الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > كشف الإنسان عورته في الخلوة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةفعَليَّ مِنْ الأَيمانِ كذا وكذا إنْ فعَلْتُه قَطُّ، فاحلِفْ لي أنتَ أيضًا أنكَ لم تفعَلْه، فأبَى أنْ يَحلفَ.
ثمَّ قالَ البُرزليُّ: والرِّوايةُ أنَّ مَنْ فعَلَه فإنه يُؤدَّبُ، وهو بِناءً على تَحريمِه، وعلى أنه مَكروهٌ أو مُباحٌ فلا يُؤدَّبُ؛ إذ ليسَ بمُجمَعٍ على كَراهتِه. انتهى (١).
كَشفُ الإنسانِ عَورتَه في الخَلوةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ كَشفِ العَورةِ إذا لم يَرَهُ أحَدٌ، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ في أصَحِّ الوجهَينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجبُ ستْرُ العورةِ في الخَلوةِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بما رواهُ بَهزُ بنُ حكِيمٍ عن أبيه عن جدِّهِ قالَ: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ عَوراتُنا ما نأتي مِنها وما نَذَرُ؟ قالَ: احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زَوجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكَ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إذا كانَ القَومُ بعضُهم في بعضٍ؟ قالَ: إنِ استَطعْتَ أنْ لا يَرَينَّها أحدٌ فلا يَرينَّها، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ إذا كانَ أحَدُنا خاليًا؟ قَالَ: اللهُ أحَقُّ أنْ يُستَحيَا منهُ مِنْ النَّاسِ» (٢).
(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٢٨، ٢٩)، ويُنظَر: «الذخيرة» (٤/ ٤١٦، ٤١٧)، و «المدخل» (٢/ ١٩٣).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٨٩٧٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ستْرُ العَورةِ عن العُيونِ واجِبٌ بالإجماعِ؛ لِمَا سبَقَ مِنْ الأدلَّةِ، وأصَحُّ الوجهَينِ وُجوبُه في الخَلوةِ؛ لِمَا ذكَرْنا مِنْ حديثِ بَهزٍ وغيرِه، ومِمَّن نَصَّ على تَصحيحِه المُصنِّفُ والبَندَنيجيُّ، فإنِ احتاجَ إلى الكَشفِ جازَ أنْ يَكشفَ قدْرَ الحاجةِ فقط، هكذا قالَه الأصحابُ، وقولُ المُصنِّفِ: (فإنِ اضْطَرَّ) مَحمولٌ على الحاجةِ لا على حَقيقةِ الضَّرورةِ، ولو قالَ: «احتَاجَ» كمَا الأصحابُ لَكانَ أصوَبَ؛ لئلَّا يُوهَمَ اشتِراطُ الضَّرورةِ، فمِن الحاجةِ حالةُ الاغتَسالِ، يَجوزُ في الخَلوةِ عارِيًا، والأفضَلُ التستُّرُ بمِئزرٍ (١).
وقالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: يجبُ ستْرُ العَورةِ في خَلوةٍ كما يَجبُ لو كانَ بينَ النَّاسِ، وحتَّى في ظُلمةٍ؛ لحَديثِ بهزِ بنِ حَكيمٍ عن أبيه عن جدِّهِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ على الإنسانِ أنْ يستُرَ عَورتَه، كما قالَ النبيُّ ﷺ لمُعاويةَ بنِ حَيدةَ: «احفَظْ عَورتَكَ إلَّا مِنْ زَوجتِكَ أو ما ملَكَتْ يَمينُكُ، قلتُ: فإذا كانَ أحَدُنا مع قَومهِ؟ قالَ: إنِ استَطعْتَ أنْ لا يَرينَّها أحَدٌ فلا يَرينَّها، قلتُ: فإذا كانَ أحَدُنا خاليًا؟ قالَ: فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه مِنْ النَّاسِ».
(١) المجموع (٣/ ١٦٨).
(٢) «كشاف القناع» (١/ ٣١٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٢٩٨)، و «مطالب أولي النهى» (١/ ٣٢٨).
ويَجوزُ أنْ يَكشفَ بقَدرِ الحاجَةِ، كما يَكشفُ عندَ التخلِّي، وكذلكَ إذا اغتَسلَ الرَّجلُ وحْدَه بجَنبِ ما يستُرُه فله أنْ يَغتسلَ عُريانًا، كما اغتَسلَ مُوسى عُريانًا وأيُّوبُ، وكما في اغتِسالُه ﷺ يومَ الفَتحِ، واغتِسالُه في حَديثِ مَيمونةَ (١).
وقالَ أيضًا بعدَ حَديثِ: «فإذا كانَ أحَدُنَا خاليًا؟ قالَ: فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه مِنْ النَّاسِ»: فأمَرَ بستْرِها في الخَلوةِ، وهذا واجِبٌ عندَ أكثرِ العُلماءِ.
وأمَّا إذا اغتَسلَ في مَكانٍ خالٍ بجَنبِ حائطٍ أو شَجرةٍ ونحوِ ذلكَ في بَيتِه أو حمَّامٍ أو نحوِ ذلكَ فإنه يَجوزُ له كَشفُها في هذهِ الصُّورةِ عندَ الجُمهورِ، كما ثبَتَ في الصَّحيحِ «أنَّ مُوسَى اغتَسلَ عُريانًا»، «وأنَّ أيُّوبَ اغتَسلَ عُريانًا»، «وأنَّ فاطِمةَ كانَتْ تَسترُ النبيَّ ﷺ بثَوبٍ ثمَّ يَغتسلُ».
وهذا كَشفٌ للحاجةِ بمَنزلةِ كَشفِها عندَ التَّخلِّي والجِماعِ بمِقدارِ الحاجةِ، ولهذا كَرِهَ العُلماءُ للمُتخلِّي أنْ يَرفعَ ثوبَه حتَّى يَدنوَ مِنْ الأرضِ (٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجوزُ كَشفُ العَورةِ في الخَلوةِ مع الكَراهةِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ ستْرُها في الخَلوةِ وغيرِها إلَّا مِنْ حاجةٍ.
(١) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٤٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٣٣٨).
وقالَ القاضي: يُكرهُ التَّعرِّي في الخَلوةِ ولا يَحرمُ، ومِن أصحابِنا مَنْ يَحكِيها على رِوايتينِ، والأولُ أبيَنُ في كَلامِ أحمدَ وأشبَهُ بظاهِرِ السُّنةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لمُعاويةَ بنِ حَيدةَ: «فاللهُ أحَقُّ أن يُستَحيَى منه» لمَّا قالَ لهُ: فإنْ كانَ أحَدُنا خاليًا، و «نهَى أنْ يَحتبِئَ الرَّجلُ في ثوبٍ واحدٍ يُفضِي بفَرجِه إلى السَّماءِ»، وفي لَفظٍ «ليسَ على فَرجِه منه شيءٌ» رواهُ الجَماعةُ، وعنِ ابنِ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إيَّاكُم والتَّعرِّيَ، فإنَّ معكُم مَنْ لا يُفارِقُكم إلَّا عندَ الغائِطِ وحينَ يُفضِي الرَّجلُ إلى أهلِه، فاستَحيُوهم وأَكرِموهُم» رواهُ التِّرمذيُّ، وعَن عُتبةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إذا أتَى أحَدُكم أهلَه فلْيَستتِرْ، ولا يَتجرَّدَا تَجرُّدَ العَيرَينِ» رواهُ ابنُ ماجَه.
ولأنَّ اللهَ أحَقُّ أنْ يُستَحيَى منهُ مِنْ النَّاسِ، وكذلكَ مَلائكتُه وغيرُهم مِنْ خَليقَتِه، فتَجبُ السُّترةُ في الخَلوةِ كما تَجبُ عن أعيُنِ الناسِ، ولهذا وجَبَتِ في الصَّلاةِ خَلوةً، وليسَ الاستِتارُ لأجلِ الاستِخفاءِ مِنْ اللهِ تعالَى؛ إذ هو سُبحانَه بَصيرٌ لا تَخفَى عليهِ خافِيةٌ، وإنَّما ذلك ظَنُّ الذينَ كَفَروا والذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم بقولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥]، ولكنْ يعني الاستِحياءُ منهُ مَبلغَ الجُهدِ، كما أخبَرَ اللهُ تعالَى عن آدَمَ وحوَّاءَ حينَ بَدَتْ سَوآتُهما أنَّهما طَفِقَا يَخصِفانِ عليهما مِنْ وَرقِ الجنَّةِ، وكما كانَ أبو بكرٍ الصِّديقُ رضي الله عنه يقولُ:
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يتأكد به المهر
إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى فَلَمْ يَكُنْ الرَّدُّ مُفِيدًا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ فَكَانَ سَفَهًا فَلَا يَثْبُتُ لَهَا حَقُّ الرَّدِّ، وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ لِمَا قُلْنَا: بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا لِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَهَلْ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ فِي الْمَهْرِ؟ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَيْبُ يَسِيرًا لَا يَثْبُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا يَثْبُتُ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي بَدَلِ الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَلَى مَالٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، وَهَهُنَا لَا يَنْفَسِخُ وَإِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ فَيَقْبِضُ مِثْلَهُ فَرُبَّمَا يَجِدُ فِيهِ عَيْبًا يَسِيرًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ عَيْبٍ عَادَةً فَيَرُدُّهُ ثُمَّ يَقْبِضُ مِثْلَهُ فَيُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى فَلَا يُفِيدُ الرَّدُّ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالرَّدِّ فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِدْرَاكًا لِلْفَائِتِ وَهُوَ صِفَةُ السَّلَامَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ، وَالْعَيْبُ إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُعْرَفُ الْفَوَاتُ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ لَا يَخْلُو عَنْهُ فَمِنْ مُقَوِّمٍ يُقَوِّمُهُ بِدُونِ الْعَيْبِ بِأَلْفٍ، وَمِنْ…
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.