من حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > من حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

من حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه - الأقوال والأدلة

مَنْ حلَفَ على زَوجتِه أنْ لا تَخرُجَ إلا بإذنِهِ:

الزَّوجُ إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني، أو بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ، أو قالَ: إنْ خَرجْتِ إلَّا أنْ آذَنَ لكِ، أو حتَّى آذَنَ لكِ، أو إلى أنْ آذَنَ لكِ» فالحُكمُ في هَذهِ الألفاظِ الخَمسةِ أنها متَى خَرجَتْ بغَيرِ إذنِهِ طَلُقَتْ وانحَلَّتْ يَمينُه؛ لأنَّ حرْفَ «أنْ» لا يَقتَضِي تَكرارًا، فإذا حنَثَ مرَّةً انحَلَّتْ كما لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ إنْ شِئْتِ»، وإنْ أَذِنَ لها فخَرجَتْ لم يَحنَثْ بلا رَيبٍ؛ لعَدمِ المُخالَفةِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بيْنَ الفُقهاءِ (١).

وأمَّا لو أَذِنَ لها ثمَّ خَرجَتْ بإذنِهِ ثمَّ خَرجَتْ بعْدَ ذلكَ بغَيرِ إذنِهِ هل تَطلُقُ أم لا؟ فهذا لا يَخلُو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:

القِسمُ الأوَّلُ: ما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّها تَنعقِدُ على مرَّةٍ واحِدةً ولا تُوجِبُ التَّكرارَ، وذلكَ لفْظَتَا «إلى» و «حتى»، فإذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ إنْ خَرجْتِ إلى أنْ آذَنَ لكِ، أو حتَّى آذَنَ لكِ» فتَنعقِدُ يَمينُه على خُروجِها مرَّةً واحِدةً بإذنِه، فإنْ خَرجَتْ مرَّةً واحِدةً بإذنِه بَرَّ وانحَلَّتْ يَمينُه، ولا يَحنَثُ وإنْ خَرجَتْ بعْدَ ذلكَ بغَيرِ إذنِه.

والقِسمُ الثَّاني: ما اتَّفقُوا على أنَّها تَنعقِدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ،

(١) «المبسوط» (٨/ ١٧٣)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٩١)، و «المغني» (١٠/ ٤٦)، و «الكافي» (٤/ ٤٠٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٤٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٥٤، ٣٥٥).

وهيَ لفظَةٌ واحِدةٌ، وذلكَ قَولُه: «كُلمَّا دَخلْتِ الدَّارَ بغَيرِ إِذني فأنتِ طالِقٌ»، فلَفظةُ «كُلمَّا» مَوضوعةٌ للتَّكرارِ، فبِرُّه يكونُ بإذنِه لها في كُلِّ مرَّةٍ، وحِنثُه يكونَ بأنْ لا يأذَنَ لها في كُلِّ مرَّةٍ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً بغَيرِ إذنِه حنَثَ وطَلُقَتْ واحِدةً ولم تَسقُطْ يَمينُه، وإنْ خَرجَتْ ثالثةً بغَيرِ إذنهِ حنَثَ وطَلُقَتْ ثالثةً وسَقطَتْ يَمينُه بعْدَها؛ لاستيفاءِ ما ملَكَه مِنْ طلاقِها، ولو أَذِنَ لها بالخُروجِ ثلاثَ مرَّاتٍ مِنْ ثَلاثِ خَرَجاتٍ بَرَّ ولَم تَنحلَّ يَمينُه؛ لبَقاءِ الطَّلاقِ، فإنْ خَرجَتْ رابِعةٍ بغَيرِ إذنِه طَلُقَتْ، فيُقدَّرُ الحِنثُ بالثَّلاثِ، ولم يَتقدَّرْ بها البِرُّ؛ لاعتِبارِ الحِنثِ بما ملَكَه مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، فلو خَرجَتْ مرَّةً بإذنِه وثانيةً بغَيرِ إذنِه وثالِثةً بإذنِه ورابِعةً بغَيرِ إذنِه بَرَّ في خَرْجَتينِ: الأُولى والثَّالثةِ، وحنَثَ في خَرجَتَينِ: في الثَّانيةِ والرَّابعةِ، ثمَّ على هذهِ العِبرةِ.

والقِسمُ الثَّالثُ: ما اختُلفَ فيهِ: هل تَنعقِدُ يَمينُه على مرَّةٍ واحِدةٍ؟ أم على التَّكرارِ؟ وذلكَ فيما عدَا القِسمَينِ الماضِيَينِ مِنْ الألفاظِ، وهيَ خَمسةُ ألفاظٍ:

أحَدُها: «إنْ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ إلَّا بإذني فأنتِ طالِقٌ».

والثَّانيةُ: «إنْ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ إلَّا أنْ آذَنَ لكِ فأنتِ طالِقٌ».

والثَّالثةُ: «إنْ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ».

والرَّابعةُ: «أيَّ وقتٍ خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ».

والخامِسةُ: «متَى خَرجْتِ مِنْ الدَّارِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ».

فاختَلفُوا في انعِقادِ اليَمينِ بهذهِ الألفاظِ، هل تُوجِبُ التَّكرارَ في البِرِّ والحِنثِ؟ على ثَلاثةِ مَذاهبَ للفُقهاءِ:

المذهَبُ الأوَّلُ: وهوَ مَذهبُ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ أنها تَنعقِدُ على مرَّةٍ واحدَةٍ في البِرِّ والحِنثِ، ولا تُوجِبُ التَّكرارَ في بِرٍّ ولا حِنثٍ، فإنْ خَرجَتْ مرَّةً واحِدةً بإذنٍ بَرَّ وانحَلَّتِ اليَمينُ، ولا يَحنَثُ إنْ خَرجَتْ بعْدَ ذلكَ بغَيرِ إذنٍ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً واحِدةً بغَيرِ إذنٍ حنَثَ وسقَطَتِ اليَمينُ، ولا يَعودُ الحِنثُ إنْ خَرجَتْ بعْدَه بغَيرِ إذنٍ.

لأن كُلَّ يَمينٍ اشتَملَتْ على مَنعٍ وتَمكينٍ وجَبَ أنْ يكونَ البِرُّ فيها مُقابِلًا للحِنثِ في وُجوبِ التَّكرارِ وسُقوطِه، كالمَعقودُ بلَفظِ الغايَةِ في سُقوطِ التَّكرارِ، وكالمَعقودةِ ب «كُلَّما» في وُجوبِ التَّكرارِ.

ولأنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأيمانِ مُعتبَرانِ بالعَقدِ، فإنْ أوجَبَ تَكرارِ المَنعِ والتَّمكينِ أوجَبَ تَكرارَ البِرِّ والحِنثِ، وإنْ لم يُوجِبْ تَكرارَهُما لم يَتكرَّرْ البِرِّ والحِنثِ، ولَفظُ التَّكرارِ مَعدومٌ في قَولِه: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني»، فانعَقدَ على مرَّةٍ، ومَوجودٌ في قَولِه: «كُلَّما خَرجْتِ بغَيرِ إذني»، فانعَقدَ على كُلِّ مرَّةٍ، ألَا تَراهُ لو قالَ لها: «إنْ خَرجْتِ بإذني فأنتِ طالِقٌ» انعَقدَتْ على مرَّةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجْتِ بإذني فأنتِ طالِقٌ» انعَقدَتْ على مرَّةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجْتِ بإذني» انعَقدَتْ على التَّكرارِ وما انعَقدَتْ

عليهِ اليَمينُ، سواءٌ في البِرِّ والحِنثِ، في التَّكرارِ والانفِرادِ؛ لأنَّ عقْدَها إنْ قابَلَتْ مُقتَضاها كانَ حُكمُها مَقصورًا عليهِ (١).

والمذهَبُ الثَّاني: وهو مَذهبُ المالكيَّةِ في المَشهورِ والحَنابلةِ في المَذهبِ أنها تَنعقِدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً بإذنٍ بَرَّ ولم يَنحلَّ اليَمينُ، وإنْ خَرجَتْ مرَّةً بغَيرِ إذنٍ حنَثَ ولم تَسقُطِ اليَمينُ؛ لأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على شَرطٍ وقدْ وُجدَ، فيَقعُ الطَّلاقُ كما لَو لم تَخرجْ بإذنِه (٢).

قالَ الحنابلةُ: إذا قالَ لزَوجَتِه: «إنْ خَرجْتِ بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ خَرجْتِ حتَّى آذَنَ لكِ فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها فخَرجَتْ ثمَّ خَرجَتْ بغَيرِ إذنِه طَلُقَتْ؛ لأنَّ «خَرجْتِ» نكِرةٌ في سياقِ الشَّرطِ، وهيَ تَقتضِي العُمومَ، فقَدْ صدَقَ أنها خَرجَتْ بغَيرِ إذنِه، إلَّا أنْ يَنويَ الإذنَ مرَّةً ويأذَنَ لها فيهِ ثُمَّ تَخرجُ بعدُ فلا حِنثَ، أو يَقولَ الإذنَ مرَّةً بلَفظِه بأنْ يقولَ: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بإذني مرَّةً فأنتِ طالِقٌ»؛ فإذا أَذِنَ فيهِ مرَّةً لم يَحنَثْ بخُروجِها بعدُ بغَيرِ إذنِه، وأمَّا إنْ قالَ: «إنْ خَرجْتِ مرَّةً بغَيرِ إذني فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ أَذِنَ لها في الخُروجِ ثمَّ خَرجَتْ بغَيرِ إذنهِ حنَثَ؛ لأنَّ

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣٩١، ٣٩٤)، و «البيان» (١٠/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٤٣).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٢٥، ٣٤١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٧٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٩٨، ٤١٧)، و «منح الجليل» (٣/ ٣٥).

الخُروجَ الثَّاني خُروجٌ غَيرُ مأذونٍ فيهِ، وهوَ مَحلوفٌ عَليهِ، أشبَهَ ما لو خَرجَتِ ابتِداءً بغَيرِ إذنِه.

فإنْ أَذِنَ لها في الخُروجِ كُلَّما شاءَتْ بأنْ قالَ لها: «اخرُجي كُلَّما شِئْتِ» لَم تَطلُقْ بخُروجِها؛ للإذنِ العامِّ، فلم تَخرُجْ إلَّا بإذنِه (١).

والمذهَبُ الثَّالثُ: وهوَ مذهَبُ الحَنفيَّةِ، قالوا: إذا حلَفَ على امرَأتِه بالطَّلاقِ أنْ لا تَخرُجَ حتَّى يأذَنَ لها فأَذِنَ لها مرَّةً سقَطَتِ اليَمينُ؛ لأنَّ «حتَّى» للغايَةِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)[القدر: ٥]، واليَمينُ يَتوقَّتُ بالتَّوقيتِ، ومِن حُكمِ الغايةِ أنْ يكونَ ما بعْدَها بخِلافِ ما قبْلَها، فإذا انتَهتِ اليَمينُ بالإذنِ مرَّةً لم يَحنَثْ بعْدَ ذلكَ وإنْ خَرجَتْ بغَيرِ إذنِه، إلَّا أنْ يَنويَ الإذنَ في كُلِّ مرَّةٍ، فحِينئذٍ يَكونُ مُشدِّدًا الأمرَ على نَفسِه بلفظٍ يَحتمِلُه.

ولو قالَ: «لا تُخرُجي إلَّا بإذني» فلا بُدَّ مِنْ الإذنِ لكُلِّ مرَّةٍ، حتَّى إذا خرَجَتْ مرَّةً بغَيرِ إذنِه حنَثَ؛ لأنَّه استَثنَى خُروجًا بصِفةٍ، وهوَ أنْ يكونَ بإذنِه، فإنَّ «الباءَ» للإلصاقِ، فكُلُّ خُروجٍ لا يكونُ بتِلكَ الصِّفةِ كانَ شَرط الحنثِ، ومعنى كَلامِه: «إلَّا مُستَأذِنةً»، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] أي مَأمُورِينَ بذلكَ، ونَظيرُه: «إنْ خَرجْتِ إلَّا بقِناعٍ، أو إلَّا

(١) «المغني» (١٠/ ٤٦)، و «الكافي» (٤/ ٤٠٧)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٤٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٣٥٤، ٣٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في أحكام الاستنابة على الطلاق]

فَصْلٌ) إنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا؛ فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ، لَا تَخْيِيرًا، أَوْ تَمْلِيكًا.

ــ

منح الجليل

رَبِيعَةَ عَلَى الْعُمُومِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الطَّلْقَاتِ دُونَ تَعْلِيقٍ وَالتَّعَالِيقَ الْمُتَّفِقَةَ وَالْمُخْتَلِفَةَ فَيَكُونُ خِلَافًا لِلْإِمَامِ فِي التَّلْفِيقِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ، لَكِنَّ تَعْبِيرَهُ بِيَمِينٍ يَمْنَعُهُ وَيُعَيِّنُ الْحَمْلَ عَلَى الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ

فَصْلٌ فِي أَحْكَام الِاسْتِنَابَة عَلَى الطَّلَاق

وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَوْكِيلٌ وَإِرْسَالٌ وَتَمْلِيكٌ وَتَخْيِيرٌ (إنْ فَوَّضَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ (لَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (تَوْكِيلًا) أَيْ جُعِلَ إنْشَاءً لَهَا بَاقِيًا لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ إنْ شَاءَ فَخَرَجَ بِالْإِنْشَاءِ الْإِرْسَالُ وَبِبَقَاءِ الْمَنْعِ التَّمْلِيكُ وَالتَّخْيِيرُ (فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (الْعَزْلُ) أَيْ مَنْعُهَا مِنْ إيقَاعِهِ قَبْلَهُ اتِّفَاقًا عَلَى قَاعِدَةِ التَّوْكِيلِ مِنْ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ) لَهَا بِإِيقَاعِهِ كَقَوْلِهِ لَهَا: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَقَدْ وَكَّلْتُكِ عَلَى طَلَاقِك أَوْ طَلَاقِ الَّتِي أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك ثُمَّ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِرَفْعِ ضَرَرِ الضَّرَّةِ عَنْهَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 566 - 570

ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله