الإسلام > النكاح والأسرة > أحكام النظر واللمس > مقدار ما يراه من المخطوبة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةمِقدارُ ما يَراهُ مِنْ المَخطوبةِ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلمينَ على إباحةِ نظَرِ الخاطِبِ إلى وجهِ المَخطوبةِ وكَفَّيها؛ لأنهُ ليسَ بعَورةٍ، وهو مَجمَعُ المحاسِنِ ومَوضعُ النَّظرِ (١).
إلَّا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا هل يَجوزُ له النَّظرُ إلى غَيرِ الوجهِ والكَفَّينِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنهُ يُباحُ للخاطِبِ أنْ يَنظرَ إلى الوَجهِ والكفَّينِ فقَطْ -وزادَ الحَنفيةُ في رِوايةٍ: والقَدَمينِ-؛ لأنهُما ليسَا بعَورةٍ؛ ولأنهُ يُستَدلُّ بالوَجهِ على الجَمالِ أو ضِدِّه، وبالكفَّينِ على خُصوبةِ البدَنِ أو عَدمِها، فأغناهُ ذلكَ عنِ النَّظرِ إلى غيرِه.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الأكثرِينَ، وقالَ الأوزاعيُّ: يَنظرُ إلى مَواضعِ اللَّحمِ، وقالَ داودُ: يَنظرُ إلى جَميعِ بدَنِها، وهذا خطأٌ ظاهِرٌ منابِذٌ لأصولِ السُّنةِ والإجماعِ (٢).
وقالَ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: «وإذا أرادَ أنْ يتزوَّجَ المَرأةَ فليسَ له أنْ يَنظرَ إليها حاسِرةً، ويَنظرُ إلى وَجهِها وكَفَّيها وهي مُتغطِّيةٌ، بإذنِها وبغَيرِ إذنِها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قالَ: الوَجهُ والكفَّانِ».
(١) «المغني» (٧/ ٧٤).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (٩/ ٢١٠).
قال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إذا أرادَ الرَّجلُ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ جازَ له أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكفَّيها لا غير (١).
قالُوا: لأنَّ غيرَ الوجهِ والكفَّينِ عَورةٌ، ولأنها المَواضعُ التي تَظهرُ مِنْ الزِّينةِ المُشارِ إليها بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، والحِكمةُ مِنْ الاقتصارِ على ذلكَ أنَّ في الوجهِ ما يُستدَلَّ به على الجَمالِ، وفي اليدَينِ ما يُستدلُّ به على خُصوبةِ البدَنِ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها إذا أرادَ تَزويجَها، وإنْ كانَ لشَهوةٍ، وإنَّما يُباحُ النَّظرُ إلى الوَجهِ والكفَّينِ وإنْ خافَ أنْ يَشتهيَها لقَولِه ﷺ للمُغيرةِ بنِ شُعبةَ حينَ خطَبَ امرأةً: «انظُرْ إليها، فإنهُ أحرَى أنْ يُؤدَمَ بَينكُما»، ولأنَّ مَقصودَه إقامةُ السُّنةِ لا قَضاءُ الشَّهوةِ.
وإذا لم يُمكِنْه النَّظرُ يَجوزُ إرسالُ نحوِ امرأةٍ تَصفُ له حالَها بطَريقِ الأَولى ولو غيرَ الوَجهِ والكفَّينِ (٣).
وقالَ المالِكيةُ: يُندبُ للخاطِبِ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها خاصَّةً قبلَ العَقدِ؛ لِيَعلمَ بذلكَ حقيقةَ أمرِها؛ لأنَّ الوجهَ يَدلُّ على الجَمالِ وعَدمِه،
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٤، ٣٥).
(٢) «البيان» (٩/ ١٢١، ١٢٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢١٦).
(٣) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٨٣، ١٨٤)، و «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٥)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ١٢٣)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٣٣٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٣٧٠).
واليَدانِ يَدُلَّانِ على خَصابةِ البَدنِ وطَراوتِه وعلى عَدمِ ذلكَ، إذا لم يَقصدْ لذَّةً وإلَّا حَرُمَ.
ويُمنَعُ ما زادَ على الوَجهِ والكفَّينِ؛ لأنهُ عَورةٌ، اللهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ قد وكَّلَ امرأةً، فيَجوزُ لها مِنْ حَيثُ إنها امرأةٌ.
ويكونُ النَّظرُ بعِلمٍ منها أو مِنْ وَليِّها، ويُكرهُ استِغفالُها؛ لِئلَّا يَتطرَّقَ أهلُ الفسادِ لنَظرِ مَحارمِ الناسِ ويَقولونَ: «نحنُ خُطَّابٌ».
ومَحلُّ كَراهةِ الاستِفغالِ إنْ كانَ يَعلمُ أنهُ لو سأَلَها في النَّظرِ تُجيبُه إنْ كانَتْ غيرَ مُجبَرةٍ، أو إذا سأَلَ وَليَّها يُجيبُه لذلكَ إذا كانَتْ مُجبَرةً، أو جَهِلَ الحالَ، وأمَّا إذا عَلِمَ عدمَ الإجابةِ حَرُمَ النَّظرُ إنْ خَشيَ فِتنةً، وإلَّا كُرِهَ وإنْ كانَ نظَرُ وَجهِ الأجنَبيةِ وكَفَّيها جائِزًا؛ لأنَّ نظَرَهما في مَعرضِ النكاحِ مَظنةُ قَصدِ اللذَّةِ (١).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: مَنْ أرادَ نكاحَ امرأةٍ فلهُ أنْ يَنظرَ إلى وَجهِها وكَفَّيها، خِلافًا لمَن منَعَ ذلكَ جُملةً، ولِمَن أباحَه إلى جَميعِ جَماعةِ البدَنِ سِوى السَّوأتَينِ، ولأبي حَنيفةَ في إباحة ظَهرِ القدَمَينِ؛ لقولِه ﷺ: «إذا أرادَ أحَدُكم أنْ يَتزوَّجَ المرأةَ فلْيَنظرْ إلى وَجهِها
(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٢٥)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٤٨٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٦٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٣٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ٤٠٨).
وكَفَّيها» (١)، فخَصَّ ذلكَ دُونَ غيرِه، فسقَطَ كلُّ مَذهبٍ يُخالِفُه (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حجَرٍ رحمة الله عليه: قالَ الجُمهورُ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ الخاطِبُ إلى المَخطوبةِ، قالُوا: ولا يَنظرُ إلى غيرِ وَجهِها وكَفَّيها، وقالَ الأوزاعيُّ: يَجتهدُ ويَنظرُ إلى ما يُريدُ مِنها إلَّا العَورةَ، وقالَ ابنُ حَزمٍ: يَنظرُ إلى ما أقبَلَ منها وما أدبَرَ منها، وعن أحمَدَ ثَلاثُ رِواياتٍ: الأُولى: كالجُمهورِ، والثَّانيةُ: يَنظرُ إلى ما يَظهرُ غالِبًا، والثَّالثةُ: يَنظرُ إليها مُتجردِّةً (٣).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَجوزُ له أنْ يَنظرَ مِنْ المَخطوبةِ إلى ما يَظهرُ مِنها غالِبًا كوَجهٍ ورَقبةٍ ويَدٍ وقَدمٍ، ويُكرِّرُ النَّظرَ ويتأمَّلُ المَحاسِنَ، ولو بلا إذنٍ إنْ أَمِنَ الشَّهوةَ مِنْ المَرأةِ؛ لأنهُ ﷺ لمَّا أَذِنَ في النَّظرِ إليها مِنْ غيرِ عِلْمِها عُلِمَ أنهُ أَذِنَ في النَّظرِ إلى جَميعِ ما يَظهرُ غالِبًا؛ إذْ لا يُمكِنُ إفرادُ الوَجهِ بالنَّظرِ مع مُشارَكةِ غيرِه في الظُّهورِ، ولأنهُ يَظهرُ غالِبًا
(١) صَحَّ معناهُ عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، فعن بَكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ المُزنِيِّ عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ قالَ: «أتَيتُ النبيَّ ﷺ فذكَرْتُ له امرأةً أخطُبُها، فقالَ: اذهَبْ فانظُرْ إليها، فإنهُ أجدَرُ أنْ يُؤدَمَ بينَكُما، فأتيتُ امرأةً مِنْ الأنصارِ فخطَبْتُها إلى أبويها وأخبَرتُهما بقولِ النبيِّ ﷺ فكأنهُما كَرِهَا ذلكَ، قالَ: فسَمِعَتْ ذلكَ المرأةُ وهي في خِدرِها فقالَتْ: إنْ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أمَرَكَ أنْ تَنظُرَ فانظُرْ، وإلَّا فأَنشدُكَ، كأنها أعظَمَتْ ذلكَ، قالَ: فنظَرْتُ إليها فتزَوَّجتُها، فذكَرَ مِنْ مُوافَقتِها» صَحيحٌ تقدَّمَ.
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٢٨١، ٢٨٢) رقم (١١٢١).
(٣) «فتح الباري» (٩/ ١٨٢).
أشبَهَ الوَجهَ، فإنْ لم يَتيسَّرْ له النَّظرُ أو كَرهَه بعَثَ إليها امرأةً ثِقةً تَتأمَّلُها ثمَّ تَصِفُها لهُ؛ ليَكونَ على بَصيرةٍ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في إباحةِ النَّظرِ إلى وَجهِها؛ وذلكَ لأنهُ ليسَ بعَورةٍ، وهو مَجمعُ المَحاسِنِ ومَوضعُ النَّظرِ، ولا يُباحُ له النَّظرُ إلى ما لا يَظهرُ عادةً.
وحُكيَ عن الأوزاعيِّ أنه يَنظرُ إلى مَواضعِ اللَّحمِ، وعن داوُدَ أنهُ يَنظرُ إلى جَميعِها؛ لظاهِرِ قَولِه عليه السلام: «انظُرْ إليها».
ولنَا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنهُ قالَ: «الوَجهُ وباطِنُ الكَفِّ»، ولأنَّ النَّظرَ مُحرَّمٌ أُبيحَ للحاجَةِ، فيَختصُّ بما تَدعُو الحاجَةُ إليهِ، وهوَ ما ذكَرْنا، والحَديثُ مُطلَقٌ، ومَن يَنظرُ إلى وَجهِ إنسانٍ سُمِّيَ ناظِرًا إليهِ، ومَن رآهُ وعَليهِ أثوابُه سُمِّيَ رائِيًا لهُ، كما قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٦].
فأمَّا ما يَظهرُ غالِبًا سِوَى الوَجهِ كالكفَّينِ والقدَمَينِ ونحوِ ذلكَ ممَّا تُظهِرُه المرأةُ في مَنزلِها ففيهِ رِوايتانِ:
إحداهُما: لا يُباحُ النَّظرُ إليهِ؛ لأنهُ عَورةٌ، فلمْ يُبَحِ النَّظرُ إليهِ كالذي
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٨، ٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٠٢، ١٠٣)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٣٤).
لا يَظهرُ، فإنَّ عبدَ اللهِ رَوى أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «المرأةُ عَورةٌ» حَديثٌ حسَنٌ، ولأنَّ الحاجَةَ تَندفعُ بالنَّظرِ إلى الوَجهِ، فبَقيَ ما عدَاهُ على التَّحريمِ.
والثانيةُ: له النَّظرُ إلى ذلكَ، قالَ أحمَدُ في رِوايةِ حَنبلٍ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ إليها وإلى ما يَدعُوه إلى نِكاحِها مِنْ يَدٍ أو جِسمٍ ونحوِ ذلكَ.
قالَ أبو بَكرٍ: لا بأسَ أنْ يَنظرَ إليها عِنْدَ الخِطبةِ حاسِرةً، وقالَ الشَّافعيُّ: يَنظرُ إلى الوَجهِ والكفَّينِ.
ووَجهُ جَوازِ النَّظرِ إلى ما يَظهرُ غالِبًا أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أَذِنَ في النَّظرِ إليها مِنْ غيرِ عِلمِها عُلِمَ أنهُ أَذِنَ في النَّظرِ إلى جَميعِ ما يَظهرُ عادَةً؛ إذْ لا يُمكِنُ إفرادُ الوجهِ بالنظرِ مع مُشارَكةِ غيرِه له في الظُّهورِ، ولأنهُ يَظهرُ غالبًا فأبيحَ النَّظرُ إليه كالوَجهِ، ولأنها امرأةٌ أُبيحَ له النَّظرُ إليها بأمرِ الشَّارعِ، فأبيحَ النَّظرُ منها إلى ذلكَ كَذَواتِ المَحارِمِ.
وقد رَوى سَعيدٌ عن سُفيانَ عن عَمرِو بنِ دينارٍ عن أبي جَعفرٍ قالَ: «خطَبَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ابنةَ عليٍّ، فذكَرَ مِنها صِغَرًا، فقالُوا له: إنَّما ردَّكَ، فعاوَدَه فقالَ: نُرسِلُ بها إليكَ تَنظرُ إليها، فرَضِيَها، فكشَفَ عن ساقَيها فقالَتْ: أرسِلْ، لَولا أنَّكَ أميرُ المُؤمنينَ لَلَطمْتُ الذي في عَينكَ» (١).
(١) «المغني» (٧/ ٧٤).
ارجع إلى أحكام النظر واللمس للاطلاع على جميع المسائل.