شروط صحة الاستثناء في الطلاق

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > شروط صحة الاستثناء في الطلاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

شروط صحة الاستثناء في الطلاق - الأقوال والأدلة

وأمَّا إنْ علَّقَ الطلاقَ بمَشيئةِ مَنْ تَصحُّ مَشيئتُه ويُتوصَّلُ إلى عِلمِها فلا خِلافَ في مَذهبِ مالكٍ أنَّ الطلاقَ يَقفُ على اختيارِ الذي علِّقَ الطلاقَ بمَشيئتِه.

وأمَّا تَعليقُ الطلاقِ بمَشيئةِ مَنْ لا مَشيئةَ له ففيهِ خِلافٌ في المَذهبِ، قيلَ: يَلزمُه الطلاقُ، وقيلَ: لا يَلزمُه، والصبيُّ والمَجنونُ داخِلانِ في هذا المعنَى، فمَن شبَّهَه بطِلاقِ الهَزلِ وكانَ الطلاقُ بالهَزلِ عندَه يَقعُ قالَ: يَقعُ هذا الطلاقُ، ومَن اعتبَرَ وُجودَ الشرطِ قالَ: لا يَقعُ؛ لأنَّ الشرطَ قد عُدِمَ ههُنا (١).

شُروطُ صِحةِ الاستِثناءِ في الطَّلاقِ:

يُشترطُ لصحَّةِ الاستثناءِ في الطلاقِ -سَواءٌ كانَ الاستِثناءُ لُغويًّا ك: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا واحِدةً»، أو شَرعيًّا ك: «أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ» - شُروطٌ:

الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الكَلامُ مُتَّصِلًا:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في الكَلامِ أنْ يَكونَ مُتَّصلًا -أي اتَّصالُ المُستثنَى بالمُستثنَى منه- بحَيثُ يُعدَّانِ كَلامًا واحدًا عُرفًا، فإنْ فُصلَ بينَهما بكَلامٍ أو سُكوتٍ لَغَا الاستثناءُ ويَثبتُ حُكمُ الطلاقِ، فإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» ثمَّ سكَتَ أو تَكلَّمَ بكَلامٍ أجنَبيٍّ ثمَّ قالَ: «إلا واحدةً، أو: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ سكَتَ ثمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» وقَعَ الطلاقُ؛ لأنه إذا سكَتَ ثبَتَ

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٥٩).

حُكمُ الأوَّلِ، فيَكونُ الاستِثناءُ أو التعليقُ بعدَه رُجوعًا عنه، فلا يُقبَلُ، ولو سكَتَ قدْرَ ما تَنفَّسَ أو عطَسَ أو تَجشَّأَ أو كانَ بلِسانِه ثِقلٌ فَطالَ تَردُّدُه ثمَّ قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» صحَّ الاستثناءُ؛ لأنَّ هذا النوعَ مِنْ الفَصلِ ممَّا لا يُمكِنُ التحرُّزُ عنه، فلا يُعتبَرُ فَصلًا ويُعطَى له حُكمُ الوَصلِ للضَّرورةِ.

ولأنَّ الاستثناءَ المَفصولَ لو كانَ صَحيحًا لَكانَ المُطلِّقُ يَستثني إذا نَدِمَ ولا حاجةَ إلى المُحلِّلِ، وفي تَصحيحِ الاستِثناءِ مَفصولًا إخراجُ العُقودِ كلِّها مِنْ البُيوعِ والأنكِحةِ مِنْ أنْ تَكونَ مُلزِمةً، وإخراجُها مِنْ أنْ تَكونَ مُقيِّدةً لأحكامِها؛ لأنه يَبيعُ أو يَتزوَّجُ أو يُطلِّقُ ثمَّ يَستثني أيَّ وقَتٍ شاءَ، فلو كانَ هذا يَصحُّ لَمَا احتِيجَ إلى الزوجِ الثاني حتى تَحِلَّ للأولِ فيما إذا طلَّقَها ثلاثًا، بلْ كانَ يُؤمَرُ بالاستثناءِ حتى تَبطُلَ الطَّلقاتُ الثلاثُ بهِ، وكذا بيَّنَ اللهُ تعالَى ورَسولُه أحكامَ الحِنثِ في الأيمانِ، ولو كانَ الاستثناءُ المَفصولُ جائزًا لَأمَرَ اللهُ به حتى لا يَلزمَه الحِنثُ ولا الإثمُ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وشَرطُه أنْ يَكونَ الاستِثناءُ مَوصولًا بما قبلَه مِنْ الكَلامِ عندَ عَدمِ الضَّرورةِ، حتى لو حصَلَ الفَصلُ بينَهُما بسُكوتٍ أو غيرِ ذلكَ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ لا يَصحُّ، وهذا قَولُ عامَّةِ الصحابةِ رضي الله عنهم وعامَّةِ العُلماءِ، إلا شيئًا رُويَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ ويَصحُّ متَّصِلًا ومُنفصِلًا … (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٥٤، ١٥٥)، و «المبسوط» (٨/ ١٤٣)، و «الاختيار» (٣/ ١٧٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١١٦)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٣٩٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٧٧)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٥٣، ٥٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٨٣)، و «البيان» (١٠/ ١٣١، ١٣٢)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٣١)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٤٨٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٣٣، ٤٣٤)، و «الديباج» (٣/ ٤٣٣)، و «المغني» (٩/ ٤١٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣١١)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٨٣)، و «منار السبيل» (٣/ ١٠٨، ١٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)

(باب الطلاق بالحساب والاستثناء من الجامع من كتابين)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ فَإِنْ نَوَى مَقْرُونَةً بِاثْنَتَيْنِ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَى الْحِسَابَ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَوَاحِدَةٌ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ حَالَهُ فِيهِ ثلاثة أقسام:

أحدهما: أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ ثَلَاثًا لِأَنَّ (فِي) قَدْ تَقُومُ مَقَامَ مَعَ، لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الصِّفَاتِ الَّتِي يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} الأنبياء: ٧٧ . أَيْ عَلَى الْقَوْمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ الْحِسَابَ وَهُوَ مَضْرُوبُ وَاحِدَةٍ فِي اثْنَتَيْنِ، فَتُطَلَّقَ اثْنَتَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مَضْرُوبُ الْوَاحِدَةِ فِيهِمَا.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل طلاق السنة]

وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ، فَلَا عُهْدَةَ.

(فَصْلٌ) .

طَلَاقُ السُّنَّةِ: وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ

ــ

منح الجليل

الْمُدَّعِيَةُ، فَعَلَيْهَا الْبَيَانُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهِمَا.

(وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُخَالَعِ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ الْخُلْعِ (فَلَا عُهْدَةَ) أَيْ ضَمَانَ عَلَيْهَا وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ غَائِبًا عَلَى الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ يَمُوتُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ بَائِعِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ ضَمَانُ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْآبِقُ الْمُخَالَعُ بِهِ فَعُهْدَتُهُ وَضَمَانُهُ عَلَى الزَّوْجِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ مَوْتُهُ قَبْلَ الْخُلْعِ بِهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ قَبْلَهُ فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ آبِقًا وَبَانَتْ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ طَلَاقُ السُّنَّةِ

(فَصْلٌ) (فِي بَيَانِ شُرُوطِ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) .

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في حكم الإيلاء

فِي الْجِمَاعِ لِيَكُونَ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِقَدْرِ الظُّلْمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ.

وَأَمَّا وَقْتُ الْفَيْءِ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُولِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ إيلَائِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا تَبِينُ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، وَفِي غَيْرِهَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْلِفُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 101 - 102

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله