الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > شروط صحة التعليق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةشُروطُ صحَّةِ التَّعليقِ:
يُشتَرطُ لوُقوعِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ على شَرطٍ ما يَلي:
١ - أنْ يكونَ الشَّرطُ المُعلَّقُ عليهِ مَعدومًا عِنْدَ الطَّلاقِ، وعلى خطَرِ الوُجودِ في المُستقبَلِ، أي مُتردِّدًا بيْنَ أنْ يكونَ وأنْ لا يكونَ، فإنْ كانَ الشَّرطُ مَوجودًا عِنْدَ التَّعليقِ -كما إذا قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ كانَ أخُوكِ مَعنَا الآنَ» وهوَ مَعهُما- فإنهُ طلاقٌ صَحيحٌ مُنجَّزٌ يقَعُ للحالِ وليسَ مُعلَّقًا.
فأمَّا إنْ كانَ مُحقَّقَ الوُقوعِ -كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ كانَ السَّماءُ فَوقَنا، أو: أنتِ طالِقٌ إنْ كُنْتِ حامِلًا» وكانَتْ حامِلًا- فهو تَنجيزٌ عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ.
وإنْ عَلَّقَه بشيءٍ مُستحيلِ الوُقوعِ -ك: «إنْ دخَلَ الجمَلُ في سَمِّ الخِياطِ فأنتِ طالِقٌ» - فلا يَقعُ عِنْدَ الحَنفيَّةِ والحَنابلةِ في قَولٍ؛ لأنَّ غرَضَه منهُ تَحقيقُ المَنفيِّ حَيثُ عَلَّقَه بأمرٍ مُحالٍ؛ لأنَّ الشَّرطَ للحَملِ والمَنعِ، وهو لا يُتصوَّرُ فيهِ.
وذهَبَ المالِكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يقَعُ مُنجَّزًا في الحالِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٣٧، ١٣٢)، و «درر الحكام» (٤/ ٢٧٨)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٤٢)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٧٨، ٨٨)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٢٨٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٥٥، ١٠٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٨٦، ٣٦٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٨٠)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٦٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٥١٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٧٤، ٥٧٥)، و «الإنصاف» (٩/ ٤٢، ٤٤).
٢ - أنْ يكونَ التَّعليقُ مُتَّصِلًا بالكَلامِ، فإنْ فصَلَ عَنهُ بسُكوتٍ -بأنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ سكَتَ ثمَّ قالَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ» - أو حصَلَ فصلٌ بكَلامٍ أجنبيٍّ -نحوُ: «أنتِ طالِقٌ، ثمَّ قالَ لها: أعطِنِي ماءً، ثمَّ قالَ: إنْ لَم تَدخُلي الدَّارَ» - فإنهُ يُنجَّزُ عليهِ الطَّلاقُ في الحالِ.
إلَّا إذا كانَ السُّكوتُ لحاجةٍ، كما إذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ تَنفَّسَ للضَّرورةِ ثمَّ قالَ لها: «إنْ دخَلْتِ الدَّارَ، أو دارَ فُلانٍ» فلا يُنجَّزُ عليهِ وهوَ مُعلَّقٌ، ولا يَقعُ إلَّا بدُخولِها الدَّارَ المَحلوفَ عَليها (١).
٣ - أنْ لا يَقصدَ بهِ المُجازاةَ -أي إغاظَتَها بالطَّلاقِ-، فإنْ أرادَ بهِ المُجازاةَ وقَعَ في الحالِ عِنْدَ الشَّافعيَّةِ، كما لَو قالَتْ لزَوجِها: «يا سَفيهُ، أو يا خَسيسُ» فقالَ لها: «إنْ كُنْتُ كذلكَ -أي سَفيهًا أو خَسيسًا- فأنتِ طالِقٌ»، فإنْ أرادَ بذلكَ مُكافأتَها بإسماعِ ما تَكرهُ -أي إغاظَتَها بالطَّلاقِ- كما أغاظَتْه بالشَّتمِ المَكروهِ -والمَعنى: «إنْ كُنْتُ كذلكَ في زَعْمِكِ فأنتِ طالِقٌ» - طَلُقَتْ حالًا، سَواءٌ كانَ سَفيهًا أو خَسيسًا أو لم يكنْ.
وإنْ أرادَ التَّعليقَ اعتُبِرَتِ الصِّفةُ -أي الخِسَّةُ أو السَّفهُ- كما هو سَبيلُ التَّعليقاتِ، فإنْ لم تكنْ مَوجودةً لم تَطلُقْ.
وكذا تُعتبَرُ الصِّفةُ إنْ أطلَقَ بأنْ لَم يَقصِدْ شَيئًا، لا مُكافأتَها ولا غَيرَهُ، في الأصَحِّ؛ نَظرًا لوَضعِ اللَّفظِ فلا تَطلُقُ عِنْدَ عَدمِها.
(١) «البحر الرائق» (٤/ ٣)، و «الأشباه والنظائر» ص (٣٦٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٤٣)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (١/ ٢٦٠)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢٧٨).
والثَّاني: لا تُعتبَرُ الصِّفةُ؛ حَملًا على المُكافأةِ اعتِبارًا بالعُرفِ.
ومَن قيلَ لهُ: «يا زوْجَ القَحْبةِ» فقالَ: «إنْ كانَتْ زَوجَتِي كذا فهي طالِقٌ» طَلُقَتْ إنْ قصَدَ التَّخلُّصَ مِنْ عارِها كما لو قصَدَ المُكافأةَ، وإلَّا اعتُبِرَتِ الصِّفةُ، والقَحبَةُ هيَ البَغيُّ.
فإذا وَصفَتْ زوْجَها بشيءٍ مِنْ ذلكَ فقالَ لها: «إنْ كُنْتُ كذلكَ فأنتِ طالِقٌ» فإنْ قصَدَ مُكافأتَها طَلُقَتْ في الحالِ، وإلا اعتُبِرَ مَوجودَ الصِّفةِ (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: شَرطُ الطَّلاقِ المُعلَّقِ أنْ لا يَقصِدَ بهِ المُجازاةَ، فلو سَبَّتهُ بنَحوِ قَرْطَبانِ وسِفْلَةٍ فقالَ: «إنْ كُنْتُ كمَا قُلتِ فأنتِ طالِقٌ» تَنجَّزَ، سَواءٌ كانَ الزَّوجُ كما قالَتْ أو لم يَكنْ؛ لأنَّ الزَّوجَ في الغالِبِ لا يُريدُ إلَّا إيذاءَها بالطَّلاقِ كما آذَتْهُ، فإنْ أرادَ التَّعليقَ بأنْ قالَ: «أردْتُ الشَّرطَ -يعني: إنْ كُنْتُ أنا قَرْطَبانَ أو سِفْلَةً- يُديَّنُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، ولا يقَعُ ما لم يَكنْ قَرطَبانَ أو سِفْلَةً (٢).
٤ - أنْ يَذكُرَ المَشروطَ في التَّعليقِ -أي فِعلَ الشَّرطِ-؛ لأنهُ مَشروطٌ لوُجودِ الجَزاءِ، فإنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ إنْ» فهوَ لغوٌ على الصَّحيحِ المُفتَى
(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٤٩٢، ٤٩٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٩٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٥٨٥، ٥٨٧)، و «الديباج» (٣/ ٤٧٦، ٤٧٧).
(٢) «شرح فتح القدير» (٤/ ١٢٨)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣)، و «الأشباه والنظائر» ص (٣٦٧)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٦٥)، و «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٣٤٣).
بهِ، وهوَ قولُ أبي يُوسفَ، فلا تَطلُقُ؛ لأنهُ ما أرسَلَ الكَلامَ إرسالًا، وكذا لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا لو لا، أو: وإلَّا، أو: إنْ كانَ، أو: إنْ لم يكنْ».
وقالَ مُحمدٌ: تَطلُقُ للحالِ (١).
٥ - وُجودُ رابطٍ: وهوَ أداةٌ مِنْ أدواتِ الشَّرطِ (٢).
أدواتُ أو ألفاظُ الشَّرطِ هيَ: «إنْ، وإذا، وإذا ما، وكُلُّ، وكُلَّما، ومتَى، ومتَى ما»؛ لأنَّ الشَّرطَ مُشتَقٌّ مِنْ الشَّرطِ الَّذي هوَ بمعنَى العَلامةِ، ومنهُ: أشراطُ السَّاعةِ، أي عَلاماتُها، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، فسُمِّيَتْ هذهِ الألفاظُ بهِ لاقتِرانِها بالفِعلِ الَّذي هوَ عَلامةُ الحِنثِ؛ لأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَتعلَّقُ بما هوَ على خَطرِ الوُجودِ، وهو الأفعالُ دونَ الأسماءِ؛ لاستِحالةِ معنَى الخَطَرِ فيها.
قالَ الحنفيَّةُ: ففي هذهِ الألفاظِ إذا وُجِدَ الشَّرطُ انحَلَّتِ اليَمينُ ووقَعَ الطَّلاقُ، أي إذا وُجِدَ الشَّرطُ مرَّةً واحدةً وقَعَ الطَّلاقُ بذلكَ، ولا يَقعُ مرَّةً ثانيةً؛ لأنها غَيرُ مُقتضيةٍ للعُمومِ والتَّكرارِ لغةً، فبوُجودِ الفِعلِ مَرةًّ يَتمُّ الشَّرطُ، ولا بقاءَ لليَمينِ بدُونِه؛ لأنَّ أثَرَ الشَّرطِ قد زالَ بوُجودِه مرَّةً واحِدةً.
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢١)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣)، و «الأشباه والنظائر» ص (٣٦٧)، و «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٣٤٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢١)، و «البحر الرائق» (٤/ ٣)، و «الأشباه والنظائر» ص (٣٦٧)، و «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٣٤٤).
إلَّا في «كُلَّما»؛ فإنَّ الطَّلاقَ يَتكرَّرُ بتَكرُّرِ الشَّرطِ حتَّى يقَعَ ثلاثَ تَطليقاتٍ؛ لأنَّ «كُلَّما» تَقتضي تَعميمَ الأفعالِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، وقالَ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، فكُرِّرَ النُّضجُ وإرادةُ الخُروجِ وذلكَ أفعالٌ.
فإذا قالَ لامرَأتِه: «كُلَّما دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدخَلَتِ الدَّارَ طَلُقَتْ، ثمَّ إذا دخَلَتْ طَلُقَتْ، ثمَّ إذا دخَلَتْ طَلُقَتْ، ولا زائِدَ في الشَّريعةِ على ثَلاثِ طَلقاتٍ، فلا يقَعُ شيءٌ بعْدَها (١).
وقالَ الشَّافِعيةُ: أدَواتُ التَّعليقِ بالشَّرطِ والصِّفاتِ كثيرةٌ مِنها: «إنْ» وهي أمُّ البابِ، نحوُ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ»، و «مَنْ» بفَتحِ الميمِ، ك: «مَنْ دَخلَتْ مِنْ نِسائي الدَّارَ فهيَ طالِقٌ»، و «إذا» و «متَى» و «متَى ما» بزِيادةِ ما، و «كُلَّما» نَحوُ: «كُلَّما دَخلَتِ الدَّارَ واحِدةٌ مِنْ نِسائي فهيَ طالِقٌ»، و «أي» ك: «أيَّ وَقتٍ دخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ».
ومِن الأدَواتِ «إذْ ما» و «مَهْمَا» وهيَ بِمعنَى ما و «ما الشَّرطيَّةُ» و «أيًّا ما» كَلمةٌ و «أيَّانَ» وهيَ كمتَى في تَعميمِ الأزمانِ، و «أينَ» و «حَيثُما» لتَعميمِ الأمكِنةِ، و «كَيفَ» و «كَيفَما» للتَّعليقِ على الأحوالِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢١)، و «الهداية» (١/ ٢٥١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٢٣٣)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٤٢٩، ٤٣٢)، و «العناية» (٥/ ٣٤٦، ٣٤٧)، و «درر الحكام» (٤/ ٢٨٠).
وهذهِ الأدَواتُ لا تَقتضِي الوُقوعَ بالوَضعِ فَورًا في المُعلَّقِ عليهِ ولا تَراخِيًا إنْ علَّقَ بمُثبَتٍ كالدُخولِ في غَيرِ خُلعٍ، أمَّا فيهِ فإنها تُفيدُ الفَوريَّةَ في بَعضِ صيَغِه ك «إنْ» و «إذا» ك: «إنْ ضَمنْتِ، أو إذا ضَمنْتِ لي ألفًا فأنتِ طالِقٌ»، وكذا تُفيدُ الفَوريَّةَ في التَّعليقِ بالمَشيئةِ نحوُ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئْتِ، أو إذا شِئْتِ»؛ لأنهُ تَمليكٌ على الصَّحيحِ، بخِلافِ «متَى شِئتِ».
ولا تَقتضِي هذهِ الأدَواتُ تَكراريةً في المُعلَّقِ عليهِ، بلْ إذا وُجِدَ مرَّةً واحِدةً في غَيرِ نِسيانٍ ولا إكراهٍ انحَلَّتِ اليَمينُ ولم يُؤثِّرْ وُجودُها ثانيًا، إلَّا في «كُلَّما»؛ فإنَّ التَّعليقَ بها يُفيدُ التَّكرارَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: أدَواتُ الشَّرطِ المُستعمَلةُ في الطَّلاقِ والعِتاقِ سِتَّةٌ: «إنْ، ومَن، وإذا، ومتَى، وأيَّ، وكُلَّما»، وليسَ فيها ما يَقتضِي التَّكرارَ إلَّا «كُلَّما»، فإذا قالَ: «إنْ قُمتِ، أو إذا قُمتِ، أو مَتى قُمتِ، أو أيَّ وَقتٍ قُمتِ، أو مَنْ قامَ مِنْكُنَّ فهي طالِقٌ» فقامَتْ طَلُقَتْ، وإنْ تَكرَّرَ القِيامُ لم يَتكرَّرِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ اللَّفظَ لا يَقتضِي التَّكرارَ، وإنْ قالَ: «كُلَّما قُمتِ فأنتِ طالِقٌ» فقامَتْ طَلُقَتْ، وإنْ تَكرَّرَ القيامُ تَكرَّرَ الطَّلاقَ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقتضِي التَّكرارَ.
وقالَ أبو بكرٍ في: «مَتَى ما» يَقتضِي تَكرارَها؛ لأنها تُستعمَلُ للتَّكرارِ.
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٠٨، ٢٠٩)، و «المهذب» (٢/ ٨٨)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٥٦١، ٥٦٢)، و «الإقناع» (٢/ ٤٤٥، ٤٤٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٥١٠، ٥١١)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٩٧، ٤٩٩)، و «الديباج» (٣/ ٤٥٣، ٤٥٤).
والصَّحيحُ أنها لا تَقتضِيهِ؛ لأنها اسمُ زَمانٍ، فأشبَهَتْ «إذا».
وكلُّ هذهِ الأدَواتِ على التَّراخِي إذا خلَتْ مِنْ حَرفِ «لَم»، فإنْ صَحِبَتْها «لَم» كانَتْ «إنْ» على التَّراخي، وفي «إذا» وَجهانِ:
أحَدُهما: هيَ على الفَورِ؛ لأنها اسمُ زَمانٍ، فأشبَهتْ «مَتَى».
والثَّاني: على التَّراخِي؛ لأنها أُخلِصَتْ للشَّرطِ، فهي بمَعنَى «إنْ»، وإنِ احتَملَتِ الأمرَينِ لم يقَعِ الطَّلاقُ بالشَّكِ، وسائِرُ الأدَواتِ على الفَورِ؛ لأنها تَقتَضيهِ، فإذا قالَ: «إنْ لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ» ولم يَنوِ وقتًا بعَينِه ولا دلَّتْ عليهِ قَرينةٌ لَم يقَعِ الطَّلاقُ إلَّا عِنْدَ قُربِه مِنهُ، وذلكَ في آخِرِ جُزءٍ مِنْ حَياةِ أحَدِهما، وإنْ قالَ: «متَى لم أُطلِّقكِ، أو أيَّ وَقتٍ لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ، أو مَنْ لم أُطلِّقْها مِنْكُنَّ فهي طالِقٌ» فمضَى زَمنٌ يُمكِنُ طلاقُها ولَم يُطلِّقْها طَلُقَتْ، وإنْ قالَ: «إذا لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ» فهل تَطلُقُ في الحالِ؟ أو في آخِرِ حَياةِ أحَدِهما؟ على وَجهَينِ، وإنْ قالَ: «كُلَّما لم أُطلِّقْكِ فأنتِ طالِقٌ» فمَضى زَمنٌ يُمكِنُ طلاقُها ثلاثًا ولَم يُطلِّقْها طَلُقَتْ ثلاثًا؛ لأنَّ مَعناهُ «كُلَّما سَكتتُّ عَنْ طلاقِكِ فأنتِ طالِقٌ» وقَد سكَتَ ثلاثَ سَكتاتٍ في ثلاثةِ أوقاتٍ (١).
وكَلامُ المالكيَّةِ لا يَخرُجُ عَنْ كلامِ سائِرِ المَذاهبِ الفِقهيَّةِ.
(١) «المغني» (٧/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «الكافي» (٣/ ١٩٠، ١٩١)، و «المحرر في الفقه» (٢/ ٦٣)، و «المبدع» (٧/ ٢٣٧، ٢٣٨)، و «الإنصاف» (٩/ ٦٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٢٨، ٣٣٠)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٠١).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل شروط بقاء النكاح
إحْدَاثَ هَذَا الْمِلْكِ، وَبِالْفَسْخِ لَا يَظْهَرُ أَنَّ إحْدَاثَ الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ، فَلَا يَرْتَفِعُ مَا يُقَابَلُ، وَهُوَ الْمَهْرُ، فَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْعُيُوبَ لَا تَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ أَمَّا الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، فَلَا يُشْكِلُ، وَكَذَلِكَ الرَّتَقُ وَالْقَرَنُ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ يُقْطَعُ وَالْقَرَنُ يُكْسَرُ، فَيُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِوَاسِطَةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُفْسَخْ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ كَذَا هَذَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، فَنَقُولُ بِمُوجِبِهِ أَنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِنَابُ عَنْهُ، وَالْفِرَارُ يُمْكِنُ بِالطَّلَاقِ لَا بِالْفَسْخِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ طَرِيقِ الِاجْتِنَابِ وَالْفِرَارِ، وَأَمَّا الثَّانِي، فَالصَّحِيحُ مِنْ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَهَا الْحَقِي بِأَهْلِك، وَهَذَا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ عِنْدَنَا، وَالْكَلَامُ فِي الْفَسْخِ وَالرَّدِّ الْمَذْكُورُ فِيهِ قَوْلُ الرَّاوِي، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً أَوْ تَحْمِلُهُ عَلَى الرَّدِّ بِالطَّلَاقِ عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
وَخُلُوُّ النِّكَاحِ مِنْ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلُزُومِ النِّكَاحِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَرَهَا لَا خِيَارَ لَهُ إذَا رَآهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَكَذَا خُلُوُّهُ عَنْ خِيَارِ الشَّرْطِ سَوَاءٌ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلْمَرْأَةِ أَوْ لَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَجَازَ النِّكَاحُ.
فَصْلٌ شُرُوط بَقَاءِ النِّكَاحِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.