الإسلام > المعاملات المالية > شروط صحة رهن المستعار للرهن
مسائلُ فقهيةٌ في شروط صحة رهن المستعار للرهن على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةشُروطُ صِحَّةِ رَهنِ المُستَعارِ لِلرَّهنِ:
إذا أذِنَ المالِكُ بالرَّهنِ فإذْنُه بالرَّهنِ لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مُقيَّدًا أو مُطلَقًا، فإنْ كان مُقيَّدًا -بأنْ سَمُىَ قَدْرًا أو جِنسًا أو مَكانًا أو إنسانًا- يَتقَيَّدُ به، فلو أذِنَ أنْ يَرهَنَه بجِنسٍ، لَم يَجُزْ له أنْ يَرهَنَه بجِنسٍ آخَرَ؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ مِنْ بَعضِ الأجناسِ قد يَكونُ أيسَرَ مِنْ بَعضٍ، فكانَ التَّقييدُ بالجِنسِ مُفيدًا، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهَنَه بالكُوفةِ، لَم يَجُزْ له أنْ يَرهَنَه بالبَصرةِ؛ لأنَّ التَّقييدَ بمَكانٍ دُونَ مَكانٍ مُفيدٌ، فيَتقَيَّدُ بالمَكانِ المَذكورِ، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهَنَه مِنْ إنسانٍ بعَينِه، لَم يَجُزْ له أنْ يَرهَنَه مِنْ غَيرِه؛ لأنَّ الناسَ مُتفاوِتونَ في المُعامَلاتِ، فكان التَّعيينُ مُفيدًا، فإنْ خالَفَ في شَيءٍ مما ذَكَرنا، فهو ضامِنٌ له إذا هَلَكَ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في مِلكِ الغَيرِ بغَيرِ إذْنِه، فصارَ غاصِبًا، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَنبَغي أنْ يَذكُرَ المُرتَهَنَ، والقَدْرَ الذي يَرهَنُه به، وجِنسَه، ومُدَّةَ الرَّهنِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَختَلِفُ بذلك، فاحتيجَ إلى ذِكرِه، كأصلِ الرَّهنِ، ومتى شَرَط شَيئًا مِنْ ذلك فخالَفَ ورهَنه بغَيرِه لَم يَصحَّ الرَّهنُ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في هذا الرَّهنِ، فأشبَهَ مَنْ لَم يأذَنْ في أصلِ الرَّهنِ، قال ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على ذلك (١).
لكنَّهم اختَلَفوا فيما لو أذِنَ له أنْ يَرهَنَه بعَشَرةٍ فرَهَنه بأقَلَّ:
فقال الحَنفيَّةُ: لا يَصحُّ ولا يَجوزُ له أنْ يَرهَنَه بأقَلَّ ولا أكثَرَ؛ لأنَّ
(١) «المغني» (٤/ ٢٢٥)، ويُنظر: «الأوسط» (٥/ ٦٩٧).
المُتصرِّفَ بإذْنٍ يَتقيَّدُ تَصرُّفُه بقَدْرِ الإذْنِ، والإذْنُ لَم يَتناوَلِ الزِّيادةَ، فلم يَكُنْ له أنْ يَرهَنَ بالأكثَرِ ولا بالأقَلِّ أيضًا؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ، ولأنَّ المالِكَ إنَّما جعَله مَضمونًا بالقَدْرِ، وقد يَكونُ له في ذلك غَرَضٌ صَحيحٌ، فكان التَّقييدُ به مُفيدًا.
وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: يَصحُّ؛ لأنَّ مَنْ أجازَ له الرَّهنَ بالأكثَرِ جازَ له الرَّهنُ بالأقَلِّ.
فإنْ أُطلِقَ الرَّهنُ في الإذْنِ مِنْ غيرِ تَعيينِ شَيءٍ مِنْ هذا اختَلَف الفُقهاءُ فيه هل يَجوزُ له أنْ يَرهَنَه كما يَشاءُ أو لا؟
فقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ: يُشترَطُ ذِكرُ قَدرِ الدَّينِ وجِنسِه وصِفَتِه وحُلولِه وتأجيلِه والشَّخصِ المَرهونِ عِندَه ومُدَّةِ الرَّهنِ؛ لأنَّ الغَرَرَ يَختلِفُ بذلك، فاحتيجَ إليه؛ ولأنَّ هذا بمَنزِلةِ الضَّمانِ في ذِمَّتِه، وضَمانُ المَجهولِ لا يَصحُّ.
وقال الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ: إنْ كان الرَّهنُ مُطلَقًا فلِلمُستَعيرِ أنْ يَرهَنَه بالقَليلِ والكَثيرِ وبأيِّ جِنسٍ وفي أيِّ مَكانٍ ومِن أيِّ إنسانٍ أرادَ؛ لأنَّ العَمَلَ بإطلاقِ اللَّفظِ أصلٌ، ولِأنَّها عاريةٌ، فلَم يُشترَطْ لِصِحَّتِها ذِكرُ ذلك، كالعاريةِ لِغَيرِ الرَّهنِ، والدَّليلُ على أنَّه عاريةٌ أنَّه قبَض مِلكَ غَيرِه لِمَنفَعةِ نَفْسِه مُنفَرِدًا بها مِنْ غيرِ عِوَضٍ، فكان عاريةً كقَبضِه لِلخِدمةِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢٣٠، ٢٣٢)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٥٣)، و «مجلة الأحكام» المادة (٧٢٦، ٧٢٧، ٧٢٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٨٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٣٨٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٧٠، ٢٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩، ٤٠)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٧٢، ٢٧٤)، و «الديباج» (٢/ ١٧٩)، و «المغني» (٤/ ٢٢٥).
ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.