الشرط الرابع: أن يكون مسموعا

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > الشرط الرابع: أن يكون مسموعا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

الشرط الرابع: أن يكون مسموعا - الأقوال والأدلة

الشرطُ الرابعُ: أنْ يَكونُ مَسموعًا:

اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في اللَّفظِ أنْ يَكونَ مَسموعًا؟ أم يَكفي تَحريكُ اللِّسانِ بالاستِثناءِ؟

للحَنفيةِ قَولانِ في المَسألةِ: أحَدُهما: أنه شَرطٌ أنْ يَكونَ مَسموعًا، فلَو حرَّكَ لسانَه بهِ دونَ سَماعٍ لم يَصحَّ، وهذا عندَ الهِندُوانِيِّ، ورجَّحَه الكاسانِيُّ وصاحبُ «الدُّر».

والثاني -وهوَ اختيارُ الكَرخيِّ-: لا يُشترطُ، وهو الصَّحيحُ، فلو حرَّكَ لِسانَه بالاستثناءِ صحَّ وإنْ لم يَكنْ مَسموعًا.

قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرْقَنديُّ رحمة الله عليه: ولَو حرَّكَ لِسانَه بالاستثناءِ وأتَى بحُروفِه على الوَجهِ لكنَّه لَم يسمعْ يَكونُ استثناءً؛ لأنَّ هذا كَلامٌ وليسَ الشَّرطُ هو السَّماعُ، ألَا تَرَى أنَّ الأصَمَّ يَصحُّ استثناؤُه وإنْ لم يَسمعْ هو (١).

وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فأمَّا السَّماعُ فليسَ بشَرطٍ؛ لكَونِه كَلامًا، فإنَّ الأصَمَّ يَصحُّ استِثناؤُه وإنْ كانَ لا يَسمعُ، والصَّحيحُ ما ذكَرَه الفَقيهُ أبو جَعفرٍ؛ لأنَّ الحُروفَ المَنظومةَ -وإنْ كانَتْ كَلامًا عندَ الكَرخيِّ وعندَنا- هِي دَلالةٌ عَلى الكَلامِ وعِبارةُ عنهُ، لا نَفْس الكَلامِ في الغائبِ والشاهِدِ جَميعًا، فلم تُوجَدِ الحُروفُ المَنظومةُ ههُنا؛ لأنَّ الحُروفَ لا تَتحقَّقُ بدُونِ الصَّوتِ، فالحُروفُ المَنظومةُ لا تَتحقَّقُ بدُونِ الأصواتِ المُتقطِّعةِ بتَقطيعٍ

(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩٣).

خاصٍّ، فإذا لم يُوجَدِ الصَّوتُ لم تُوجَدِ الحُروفِ، فلم يُوجَدِ الكَلامُ عندَه ولا دَلالةُ الكَلامِ عندَنا، فلم يَكنِ استِثناءً، واللهُ المُوفِّقُ (١).

وقالَ في «الدُّر المُختار»: (مَسموعًا) بحَيثُ لو قَرَّبَ شَخصٌ أُذنَه إلى فيهِ يَسمعُ، فصَحَّ استِثناءُ الأصَمِّ.

قالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: (قَولُه: مَسموعًا) هذا عندَ الهِندوانِيِّ، وهو الصَّحيحُ كما في «البَدائع»، وعندَ الكَرخيِّ ليسَ بشَرطٍ، (قَوله: بحَيثُ إلَخ) أشارَ به إلى أنَّ المُرادَ بالمَسموعِ ما شَأنُه أنْ يُسمَعَ وإنْ لم يَسمعْه المُنشِئُ لكَثرةِ أصواتٍ مَثلًا (٢).

وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ النُّطقُ بالاستِثناءِ بحَركةِ اللِّسانِ، ولا يُشترطُ سَماعُ نَفسِه، بل يَكفي سِرًّا بحَركةِ لِسانٍ، بأنْ يُحرِّكَ شَفتَيه وإنْ لم يُسمِعْ نَفسَه، ولا يُشترطُ الجَهرُ به، أمَّا إنْ أجراهُ على قَلبِه بلا نُطقٍ فلا يُفيدُه (٣).

وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ أنْ يَتلفَّظَ بالاستثناءِ بحَيثُ يُسمِعُ نفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا فلا يُقبَلُ.

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٥٥)، و «المحيط البرهاني» (٣/ ٥٣٦).
(٢) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٦٨)، و «الاختيار» (٣/ ١٧٦)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٤٦٠).
(٣) «التاج والإكليل» (٢/ ٢٢، ٢٨٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٥٥، ٥٦)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٩٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤٠٤)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٦٤)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٤/ ١٧٨).

قالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيثميُّ رحمة الله عليه: ويُشترطُ أنْ يَتلفَّظَ به بحَيثُ يُسمِعُ نَفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا لم يُقبَلْ.

وقالَ الشَّروانِيُّ: قولُه: (وأنْ يَتلفَّظَ به إلخ)، قالَ في «الأنوَار»: الخامِسُ مِنْ شُروطِ الاستِثناءِ: أنْ يُسمِعَ غيرَه، وإلا فالقَولُ قولُها في نَفيِه، وحُكِمَ بالوُقوعِ إذا حلَفَتْ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وهل يُشترطُ أنْ يُسمِعَ نَفسَه؟ أو يَكفي تَحرُّكُ لِسانِه بالاستثناءِ وإنْ كانَ بحَيثُ لا يَسمعُه؟ فاشتَرطَ أصحابُ أحمدَ وغيرُهم أنه لا بُدَّ وأنْ يكونَ بحَيثُ يَسمعُه هو أو غيرُه، ولا دَليلَ على هذا مِنْ لُغةٍ ولا عُرفٍ ولا شَرعٍ، وليسَ في المَسألةِ إجماعٌ.

قالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ -واللَّفظُ لصَاحبِ «الذَّخيرة»: وشَرطُ الاستثناءِ أنْ يَتكلَّمَ بالحُروفِ، سَواءٌ كانَ مَسموعًا أو لم يَكنْ عندَ الشيخِ أبي الحسَنِ الكَرخِيِّ، وكانَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ يَقولُ: لا بُدَّ وأنْ يُسمِعَ نَفسَه، وبه كانَ يُفتِي الشيخُ أبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ الفَضلِ.

وكانَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ يَميلُ إلى هذا القَولِ، وباللهِ التَّوفيقُ، وهذا بعضُ ما يَتعلَّقَ بمَخرجِ الاستِثناءِ، ولعلَّكَ لا تَظفَرُ به في غيرِ هذا الكِتابِ (٢).

(١) «تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني» (٩/ ٤٣٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٥٣٨)، و «الديباج» (٣/ ٤٣٣).
(٢) «إعلام الموقعين» (٤/ ٨١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى نفس الركن

أَنَّك طَالِقٌ، وَأُخْبِرُكِ أَنَّ عَلَيْكِ أَلْفُ دِرْهَمٍ.

وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا يَقَعُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ بِأَلْفٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ يَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِثُلُثِ الْأَلْفِ، وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا يَقَعُ ثَلَاثَةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ بِثُلُثِ الْأَلْفِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.

(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ كَلِمَةَ عَلَى فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَحَرْفَ الْبَاءِ سَوَاءٌ يُقَالُ بِعْت عَنْك بِأَلْفٍ، وَبِعْت مِنْك عَلَى أَلْفٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَوْنُ الْأَلْفِ بَدَلًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 113 - 115

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله