍ سَماويَّةٍ فله أنْ يَبيعَها مُرابَحةً بجَميعِ الثَّمنِ مِنْ غيرِ بَيانٍ.

٢ - لو حدَث مِنْ المَبيعِ زيادةٌ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ والصُّوفِ واللَّبَنِ والعَقرِ، لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ المُتولِّدةَ مِنْ المَبيعِ مَبيعةٌ حتى تَمنَعَ الرَّدَّ بالعَيبِ، وإن لَم يَكُنْ لَها حِصَّةٌ مِنْ الثَّمنِ لِلحالِ، فهذا حَبَسَ بَعضَ المَبيعِ وباعَ البَقيَّةَ، فلا يَجوزُ مِنْ غيرِ بَيانٍ.

وكذا لو هلَك بفِعلِه أو بفِعلِ أجنَبيٍّ ووجَب الأرشُ؛ لأنَّه صارَ مَبيعًا مَقصودًا يُقابِلُه الثَّمنُ.

ولو هلَك بآفةٍ سَماويَّةٍ فله أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ.

ولو استَغَلَّ الوَلَدَ والأرضَ جازَ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّ الزِّيادةَ التي ليسَتْ مُتولِّدةً مِنْ المَبيعِ لا تَكونُ مَبيعةً بالإجماعِ، ولِهذا لا يَمنَعُ الرَّدَّ بالعَيبِ، فلَم يَكُنْ ببَيعِ الدَّارِ أو الأرضِ حابِسًا جُزءًا مِنْ المَبيعِ، فكانَ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ.

ولو اشتَرَى شَيئًا نَسيئةً لَم يَبِعْه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ؛ لأنَّ لِلأجَلِ شُبهةَ المَبيعِ، وإنْ لَم يَكُنْ مَبيعًا حَقيقةً؛ لأنَّه مَرغوبٌ فيه، ألَا تَرَى أنَّ الثَّمنَ قد يُزادُ لِمَكانِ الأجَلِ؟ فكانَ له شُبهةٌ أنْ يُقابِلَه شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ فيَصيرَ كأنَّه اشتَرَى شَيئَيْنِ ثم باعَ أحَدَهما مُرابَحةً على ثَمَنِ الكُلِّ؛ لأنَّ الشُّبهةَ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ في هذا البابِ، فيَجِبُ التَّحرُّزُ عنها بالبَيانِ.

ولو اشتَرَى مِنْ إنسانٍ شَيئًا بدَيْنٍ له عليه فله أنْ يَبيعَه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ، ولو أخَذ شَيئًا صُلحًا مِنْ دَيْنٍ له على إنسانٍ لا يَبيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ.

ولو اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةِ دَراهِمَ، ورَقَمَه اثنَيْ عشَرَ، فباعَه مُرابَحةً على الرَّقمِ مِنْ غيرِ بَيانٍ، جازَ إذا كانَ الرَّقمُ مَعلومًا، والرِّبحُ مَعلومًا، ولا يَكونُ خيانةً؛ لأنَّه صادِقٌ، لكنْ لا يَقُلِ: اشتَرَيتُه بكذا؛ لأنَّه يَكونُ كاذِبًا فيه.

ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنَّ المُشتَريَ إذا كانَ لا يَعلَمُ عادةَ التُّجَّارِ وعندَه أنَّ الرَّقمَ هو الثَّمنُ، لَم يَبِعْه مُرابَحةً على ذلك مِنْ غيرِ بَيانٍ.

وكذلك لو وَرِثَ مالًا فرَقَمَه ثم باعَه مُرابَحةً على رَقمِه يَجوزُ؛ لِمَا قُلنا.

ولو اشتَرَى شَيئًا ثم باعَه برِبحٍ ثم اشتَراه فأرادَ أنْ يَبيعَه مُرابَحةً فإنَّه يَطرَحُ كُلَّ رِبحٍ كانَ قبلَ ذلك فيَبيعُه مُرابَحةً على ما يَبقَى مِنْ رَأسِ المالِ بعدَ الطَّرحِ، فإنْ لَم يَبقَ مِنه شَيءٌ بأنِ استَغرَقَ الرِّبحُ الثَّمنَ لَم يَبِعْه مُرابَحةً، وهذا عندَ أبي حَنيفةَ.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَبيعُه مُرابَحةً على الثَّمنِ الأخيرِ مِنْ غيرِ بَيانٍ، ولا عِبرةَ بالعُقودِ المُتقدِّمةِ، رَبِحَ فيها أو خسِر.

وبَيانُ ذلك إذا اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ فباعَه بخَمسةَ عشَرَ ثم اشتَراه بعَشَرةٍ فإنَّه يَبيعُه مُرابَحةً على خَمسةٍ عندَه، وعندَهما على عَشَرةٍ، ولو باعَه بعِشرينَ، ثم اشتَراه بعَشَرةٍ لَم يَبِعْه مُرابَحةً أصلًا، وعندَهما يَبيعُه مُرابَحةً على عَشَرةٍ.

وَجْهُ قَولِهما: أنَّ العُقودَ المُتقدِّمةَ لا عِبرةَ بها؛ لأنَّها ذَهَبتْ وتَلاشَتْ بنَفْسِها وحُكمِها؛ فأمَّا العَقدُ الأخيرُ فحُكمُه قائِمٌ، وهو المِلْكُ، فكانَ هذا المُعتبَرَ، ويَبيعُه مُرابَحةً على الثَّمنِ الأخيرِ.

ولِأبي حَنيفةَ أنَّ الشِّراءَ الأخيرَ كما أوجَبَ مِلْكَ الثَّوبِ، فقد أكَّدَ الرِّبحَ وهو خَمسةٌ؛ لأنَّه كانَ يَحتمِلُ البُطلانَ بالرَّدِّ بالعَيبِ أو بغيرِه مِنْ أسبابِ الفَسخِ، فإذا اشتَرَى فقد خرَج عن احتِمالِ البُطلانِ، فتَأكَّدَ، ولِلتَّأكُّدِ شُبهةُ الإثباتِ، فكانَ مُشتَريًا لِلثَّوبِ وخَمسةِ الرِّبحِ بعَشَرةٍ مِنْ وَجْهٍ، فكانَ فيه شُبهةُ أنَّه اشتَرَى شَيئَيْنِ ثم باعَ أحَدَهما مُرابَحةً على ثَمَنِ الكُلِّ، وذا لا يَجوزُ مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّ الشُّبهةَ في هذا البابِ لَها حُكمُ الحَقيقةِ، ألَا تَرَى أنَّه لو اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ نَسيئةً ثم أرادَ أنْ يَبيعَه مُرابَحةً على عَشَرةٍ نَقدًا لَم يَبِعْه مُرابَحةً مِنْ غيرِ بَيانٍ، احتِرازًا عن الشُّبهةِ؛ لأنَّ لِلأجَلِ شُبهةَ أنْ يُقابِلَه الثَّمنُ، على ما مَرَّ، فوجَب التَّحرُّزُ عنه بالبَيانِ، كذا هذا، فإذا باعَه بعِشرينَ ثم اشتَراه بعَشَرةٍ صارَ كأنَّه اشتَرَى ثَوبًا وعَشَرةً بعَشَرةٍ، ويَكونُ العَشَرةُ بالعَشَرةِ، ويَبقَى الثَّوبُ خاليًا عن العِوَضِ في عَقدِ المُعاوَضةِ فيَتمكَّنُ فيه شُبهةُ الرِّبا، فلَم يَبِعْه مُرابَحةً.

ولو اشتَرَى مِمَّنْ لا تَجوزُ شَهادَتُه له كالوالِدَيْنِ والمَولودينَ والزَّوجِ والزَّوجةِ لَم يَجُزْ له أنْ يَبيعَه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ تُهمةَ المُسامَحةِ في الشِّراءِ الأوَّلِ قائِمةٌ؛ لأنَّ الناسَ في العاداتِ لا يُماكِسونَ في الشِّراءِ مِنْ هؤلاء، فكانَتِ التُّهمةُ -وهي الشِّراءُ بزيادةِ الثَّمنِ- قائِمةً، فلا بدَّ مِنْ البَيانِ؛ ولأنَّ لِلشِّراءِ مِنْ هؤلاء شُبهةَ عَدَمِ الصِّحَّةِ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يَبيعُ بمالِ صاحِبِه عادةً، ولِهذا لا تُقبَلُ شَهادةُ أحَدِهما لِصاحِبِه؛ لِكَونِها شَهادةً لِنَفْسِه مِنْ وَجْهٍ، فكانَ مالُ كلِّ واحِدٍ منهما بعدَ البَيعِ والشِّراءِ قائِمًا مَعنًى، فكانَ لِهذا الشِّراءِ شُبهةُ عَدَمِ الصِّحَّةِ، والشُّبهةُ في هذا البابِ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ، فتُؤثِّرُ في المُرابَحةِ.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: له ذلك مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّه لا خَلَلَ في الشِّراءِ الأوَّلِ؛ لأنَّ مِلكَ كلِّ واحِدٍ منهما مُمتازٌ عن مِلكِ صاحِبِه، مُنفصِلٌ عنه، فصَحَّ الشِّراءُ الأوَّلُ، فلا يَجِبُ البَيانُ، كما إذا اشتَرَى مِنْ الأجنَبيِّ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: يَجِبُ على البائِعِ عندَ العَقدِ ما يَلي:

١ - تَبيينُ ما يَكرَهُ المُشتَري في ذاتِ المَبيعِ، كأنْ يَكونَ الثَّوبُ مُحرِقًا، أو الحَيَوانُ مَقطوعَ العُضوِ، أو في صِفَتِه، ككَونِ العَبدِ يَأبَقُ أو يَسرِقُ، وهذا ليسَ خاصًّا بالمُرابَحةِ، بَلْ هو كذلك في كلِّ بَيعٍ.

٢ - وتَبيينُ ما نقَده وعقَده، أي: عقَد عليه إنِ اختلَف النَّقدُ والعَقدُ؛ فقد يُعقَدُ على دَنانيرَ ويَنقُدُ عنها دَراهِمَ أو عَرضًا، فإذا اشتَرَى بذَهَبٍ ونَقدَ فِضَّةً

(١) «البدائع» (٥/ ٢٢٣، ٢٢٤).

أو بالعَكسِ أو أحَدَهما ونقَد عَرضًا أو عَكسَه وباعَ مُرابَحةً على ما عقَد، وجَب بَيانُ ما نقَده، فلا يَبِعْ على ما نقَد حتى يُبيِّنَ، وإنْ باعَ على ما نقَد فلا بدَّ مِنْ بَيانِ ما نقَد، وأمَّا إنْ نقَد ما عقَد عليه فلا يَحتاجُ لِبَيانٍ، فإنْ لَم يُبَيِّنْ فإنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا خُيِّرَ المُشتَري بينَ رَدِّه وبينَ التَّمسُّكِ به بما نقَده، وهو مِنْ الثَّمنِ، وإنْ فاتَ المَبيعُ عندَ المُشتَري لزِمه الأقَلُّ ممَّا عقَد عليه البائِعُ وما نقَده.

٣ - تَبيينُ الأجَلِ الذي اشتَراه إليه، أو الذي اتَّفَقا عليه بعدَ العَقدِ؛ لأنَّ الأجَلَ يَقِلُّ ويَكثُرُ، ولا بدَّ مِنْ بَيانِ قَدْرِه؛ لأنَّ له حِصَّةً مِنْ الثَّمنِ، فإنْ ترَك بَيانَ الأجَلِ كانَ غِشًّا، فيُخَيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والإمضاءِ بما دَفَعَه مِنْ الثَّمنِ مع قيامِ السِّلعةِ، وأمَّا مع فَواتِها فيَلزَمُه الأقَلُّ مِنْ القيمةِ والثَّمنِ الذي اشتَراها به.

٤ - وتَبيينُ طُولِ زَمانِ مُكثِ المَبيعِ عندَه ولو عَقارًا؛ لأنَّ الناسَ يَرغَبونَ في الذي لَم يَتقادَمْ عَهدُه في أيديهم، وأمَّا لو مَكَثَ عندَه مُدَّةً يَسيرةً وأرادَ البَيعَ مُرابَحةً فلا يَجِبُ البَيانُ، فإنْ مَكَثَ عندَه كَثيرًا وباعَ مُرابَحةً ولَم يُبيِّنْ، كانَ غاشًّا فيُخيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والتَّماسُكِ بجَميعِ الثَّمنِ إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا، فإنْ فاتَ لزِمه الأقَلُّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ.

٥ - تَبيينُ التَّجاوُزِ عن زَيفٍ أو نَقصٍ مِنْ الثَّمنِ، أي: رِضا بائِعِه بما وجَده في الثَّمنِ مِنْ ذلك، فمَن باعَ مُرابَحةً وجَب عليه أنْ يُبيِّنَ ما تَجاوَزَ عنه مِنْ الزائِفِ أو الرَّدئِ عندَ العَقدِ، وما حُطَّ عنه مِنْ الثَّمنِ، أو مُسامَحةِ البائِعِ

فيه إذا كانَتِ الحَطيطةُ ممَّا يُشبِهُ حَطيطةَ البَيعِ، فإنْ لَم يُبيِّنْ فكَذَبَ فإنْ كانَتِ السِّلعةُ قائِمةً فإنَّ البَيعَ يَلزَمُ إنْ حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري الزَّائِدَ ورِبْحَه، فإنْ لَم يَحُطَّ عنه خُيِّرَ المُشتَري في الرَّدِّ والإمضاءِ بما دَفَعَه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ فاتَتِ السِّلعةُ خُيِّرَ المُشتَري في دَفعِ الثَّمنِ الصَّحيحِ أو القِيمةِ ما لَم تَزِدْ على الكَذِبِ.

٦ - ووجَب بَيانُ هِبةٍ لِبَعضِ الثَّمنِ إنِ اعتيدَتْ بينَ الناسِ، بأنْ تُشبِهَ عَطيةَ الناسِ، فإنْ لَم تُعتَدْ أو وهَب له جَميعَ الثَّمنِ قبلَ النَّقدِ أو بعدَه لَم يَجِبِ البَيانُ، فإنْ ترَك البَيانَ فكَذَبَ فإنْ كانَتْ قائِمةً وحَطَّ البائِعُ عن المُشتَري ما وهَب له مِنْ الثَّمنِ ورِبْحَه، لزِم البَيعُ، فإنْ فاتَتْ عندَ المُشتَري خُيِّرَ في دَفعِ القيمةِ أو الثَّمنِ الصَّحيحِ ورِبحِه ما لَم تَزِدِ القيمةُ على الكَذِبِ ورِبحِه.

٧ - تَبيينُ أنَّها ليسَتْ بَلَديَّةً إنْ كانَتِ الرَّغبةُ في البَلَديَّةِ أكثَرَ، وكذا عَكسُه إنْ كانَتِ الرَّغبةُ في غيرِها أكثَرَ، أو أنَّها مِنْ التَّرِكةِ، فلا بدَّ مِنْ بَيانِ كَونِها مِنْ سِلَعِ المِيراثِ؛ لأنَّ الناسَ كَثيرًا ما يَمتنِعونَ مِنْ الشِّراءِ في مِثلِ ذلك؛ فإنْ ذكَر لِلمُشتَري ودخَل عليه فلا كَلامَ، وإنْ لَم يُبيِّنْه كانَ غِشًّا فيُخيَّرُ المُشتَري بينَ الرَّدِّ والتَّماسُكِ بما نقَد مِنْ الثَّمنِ إنْ كانَ المَبيعُ قائِمًا، فإنْ فاتَ لزِمه بالأقَلِّ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ.

٨ - تَبيينُ الرُّكوبِ وتَبيينُ اللُّبسِ، بأنْ يُبيِّنَ أنَّه رَكِبَ الدَّابَّةَ ولَبِسَ الثَّوبَ إذا كانا مُنقَصَيْنِ؛ فإنْ ترَك بَيانَ الرُّكوبِ واللُّبسِ كانَ كَذِبًا (١).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٢٦٥، ٢٧١)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٦٠، ٦٦٢)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٧٦، ١٧٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٧/ ٥٧، ٥٩)، و «منح الجليل» (٥/ ٣٧٠، ٣٧٢).

وقالَ الشافِعيَّةُ: يَجِبُ على البائِعِ ما يَلي:

١ - أنْ يَصدُقَ البائِعُ في قَدْرِ الثَّمنِ الذي استَقَرَّ عليه العَقدُ، أو ما قامَ به المَبيعُ عليه فيما إذا أخبَرَ بذلك في بَيعِ المُرابَحةِ وفي صِفَتِه، كصِحَّةٍ وتَكسُّرٍ وخُلوصٍ وغِشٍّ.

٢ - أنْ يَصدُقَ في الأجَلِ؛ لأنَّ بَيعَ المُرابَحةِ مَبنيٌّ على الأمانةِ؛ لِاعتِمادِ المُشتَري نَظَرَ البائِعِ ورِضاه لِنَفْسِه ما رَضيَه البائِعُ مع زيادةٍ أوسَطَ، ولأنَّ الأجَلَ يُقابِلُه قِسطٌ مِنْ الثَّمنِ.

ولو واطَأ صاحِبُه فباعَه ما اشتَراه بعَشَرةٍ ثم اشتَراه مِنه بعِشرينَ لِيُخبِرَ به في المُرابَحةِ كُرِهَ ويثبُتُ الخيارُ.

ولو اشتَرَى شَيئًا بمِئةٍ ثم خرَج عن مِلكِه واشتَراه بخَمسينَ، وجَب الإخبارُ بالخَمسينَ.

٣ - ويَجِبُ أنْ يَصدُقَ في الشِّراءِ بالعَرضِ، فيَذكُرَ أنَّه اشتَراه بعَرضٍ قيمَتُه كذا، ولا يَقتصِرَ على ذِكرِ القيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ بالعَرضِ يُشدِّدُ فَوقَ ما يُشدِّدُ البائِعُ بالنَّقدِ، وسَواءٌ في ذلك باعَه مُرابَحةً بلَفظِ الشِّراءِ أو بلَفظِ القيامِ.

وإنِ اشتَراه بدَيْنٍ على البائِعِ فإنْ كانَ مَليئًا غيرَ مُماطِلٍ، لَم يَجِبِ الإخبارُ به، وإنْ كانَ مُماطِلًا وجَب.

والمُرادُ بالعَرضِ هُنا المُتقوَّمُ، فالمِثليُّ يَجوزُ البَيعُ به مُرابَحةً، وإنْ لَم يُخبِرْ بقيمَتِه.

٤ - بَيانُ العَيبِ القَديمِ الحادِثِ عندَه بآفةٍ أو جِنايةٍ تَنْقُصُ القيمةَ أو العَينَ لأنَّ الغَرَضَ يَختلِفُ بذلك، ولأنَّ الحادِثَ يَنقُصُ به المَبيعُ ولا يَكفي فيه تَبيينُ العَيبِ فَقط، لِيُوهِمَ المُشتَريَ بأنَّه كانَ عندَ الشِّراءِ كذلك، وأنَّ الثَّمنَ المَبذولَ كانَ في مُقابَلَتِه مع العَيبِ.

ولو كانَ به عَيبٌ قَديمٌ ثم اطَّلَعَ عليه بعدَ الشِّراءِ أو رَضيَ به وجَب بَيانُه أيضًا، وبَيانُ أنَّه اشتَراه مِنْ طِفلِه أو بدَيْنِ مُماطِلٍ أو مُعسِرٍ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَختلِفُ بذلك.

ولو أخَذ أرشَ عَيبٍ وباعَ بلَفظٍ قامَ على حَطِّ الأرشِ أو بلَفظِ: ما اشتَرَيتُ، ذكَر صورةَ ما جَرى به العَقدُ مع العَيبِ، وأخَذ الأرشَ؛ لأنَّ الأرشَ المَأخوذَ جُزءٌ مِنْ الثَّمنِ.

٥ - ولو اشتَرَى بغَبنٍ وجَب الإخبارُ به (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اشتَرَى شَيئَيْنِ صَفقةً واحِدةً ثم أرادَ بَيعَ أحَدِهما مُرابَحةً أو اشتَرَى اثنانِ شَيئًا فتَقاسَماه، وأرادَ أحَدُهما بَيعَ نُصيبِه مُرابَحةً بالثَّمنِ الذي أدَّاه فيه فذلك قِسمانِ:

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ١٧٥، ١٧٦)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٥٥٠)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ١٢٨، ١٣٥).

أحَدُهما: أنْ يَكونَ البَيعُ مِنْ المُتقوَّماتِ التي لا يَنقسِمُ الثَّمنُ عليها بالأجزاءِ كالثيابِ والحَيَوانِ والشَّجَرةِ المُثمِرةِ، وأشباهِ هذا، فهذا لا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه مُرابَحةً حتى يُخبِرَ بالحالِ على وَجهِه نصَّ عليه أحمدُ، فقالَ: كلُّ بَيعٍ اشتَراه جَماعةٌ ثم اقتَسَموه لا يَبيعُ أحَدُهم مُرابَحةً إلَّا أنْ يَقولَ: اشتَرَيناه جَماعةً ثم اقتَسَمناه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذا مَذهبُ الثَّوريِّ وإسحاقَ وأصحابِ الرَّأيِ، وقالَ الشافِعيُّ: يَجوزُ بَيعُه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ لأنَّ الثَّمنَ يَنقسِمُ على المَبيعِ على قَدْرِ قيمَتِه، بدَليلِ ما لو كانَ المَبيعُ شِقصًا وسَيفًا أخَذ الشَّفيعُ الشِّقصَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.

ولو اشتَرَى شَيئَيْنِ فوجَد أحَدَهما مَعيبًا رَدَّه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وذكَر ابنُ أبي موسى فيما اشتَراه اثنانِ فتَقاسَماه رِوايةً أُخرَى عن أحمدَ أنَّه يَجوزُ مُرابَحةً بما اشتَراه؛ لأنَّ ذلك ثَمَنُه، فهو صادِقٌ فيما أخبَرَ به.

القِسمُ الثاني: أنْ يَكونَ المَبيعُ مِنْ المُتماثِلاتِ التي يَنقسِمُ الثَّمنُ عليها بالأجزاءِ، كالبُرِّ والشَّعيرِ المُتساوي، فيَجوزُ بَيعُ بَعضِه مُرابَحةً بقِسطِه مِنْ الثَّمنِ، وبِهذا قالَ أبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ ثَمَنَ الجُزءِ مَعلومٌ يَقينًا، ولِذلك جازَ بَيعُ قَفيزٍ مِنْ الصُّبرةِ.

وإنْ أسلَمَ في ثَوبَيْنِ بصِفةٍ واحِدةٍ فأخَذهما على الصِّفةِ وأرادَ بَيعَ أحَدِهما مُرابَحةً بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ فالقياسُ جَوازُه؛ لأنَّ الثَّمنَ يَنقسِمُ عليهما نِصفَيْنِ، لا باعتِبارِ القيمةِ، وكذلك لو أقالَه في أحَدِهما، أو تَعذَّرَ تَسليمُه، كانَ له نِصفُ الثَّمنِ مِنْ غيرِ اعتِبارِ قيمةِ المَأخوذِ منهما، فكأنَّه أخَذ

كُلٌّ واحِدٍ منهما مُنفَرِدًا، ولأنَّ الثَّمنَ وقَع عليهما مُتَساويًا لِتَساوي صِفَتِهما في الذِّمَّةِ، فهُما كقَفيزَيْنِ مِنْ صُبرةٍ، وإن حصَل في أحَدِهما زيادةٌ على الصِّفةِ جَرَتْ مَجرَى الحادِثِ بعدَ البَيعِ.

وإنِ اشتَرَى شَيئًا بثَمَنٍ مُؤجَّلٍ لَم يُجزِ بَيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ ذلك، وإنِ اشتَراه مِنْ أبيه أو ابنِه أو مِمَّنْ لا تُقبَلُ شَهادَتُه له لَم يَجُزْ بَيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ أمرَه، وبِهذا قالَ أبو حَنيفةَ.

وقالَ الشافِعيُّ وأبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يَجوزُ مِنْ غيرِ بَيانٍ؛ لأنَّه أخبَرَ بما اشتَراه عَقدًا صَحيحًا، فأشبَهَ ما لو اشتَراه مِنْ أجنَبيٍّ.

ولنا: أنَّه مُتَّهمٌ في الشِّراءِ منهم؛ لِكَونِه يُحابيهم ويَسمَحُ لَهم، فلَم يَجُزْ أنْ يُخبِرَ بما اشتَراه منهم مُطلَقًا، كما لو اشتَرَى مِنْ مُكاتَبِه، وفارَقَ الأجنَبيَّ؛ فإنَّه لا يُتَّهمُ في حَقِّه، وقياسُهم بالشِّراءِ مِنْ مُكاتَبِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له بَيعُ ما اشتَراه مِنْ مُكاتَبِه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ أمرَه، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا.

وإنِ اشتَراه مِنْ غُلامِ دُكَّانِه الحُرِّ، قالَ القاضي: إذا باعَه سِلعةً ثم اشتَراها منه بأكثَرَ مِنْ ذلك لَم يَجُزْ بَيعُه مُرابَحةً حتى يُبيِّنَ أمرَه، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا، ولأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه، فأشبَهَ مَنْ لا تُقبَلُ شَهادَتُه له، وقالَ أبو الخطَّابِ: إنْ فعَل ذلك حِيلةً لَم يَجُزْ، وظاهِرُه الجَوازُ إذا لَم يَكُنْ حِيلةً، وهذا أصَحُّ؛ لأنَّه أجنَبيٌّ، لكنْ لا يَختَصُّ هذا بغُلامِ دُكَّانِه، بَلْ متى فَعلَ هذا على وَجهِ الحيلةِ لَم يَجُزْ، وكانَ حَرامًا وتَدليسًا على ما ذَكَرْنا مِنْ قَبلُ.

فإنِ اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةٍ ثم باعَه بخَمسةَ عشَرَ، ثم اشتَراه بعَشَرةٍ استُحِبَّ

أنْ يُخبِرَ بالحالِ على وَجهِه، فإنْ أخبَرَ أنَّه اشتَراه بعَشَرةٍ ولَم يُبيِّنْ، جازَ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ؛ لأنَّه صادِقٌ فيما أخبَرَه به، وليسَ فيه تُهمةٌ، ولا تَغريرٌ بالمُشتَري، فأشبَهَ ما لو لَم يَربَحْ فيه، ورُويَ عن ابنِ سِيرينَ أنَّه يَطرَحُ الرِّبحَ مِنْ الثَّمنِ، ويُخبِرُ بأنَّ رَأسَ مالِه عليه خَمسةٌ، وأعجَبَ أحمدَ قَولُ ابنِ سِيرينَ، قالَ: فإنْ باعَه على ما اشتَراه يُبيِّنُ أمرَه، يَعني: يُخبِرُ بأنَّه رَبِحَ فيه مَرَّةً، ثم اشتَراه، وهذا مَحمولٌ على الِاستِحبابِ؛ لِمَا ذَكَرناه.

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ بَيعُه مُرابَحةً إلَّا أنْ يُبيِّنَ أمرَه، أو يُخبِرَ بأنَّ رَأسَ مالِه عليه خَمسةٌ، وهذا قَولُ القاضي وأصحابِه؛ لأنَّ المُرابَحةَ تَضُمُّ فيها العُقودَ، فيُخبِرُ بما تَقومُ عليه، كما تَضُمُّ أُجرةَ الخَيَّاطِ والقَصَّارِ، وقد استَفادَ بهذا العَقدِ الثاني تَقريرَ الرِّبحِ في العَقدِ الأوَّلِ؛ لأنَّه أمِنَ أنْ يَرُدَّه عليه، ولأنَّ الرِّبحَ أحَدُ نَوعَيِ النَّماءِ، فوجَب أنْ يُخبِرَ به في المُرابَحةِ، كالوَلَدِ والثَّمرةِ، فعلى هذا يَنبَغي أنَّه إذا طرَح الرِّبحَ مِنْ الثَّمنِ الثاني أنْ يَقولَ: تَقومُ علَيَّ بخَمسةٍ، ولا يَجوزُ أنْ يَقولَ: اشتَرَيتُه بخَمسةٍ؛ لأنَّ ذلك كَذِبٌ، والكَذِبُ حَرامٌ، ويَصيرُ كما لو ضَمَّ أُجرةَ القِصارةَ والخياطةَ إلى الثَّمنِ، وأخبَرَ به، ولَنا ما ذَكَرناه فيما تَقدَّمَ، وما ذَكَروه مِنْ ضَمِّ القِصارةِ والخياطةِ والوَلَدِ والثَّمرةِ، فشَيءٌ بَنَوْه على أصلِهم لا نُسلِّمُه، ثم لا يُشبِهُ هذا ما ذَكره؛ لأنَّ المُؤنةَ والنَّماءَ لَزِماه في هذا البَيعِ الذي يَلي المُرابَحةَ، وهذا الرِّبحُ في عَقدٍ آخَرَ قبلَ هذا الشِّراءِ، فأشبَهَ الخَسارةَ فيه، وأمَّا تَقريرُ الرِّبحِ فغيرُ

صَحيحٍ؛ فإنَّ العَقدَ الأوَّلَ قد لزِم، ولَم يَظهَرِ العَيبُ، ولَم يَتعلَّقْ به حُكمُه، ثم قد ذَكَرناه في مِثلِ هذه المَسألةِ أنَّ لِلمُشتَري أنْ يَرُدَّه على البائِعِ إذا ظهَر على عَيبٍ قَديمٍ، وإذا لَم يَلزَمْه طَرحُ النَّماءِ والغَلَّةِ فههُنا أوْلَى، ويَجيءُ على هذا القَولِ أنَّه لو اشتَراه بعَشَرةٍ ثم باعَه بعِشرينَ ثم اشتَراه بعَشَرةٍ فإنَّه يُخبِرُ بأنَّها حصَلتْ بغيرِ شَيءٍ، وإنِ اشتَراها بخَمسةَ عشَرَ أخبَر بأنَّها قُوِّمتْ عليه باثنَيْ عشَرَ، نصَّ أحمدُ على نَظيرِ هذا، وعلى هذا يُطرَحُ الرِّبحُ مِنْ الثَّمنِ الثاني كيفما كان، فإنْ لَم يَربَحْ ولكنِ اشتَراها ثانيةً بخَمسةٍ، أخبَر بها؛ لأنَّه ثَمَنُ العَقدِ الذي يَلي المُرابَحةَ، ولو خسِر فيها مثلَ أنِ اشتَراها بخَمسةَ عشَرَ ثم باعَها بعَشَرةٍ ثم اشتَراها بأيِّ ثَمَنٍ كان، أخبَرَ به، ولَم يَجُزْ أنْ يَضُمَّ الخَسارةَ إلى الثَّمنِ الثاني، فيُخبِرُ به في المُرابَحةِ بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، وهذا يَدلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرناه، واللَّهُ أعلَمُ.

ثم قالَ: فَصلٌ: قال أحمدُ: ولا بأْسَ أنْ يَبيعَ بالرَّقمِ، ومعناه أنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذا الثَّوبَ برَقمِه، وهو الثَّمنُ المَكتوبُ عليه، إذا كانَ مَعلومًا لَهما حالَ العَقدِ، وهذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ، وكَرِهَه طاوسٌ.

ولَنا: أنَّه بَيعٌ بثَمَنٍ مَعلومٍ، فأشبَهَ ما لو ذكَر مِقدارَه، أو ما لو قالَ: بِعتُكَ هذا بما اشتَرَيتُه به، وقد عَلِما قَدْرَه، فإنْ لَم يَكُنْ مَعلومًا لَهما أو لِأحَدِهما لَم يَصحَّ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ، قال أحمدُ: والمُساوَمةُ عِندي أسهَلُ مِنْ بَيعِ المُرابَحةِ، وذلك لأنَّ بَيعَ المُرابَحةِ تَعتَريه أمانةٌ واستِرسالٌ مِنْ المُشتَري، ويَحتاجُ فيه إلى تَبيينِ الحالِ على وَجهِه في المَواضِعِ التي ذَكَرناها، ولا

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في بيان ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب

(فَأَمَّا) عَلَى أَصْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَالزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَصِحُّ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ وَحَطًّا عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هِبَةً مُبْتَدَأَةً، وَالْمَسْأَلَةُ تَأْتِي فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.

فَصْلٌ بَيَانُ مَا يُلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَمَا لَا يُلْحَقُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَمَا لَا يَلْحَقُ بِهِ.

فَنَقُولُ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْحَقَ بِرَأْسِ الْمَالِ أُجْرَةُ الْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَالْغَسَّالِ وَالْفَتَّالِ وَالْخَيَّاطِ وَالسِّمْسَارِ وَسَائِقِ الْغَنَمِ، وَالْكِرَاءُ، وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَعَلَفُ الدَّوَابِّ، وَيُبَاعُ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً عَلَى الْكُلِّ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيمَا بَيْنَ التُّجَّارِ أَنَّهُمْ يُلْحِقُونَ هَذِهِ الْمُؤَنَ بِرَأْسِ الْمَالِ وَيَعُدُّونَهَا مِنْهُ، وَعُرْفُ الْمُسْلِمِينَ وَعَادَتُهُمْ حُجَّةٌ مُطْلَقَةٌ قَالَ النَّبِيُّ: عليه الصلاة والسلام «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» إلَّا أَنَّهُ لَا يَقُولُ عِنْدَ الْبَيْعِ: اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا وَلَكِنْ يَقُولُ: قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَذِبٌ وَالثَّانِيَ صِدْقٌ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 59 - 71

ارجع إلى شرط جواز المرابحة (وكذا التولية والإشراك والوضيعة) للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله