الإسلام > النكاح والأسرة > أركان الطلاق > والألفاظ التي يتكلم بها الناس في الطلاق ثلاثة أنواع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 64 دقيقة قراءةالنَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «لَأنْ يَلِجَ أحَدُكم بيَمينِه في أَهلِه آثَمُ لهُ مِنْ أنْ يُعطيَ الكفَّارةَ الَّتي فرَضَ اللهُ»، وقالَ البُخاريُّ: مَنِ استَلَجَ في أهلِه فهوَ أعظَمُ إثمًا، فقَولُه ﷺ: «يَلِجَ» مِنْ اللَّجاجِ؛ ولهذا سُمِّيَتْ هذهِ الأيمانُ «نُذُر اللَّجاجِ والغَضبِ».
والألفاظُ الَّتي يَتكلَّمُ بها النَّاسُ في الطَّلاقِ ثلاثةُ أنواعٍ:
صِيغةُ التَّنجيزِ والإرسالِ: كقَولِه: «أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» فهذا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ باتِّفاقِ المُسلمِينَ.
الثَّاني: صِيغَةُ قسَمٍ: كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزمُني لَأفعلَنَّ كذا، أو لا أفعَلُ كذا»، فهذا يَمينٌ باتِّفاقِ أهلِ اللُّغةِ واتِّفاقِ طَوائفِ الفُقهاءِ واتِّفاقِ العامَّةِ واتِّفاقِ أهلِ الأرضِ.
الثَّالثُ: صِيغةُ تَعليقٍ: كقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا فامرَأتي طالِقٌ»، فهذه إنْ كانَ قَصدُه بهِ اليَمينُ -وهو الَّذي يَكرهُ وُقوعَ الطَّلاقِ مُطلَقًا كما يَكرهُ الانتِقالَ عَنْ دِينِه- إذا قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ»، أو يقولَ اليَهوديُّ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا مُسلِمٌ» فهو يَمينٌ حُكمُه حُكمُ الأوَّلِ الَّذي هوَ بصِيغةِ القسَمِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فإنَّ اليَمينَ هي ما تَضمَّنَتْ حَضًّا أو مَنعًا أو تَصديقًا أو تَكذيبًا بالتِزامِ ما يَكرهُ الحالِفُ وُقوعَه عِنْدَ المُخالَفةِ، فالحالِفُ لا يكونُ حالِفًا إلَّا إذا كَرِهَ وُقوعَ الجَزاءِ عِنْدَ الشَّرطِ، فإنْ كانَ يُريدُ وُقوعَ الجَزاءِ عِنْدَ الشَّرطِ لم يَكنْ حالِفًا، سَواءٌ كانَ يُريدُ الشَّرطَ وحْدَه ولا يَكرهُ الجَزاءَ عِنْدَ وُقوعِه، أو كانَ يُريدُ الجَزاءَ عِنْدَ
وُقوعِه غيْرَ مُريدٍ لهُ، أو كانَ مُريدًا لهُمَا، فأمَّا إذا كانَ كارِهًا للشَّرطِ وكارِهًا للجَزاءِ مُطلَقًا -يَكرهُ وُقوعَه، وإنَّما التَزمَه عِنْدَ وُقوعِ الشَّرطِ؛ ليَمنَعَ نفْسَه أو غيْرَه ما التَزمَه مِنَ الشَّرطِ، أو ليَحُضَّ بذلكَ- فهذا يَمينٌ.
وإنْ قصَدَ إيقاعَ الطَّلاقِ عِنْدَ وُجودِ الجَزاءِ كقَولِه: «إنْ أَعطَيتِني ألفًا فأنتِ طالِقٌ، وإذا طَهُرْتِ فأنتِ طالِقٌ، وإذا زَنَيتِ فأنتِ طالِقٌ» -وقَصدُه إيقاعُ الطَّلاقِ عِنْدَ الفاحِشةِ لا مُجرَّدُ الحلِفِ عَليها-؛ فهذا ليسَ بيَمينٍ، ولا كفَّارةَ في هذا عِنْدَ أحَدٍ مِنَ الفُقهاءِ فيما عَلمْناهُ، بلْ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ إذا وُجِدَ الشَّرطُ عِنْدَ السَّلفِ وجُمهورِ الفُقهاءِ.
فاليَمينُ الَّتي يَقصِدُ بها الحَضَّ أو المَنعَ أو التَّصديقَ أو التَّكذيبَ بالتِزامِه عِنْدَ المُخالَفةِ ما يَكرهُ وُقوعَه، سَواءٌ كانَتْ بصِيغةِ القسَمِ أو بصِيغةِ الجَزاءٍ؛ يَمينٌ عِنْدَ جَميعِ الخَلقِ مِنَ العَربِ وغَيرِهم؛ فإنَّ كَونَ الكَلامِ يَمينًا مِثلُ كَونِه أمرًا أو نهيًا وخَبَرًا، وهذا المَعنَى ثابِتٌ عِنْدَ جَميعِ النَّاسِ العَربِ وغَيرِهم، وإنَّما تَتنوَّعُ اللُّغاتُ في الألفاظِ لا في المَعاني، بل ما كانَ مَعناهُ يَمينًا أو أمرًا أو نهيًا عِنْدَ العَجمِ فكذلكَ مَعناهُ يَمينٌ أو أمرٌ أو نهيٌ عِنْدَ العَربِ، وهذا أيضًا يَمينُ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهِم، وهو يَمينٌ في العُرفِ العامِّ ويَمينٌ عِنْدَ الفُقهاءِ كُلِّهم.
وإذا كانَ يَمينًا فليسَ في الكِتابِ والسُّنةِ لليَمينِ إلَّا حُكمانِ:
إمَّا أنْ تكونَ اليَمينُ مُنعقِدةً مُحتَرَمةً ففيها الكَّفارةُ.
وإمَّا أنْ لا تكونَ مُنعقِدةً مُحتَرَمةً -كالحلِفِ بالمَخلوقاتِ مِثلَ الكَعبةِ والمَلائكةِ وغَيرِ ذلكَ- فهذا لا كفَّارةَ فيهِ بالاتِّفاقِ، فأمَّا يَمينٌ مُنعقِدةٌ مُحتَرَمةٌ غَيرُ مُكفَّرةٍ فهذا حُكمٌ ليسَ في كِتابِ اللهِ ولا في سُنَّةِ رَسولِه ﷺ، ولا يَقومُ دَليلٌ شَرعيٌّ سالِمٌ عَنِ المُعارِضِ المُقامِ، فإنْ كانَتْ هذهِ اليَمينُ مِنْ أيمانِ المُسلمينَ فقَدْ دَخلَتْ في قَولِه تعالَى للمُسلمينَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وإنْ لَم تكنْ مِنْ أيمانِهم بل كانَتْ مِنَ الحلِفِ بالمَخلوقاتِ فلا يَجبُ بالحِنثِ لا كفَّارةٌ ولا غَيرُها، فتكونُ مُهدَرةً.
فهذا ونَحوُه مِنْ دَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ والاعتِبارِ يُبيِّنُ أنَّ الإلزامَ بوُقوعِ الطَّلاقِ للحالِفِ في يَمينِه حُكمٌ يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنةَ، وحَسْبُ القَولِ الآخَرِ أنْ يكونَ ممَّا يُسوِّغُ الاجتِهادَ، فأمَّا أنْ يُقالَ: «إنهُ لم يَجبْ على المُسلمينَ كُلِّهم العَملُ بهذا القَولِ، ويَحرُمُ عليهِم العَملُ بذلكَ القَولِ» فهذا لا يَقولُه أحَدٌ مِنْ عُلماءِ المُسلمِينَ بعْدَ أنْ يَعرفَ ما بيْنَ المُسلمينَ مِنَ النِّزاعِ والأدلَّةِ، ومَن قالَ بالقَولِ المَرجوحِ وخَفِيَ عليهِ القَولُ الرَّاجحُ كانَ حَسْبُه أنْ يكونَ قَولُه سائِغًا لا يُمنَعُ مِنَ الحُكمِ بهِ والفُتيا بهِ، أمَّا إلزامُ المُسلمِينَ بهذا القَولِ ومَنعُهم مِنَ القَولِ الَّذي دَلَّ عَليه الكِتابُ والسُّنةُ فهذا خِلافُ أمرِ اللهِ ورَسولِه وعِبادِه المُؤمنِينَ مِنَ الأئمَّةِ الأربعَةِ وغَيرِهم، فمَن منَعَ الحُكمَ والفُتيا بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ وتَقليدِ مَنْ نَفَى بذلكَ فقَدْ خالَفَ كِتابَ اللهِ وسُنةَ
رَسولِه وإجماعَ المُسلِمينَ، ولا يَفعلُ ذلكَ إلَّا مَنْ لَم يكنْ عِندَه عِلمٌ، فهذا حَسْبُه أنْ يُعذَرَ، لا يَجبُ اتِّباعُه، ومُعانِدٌ مُتَّبِعٌ لهَواهُ، لا يَقبلُ الحَقَّ إذا ظهَرَ لهُ، ولا يُصغِي لمَن يَقولُه ليَعرِفَ ما قالَ، بَلْ يَتبَعُ هَواهُ بغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾، فإنهُ إمَّا مُقلِّدٌ وإمَّا مُجتهِدٌ، فالمُقلِّدُ لا يُنْكِرُ القولَ الَّذي يُخالِفُ مَتبُوعَه إنكارَ مَنْ يَقولُ هو باطِلٌ، فإنهُ لا يَعلمُ أنهُ باطِلٌ، فَضلًا عَنْ أنْ يُحرِّمَ القولَ بهِ ويُوجِبَ القولَ بقَولِ سلَفِه، والمُجتهِدُ يَنْظُرُ ويُناظِرُ، وهو معَ ظُهورِ قَولِه لا يُسوِّغُ قولَ مُنازعِيه الَّذي ساغَ فيهِ الاجتِهادُ، وهو ما لم يَظهرْ أنهُ خالَفَ نَصًّا ولا إجماعًا، فمَن خرَجَ عَنْ حَدِّ التَّقليدِ السَّائغِ والاجتِهادِ كانَ فيهِ شَبَهٌ مِنَ الَّذينَ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، وكانَ مَنْ اتَّبعَ هَواهُ بغَيرِ هُدًى مِنَ اللهِ، ومَن قالَ: «إنَّه اتَّبعَ هذهِ الفُتيا فوُلِدَ لهُ وَلدٌ بعدَ ذلكَ فهوَ وَلَدُ زِنا» كانَ هذا القائِلُ في غايَةِ الجَهلِ والضَّلالِ والمُشاقَّةِ للهِ ولرَسولِه.
وعلى الجُملةِ إذا كانَ المُلتَزَمُ بهِ قُربةً للهِ تعالَى يَقصدُ بهِ القُربَ إلى اللهِ تعالَى لَزمَه فِعلُه أو الكفَّارةُ، ولوِ التَزَمَ ما ليسَ بقُربةٍ كالتَّطليقِ والبَيعِ والإجارةِ ومِثلِ ذلكَ لَم يَلزمْه، بل يُجزِيهِ كفَّارةُ يَمينٍ عِنْدَ الصَّحابةِ وجُمهورِ المُسلمِينَ، وهو قولُ الشَّافعيِّ وأحمدَ، وإحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ أبي حَنيفةَ، وقَولُ المُحقِّقِينَ مِنْ أصحابِ مالكٍ؛ لأنَّ الحالِفَ بالطَّلاقِ على وَجهِ اليَمينِ يَكرهُ وُقوعَه إذا وُجِدَ الشَّرطُ كما يَكرهُ وُقوعَ الكُفرِ؛ فلا يَقعُ وعليهِ الكفَّارةُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: وقَدِ اتَّفقَ النَّاسُ على أنه لو قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ» فحنَثَ أنهُ لا يَكفُرُ بذلكَ إنْ قصَدَ اليَمينَ؛ لأنَّ قصْدَ اليَمينِ منَعَ مِنَ الكُفرِ، وبهذا وغَيرِه احتَجَّ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ على أنَّ الحلِفَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ كنَذرِ اللَّجاجِ والغضَبِ وكالحلِفِ بقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا فأنا يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ»، وحَكاهُ إجماع الصَّحابةِ في العِتقِ، وحَكاهُ غَيرُه إجماعًا لهمْ في الحَلفِ بالطَّلاقِ على
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ١٣١، ١٤٤).
أنَّه لا يَلزمُ.
قالَ: لأنَّه قَدْ صَحَّ عَنْ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في الجنَّةِ، ولا يُعرَفُ له في الصَّحابةِ مخالِفٌ، ذكَرَه ابنُ بَزِيزةَ في شَرحِ أحكامِ عَبدِ الحَقِّ الإشبيليِّ، فاجتَهدَ خُصومُه في الرَّدِّ عليهِ بكُلِّ مُمكِنٍ، وكانَ حاصِلُ ما رَدُّوا بهِ قَولَه أربعَةَ أشياءَ:
أحَدُها -وهوَ عُمدةُ القَومِ-: أنهُ خِلافُ مَرسومِ السُّلطانِ.
والثَّاني: أنهُ خِلافُ الأئمَّةِ الأربعَةِ.
والثَّالثُ: أنهُ خِلافُ القِياسِ على الشَّرطِ والجَزاءِ المَقصودَينِ، كقَولِه: «إنْ أبرَأتِني فأنتِ طالِقٌ» ففَعلَتْ.
والرَّابعُ: أنَّ العمَلَ قدِ استَمرَّ على خِلافِ هذا القَولِ، فلا يُلتَفتُ إليهِ.
فنَقَضَ حُجَجَهُم، وأقامَ نَحوًا مِنْ ثلاثِينَ دَليلًا على صحَّةِ هذا القولِ، وصنَّفَ في المَسألةِ قَريبًا مِنْ ألْفِ وَرَقةٍ، ثمَّ مضَى لسَبيلِه راجِيًا مِنَ اللهِ أجرًا أو أجْرَينِ، وهوَ ومُنازِعوهُ يومَ القِيامَةِ عِنْدَ ربِّهمْ يَختصِمونَ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ أيضًا في «إغاثة اللَّهفانِ»: فَصلٌ: وأمَّا قَولُكمْ: إنَّ مَنْ حلَفَ بطلاقِ زَوجَتِه لَيَشربَنَّ هذا الخَمرَ، أو لَيَقتُلَنَّ هذا الرَّجلَ أو نحوَ ذلكَ؛ كانَ في الحِيلةِ تَخليصُه مِنْ هذهِ المَفسدةِ ومِن مَفسدةِ وُقوعِ الطَّلاقِ.
فيُقالُ: نَعمْ واللهِ، قد شَرَعَ اللهُ لهُ ما يَتخلَّصُ بهِ، ولخَلاصِه طُرقٌ عَديدةٌ، فلا تَتعيَّنُ الحِيلةُ الَّتي هيَ خِداعٌ ومَكرٌ لتَخليصِه، بل هَهُنا طَرقٌ عِدَّةٌ قد سَلكَ كُلَّ طَريقِ مِنها طائِفةٌ مِنَ الفُقهاءِ مِنْ سلَفِ الأمَّةِ وخلَفِها.
الطَّريقُ الأُولَى: طَريقةُ مَنْ قالَ: لا تَنعقِدُ هذه اليَمينُ بحالٍ، ولا يَحنَثُ فيها بشَيءٍ، سَواءٌ كانَتْ بصِيغةِ الحلِفِ كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزَمُني لَأفعَلَنَّ»، أو بصِيغةِ التَّعليقِ المَقصودِ كقَولِه: «إنْ طَلعَتِ الشَّمسُ، أو إنْ حِضْتِ، أو إنْ جاءَ رَأسُ الشَّهرِ فأنتِ طالِقٌ»، أو التَّعليقُ المَقصودُ بهِ اليَمينُ مِنَ الحَضِّ والمَنعِ والتَّصديقِ والتَّكذيبِ كقَولِه: «إنْ لم أفعَلْ كذا، وإنْ فَعلْتُ كذا فامرَأتي طالقٌ»، وهذا اختيارُ أجَلِّ أصحابِ الشَّافعيِّ الَّذينَ جالَسُوهُ أو مَنْ هوَ مِنْ أجَلِّهم أبي عَبدِ الرَّحمنِ، وهوَ أجَلُّ مِنْ أصحابِ الوُجوهِ المُنتَسبينَ
(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ١٣٣، ١٣٤).
إلى الشَّافعيِّ، وهذا مَذهبُ أكثَرِ أهلِ الظَّاهِرِ، فعِندَهم أنَّ الطَّلاقَ لا يَقبَلُ التَّعليقَ كالنِّكاحِ، ولَم يَرُدَّ مُخالِفُو هؤلاءِ عليهم بحُجَّةٍ تَشفِي.
الطَّريقُ الثَّانيةُ: طَريقُ مَنْ يَقولُ: لا يَقعُ الطَّلاقُ المَحلوفُ بهِ ولا العِتقُ المَحلوفُ بهِ، ويَلزمُه كفَّارةُ اليَمينِ إذا حنَثَ فيهِ، وهذا مَذهبُ ابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبي هُريرةَ وعائِشةَ وزَينبَ بنتِ أمِّ سَلَمةَ وحَفصةَ في الحَلِفِ بالعِتقِ الَّذي هو قُربةٌ إلى اللهِ تعالَى، بلْ مِنْ أحَبِّ القُرَبِ إلى اللهِ، ويَسرِي في مِلكِ الغَيرِ، فما يَقولُ هؤلاءِ في الحلِفِ بالطَّلاقِ الَّذي هوَ أبغَضُ الحَلالِ إلى اللهِ تعالَى وأحَبُّ الأشياءِ إلى الشَّيطانِ، والسَّائِلُ لهؤلاءِ الصَّحابةِ «إنَّما كانَ امرَأةً حَلَفتْ بأنَّ كُلَّ مَملوكٍ لها حُرٌّ إنْ لَم تُفرِّقْ بيْنَ عَبدِها وبيْنَ امرأتِهِ، فقالوا لها: كفِّرِي عَنْ يَمينِكِ، وخَلِّي بيْنَ الرَّجلِ وبيْنَ امرَأتِه».
وهؤلاءِ الصَّحابةُ أفقَهُ في دِينِ اللهِ وأعلَمُ مِنْ أنْ يُفتُوا بالكفَّارةِ في الحلِفِ بالعِتقِ ويَرَونَه يَمينًا ولا يَرَونَ الحلِفَ بالطَّلاقِ يَمينًا ويُلزِمونَ الحانِثَ بوُقوعِه، فإنهُ لا يَجِدُ فَقيهٌ شَمَّ رائِحةَ العِلمِ بيْنَ البابَينِ والتَّعليقَينِ فَرقًا بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ.
وإنَّما لم يأخُذْ بهِ أحمَدُ؛ لأنهُ لَم يَصحَّ عِندَه إلَّا مِنْ طَريقِ سُليمانَ التَّيميِّ، واعتَقدَ أنهُ تَفرَّدَ بهِ، وقَد تابَعَه عليهِ مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصارِيُّ وأَشعَثُ الحمرَانِيُّ، ولهذا لَمَّا ثبَتَ عِنْدَ أبي ثورٍ قالَ بهِ …
الطَّريقُ الثَّالثةُ: طَريقُ مَنْ يَقولُ: ليسَ الحلِفُ بالطَّلاقِ شيئًا، وهذا صَحيحٌ عَنْ طاوُسٍ وعِكرِمةَ.
أمَّا طاوسٌ: فقالَ عَبدُ الرَّزاقِ: أَخبَرَنا مَعمَرٌ عنِ ابنِ جُريجٍ عنِ ابنِ طاوسٍ عَنْ أبيهِ: «أنهُ كانَ لا يَرَى الحلِفَ بالطَّلاقِ شَيئًا»، وقَد رَدَّ بعضُ المُتعصِّبينَ لتَقليدِهم ومَذاهِبِهم هذا النَّقلَ بأنَّ عبدَ الرَّزاقِ ذكَرَه في بابِ يَمينِ المُكرهِ فحمَلَه على الحلِفِ بالطَّلاقِ مُكرَهًا؛ وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ الحُجَّةَ ليسَتْ في التَّرجَمةِ، وإنَّما الاعتِبارُ بما يُروَى في أثناءِ التَّرجَمةِ، ولا سيِّما المُتقدِّمِينَ كابنِ أبي شَيبةَ وعَبدِ الرَّزاقِ ووَكيعٍ وغَيرِهم، فإنهُم يَذكرونَ في أثناءِ التَّرجَمةِ آثارًا لا تُطابِقُ التَّرجَمةَ وإنْ كانَ لها بها نَوعُ تَعلُّقٍ، وهذا في كُتبِهم لِمَنْ تأمَّلَه أكثَرُ وأشهَرُ مِنْ أنْ يَخفَى، وهوَ في «صَحيح البُخاريِّ» وغَيرِه، وفي كُتبِ الفُقهاءِ وسائِرِ المُصنِّفينَ، ثمَّ لو فَهِمَ عَبدُ الرَّزاقِ هذا وأنهُ في يَمينِ المُكرَهِ لم تكنِ الحُجَّةُ في فَهمِه، بلِ الأخذُ برِوايتِه، وأيُّ فائدةٍ في تَخصيصِ الحَلِفِ بالطَّلاقِ بذلكَ؟ بَلْ كُلُّ مُكرَهٍ حلَفَ بأيِّ يَمينٍ كانَتْ فيَمينُه ليسَتْ بشيءٍ.
أمَّا عِكرِمةُ: فقالَ سنيدُ بنُ داودَ في تَفسيرهِ: حدَّثنَا عبادُ بنُ عبادٍ المهلبيُّ عن عاصِمٍ الأحوَلِ عَنْ عِكرِمةَ في رَجلٍ قالَ لغُلامِه: «إنْ لَم أَجلِدْكَ مِائةَ سَوطٍ فامرَأتي طِالقٌ» قالَ: لا يَجلِدُ غُلامَه ولا يُطلِّقُ امرَأتَه، هذا مِنْ خُطواتِ الشَّيطانِ».
فإذا ضَمَمْتَ هذا الأثرَ إلى أثَرِ ابنِ طاوُسٍ عن أبيهِ إلى أثرِ ابنِ عبَّاسٍ فيمَن قالَتْ لمَملوكِها: «إنْ لَم أُفرِّقْ بيْنَكَ وبيْنَ امرأتِكَ فكُلُّ مَملوكٍ لي
حرٌّ» إلى الآثارِ المُستفيضَةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في الحلِفِ بتَحريمٍ الزَّوجةِ أنها يَمينٌ يُكفِّرُها؛ تَبيَّنَ لكَ ما كانَ عليهِ ابنُ عبَّاسٍ وأصحابُه في هذا البابِ.
فإذا ضَمَمْتَ ذلكَ إلى آثارِ الصَّحابةِ في الحلِفِ بالتَّعليقاتِ كالحَجِّ والصَّومِ والصَّدقةِ والهدْيِ والمَشيِ إلى مكَّةَ حافِيًا ونَحوِ ذلكَ «أنها أيمانٌ مُكفَّرةٌ»؛ تَبيَّنَ لكَ حَقيقةُ ما كانَ عَليهِ الصَّحابةُ في ذلكَ، فإذا ضَمَمْتَ ذلكَ إلى القياسِ الصَّحيحِ الَّذي يَستَوي فيهِ حُكمُ الأصلِ والفَرعِ؛ تَبيَّنَ لكَ تَوافُقُ القياسِ وهذهِ الآثارِ.
فإذا ارتَفَعْتَ دَرجةً أُخرَى ووَزَنْتَ ذلكَ بالنُّصوصِ مِنَ القُرآنِ والسُّنةِ تَبيَّنَ لكَ الرَّاجِحُ مِنَ المَرجوحِ، ومعَ هذا كُلِّه فلا يُدانُ لكَ بمُقاوَمةِ السُّلطانِ، ومَن يَقولُ: «حَكمْت وثبَتَ عِنْدِي» فاللهُ المُستعانُ.
الطَّريقُ الرَّابعةُ: طَريقُ مَنْ يُفرِّقُ بيْنَ أنْ يَحلفَ على فِعلِ امرَأتِه أو على فِعلِ نَفسِه أو على غَيرِ الزَّوجةِ فيَقولُ: إنْ قالَ لامرَأتِه: «إنْ خَرجْتِ مِنَ الدَّارِ أو كلَّمْتِ رَجلًا أو فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ» فلا يقَعُ عليهِ الطَّلاقُ بفِعلِها ذلكَ، وإنْ حلَفَ على فِعلِ نَفسِه أو غَيرِ امرَأتِه وحنَثَ لَزمَه الطَّلاقُ.
وهذا قَولُ أفقَهِ أصحابِ مالِكٍ على الإطلاقِ، وهوَ أشهَبُ بنُ عَبدِ العَزيزِ (١)، ومَحلُّهُ مِنَ الفِقهِ والعِلمِ غَيرُ خافٍ، ومأخَذُ هذا: أنَّ المَرأةَ إذا
(١) قالَ ابنُ أبي زيدٍ القَيرَوانِيُّ رحمة الله عليه: تَنبيهاتٌ: الأوَّلُ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ وُقوعُ الفسخِ بمُجرَّدِ الارتدادِ ولو قصَدَ المُرتدُّ مِنهما بردَّتِه فسْخَ النِّكاحِ؛ وليسَ كذلكَ، بلْ يَجبُ تَقييدُه بما إذا لم يَقصدِ المُرتدُّ بِردَّتِه فسْخَ النِّكاحِ، وإلَّا عُومِلَ بنَقيضِ مَقصودِه ولا يُفسَخُ كما قالَهُ مالِكٌ رضي الله عنه، وعليهِ: لوَ أسلَمَ المُرتدُّ الزَّوجيةُ باقيةٌ ولا يَحتاجُ الزَّوجُ إلى عَقدٍ ولا رَجعةٍ؛ لبَقاءِ العِصمةِ كامِلةً، ونَظيرُه لو قصَدَ المُرتدَّ بردَّتِه حِرمانَ وارثِه أنْ يَرثَه، ويُعامَلُ المُرتدُّ بنَقيضِ مَقصودِه في الإرثِ، وإنْ كانَ المُرتدُّ يُستتابُ ثلاثةَ أيَّامٍ، فإنْ لَم يَتُبْ قُتِلَ، هذا ما ظهَرَ لنا وحَرَّرَه.
ونَظيرُ ما قالَهُ مالكٌ أيضًا: لو قالَ لِزَوجتِه: «إنْ فَعلْتِ كذا فأنتِ طالِقٌ» ففَعلَتْه قاصِدةً تَحنيثَه فإنه لا يَحنَثُ؛ مُعامَلةً لها بنَقيضِ قَصدِها، واختارَ هذا أشهَبُ وخالَفَه ابنُ القاسِمِ وقالَ بالحِنثِ، ومَشى عليهِ العلَّامةُ خَليلٌ؛ لأنهُ قولُ «المُدوَّنة»، ولَم تَزلْ أشياخُنا وأشياخُهم تُرجِّحُه وتُضعِّفُ كلامَ أشهَبَ المُوافقِ لكَلامِ مالكٍ في عَدمِ فَسخِ نكاحِ المرأةِ القاصِدةِ بردَّتِها فسْخَ نكاحِها، وفرَّقَ الشُّيوخُ بيْنَ مَسألةِ الردَّةِ ومَسألةِ الطَّلاقِ بأنَّ مسألةَ تَعليقِ الطَّلاقِ على فِعلِ الزَّوجةِ أمرٌ وقَعَ مِنْ الزَّوجِ باختيارِه، فلذلكَ قُلنا يَحنثُ بفِعلِها ولو قَصدَتْ تَحنيثَه؛ لأنهُ المُعلِّقُ للطَّلاقِ، فكأنهُ المُوقِعُ له؛ لأنهُ حينَ التَّعليقِ مُجوِّزٌ فِعلَها للمُعلَّقِ عليهِ، بخِلافِ ردَّتِها وَقعَتْ مِنها باختيارِها قاصِدةً طلاقَها، والعِصمةُ ليسَتْ بيَدِها، فلَم يقَعْ على الرَّجلِ، ولو وقَعَ لَتَواطأَتِ النِّساءِ على فِراقِ الأزواجِ قَهرًا عليهم، فافْهَمْ هذا الفرْقَ بإيضاحٍ. «الفَواكِهُ الدَّواني» (٢/ ٢٥).
فَعلَتْ ذلكَ لِتُطلِّقَ نفْسَها لم يقَعْ بهِ الطَّلاقِ؛ مُعاقَبةً لها بنَقيضِ قَصدِها، وهذا جارٍ على أُصولِ مالِكٍ وأحمدَ ومَن وافَقَهُما في مُعاقَبةِ الفارِّ مِنَ التَّوريثِ والزَّكاةِ وقاتِلِ مُوَرِّثِه والمُوصِي لهُ ومَن دبَّرَه بنَقيضِ قَصدِه، وهذا هوَ الفِقهُ، لا سِيَّما وهو لَم يُرِدْ طلاقَها، إنما أرادَ حضَّهَا أو منْعَها وأنْ لا تَتعرَّضَ لِمَا يُؤذيهِ، فكيفَ يَكونُ فِعلُها سَببًا لأعظَمِ أذاهُ؟ وهوَ لمَ يُملِّكْها ذلكَ بالتَّوكيلِ والخِيارِ، ولا مَلَّكَها اللهُ إيَّاهُ بالفَسخِ، فكيفَ تكونُ الفُرقةُ
إليها إنْ شاءَتْ أقامَتْ معَهُ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْه بمُجرَّدِ حَضِّها ومَنعِها؟ وأيُّ شيءٍ أحسَنُ مِنْ هذا الفِقهِ وأطرَدُ على قَواعدِ الشَّريعةِ؟
الطَّريقُ الخامِسةُ: طَريقُ مَنْ يَفصِلُ بيْنَ الحلِفِ بصِيغةِ الشَّرطِ والجَزاءِ والحلِفِ بصِيغةِ الالتِزامِ.
فالأوَّلُ كقَولِه: «إنْ فَعلْتُ كذا أو إنْ لم أفعَلْه فأنتِ طالِقٌ».
والثَّاني كقَولِه: «الطَّلاقُ يَلزمُني، أو لي لازِمٌ، أو عليَّ الطَّلاقُ إنْ فَعلْتُ، أو إنْ لم أفعَلْ» فلا يَلزمُه الطَّلاقُ في هذا القِسمِ إذا حنَثَ دُونَ الأوَّلِ.
وهذا أحَدُ الوُجوهِ الثَّلاثةِ لأصحابِ الشَّافعيِّ، وهوَ المَنقولُ عَنْ أبي حَنيفةَ وقُدماءِ أصحابِه، ذكَرَهُ صاحِبُ «الذَّخيرَة» وأبو اللَّيثِ في فَتاوِيه، قالَ أبو اللَّيثِ: ولو قالَ: «طلاقُكِ عَليَّ واجِبٌ أو لازِمٌ أو فَرضٌ أو ثابِتٌ» فمِنَ المُتأخِّرِينَ مِنْ أصحابِنا مَنْ قالَ: يقَعُ واحِدةً رَجعيَّةً نَواهُ أو لَم يَنوِهِ، ومِنهُم مَنْ قالَ: لا يَقعُ وإنْ نَوَى، والفارِقُ العُرفُ.
قالَ صاحِبُ «الذَّخيرَة»: وعلى هذا الخِلافِ: إذا قالَ: «إنْ فَعلْتِ كذا فطلاقُكِ عليَّ واجِبٌ» أو قالَ: «لازِمٌ» ففَعلَتْ، وذكَرَ القُدوريُّ في شَرحهِ: أنَّ على قولِ أبي حَنيفةَ لا يَقعُ الطَّلاقُ في الكُلِّ، وعندَ أبي يُوسفَ: إنْ نَوَى الطَّلاقَ يقَعُ في الكُلِّ، وعَن مُحمدٍ أنهُ يقَعُ في قَولِه: «لازِمٌ» ولا يَقعُ في «واجِبٌ».
واختارَ الصَّدرُ الشَّهيدُ الوُقوعَ في الكُلِّ، وكانَ ظَهيرُ الدِّينِ المِرغينانِيُّ
يُفتِي بعَدمِ الوُقوعِ في الكُلِّ. هذا كُلُّه لَفظُ صاحِبِ «الذَّخيرَة».
وأمَّا الشَّافعيةُ: فقالَ ابنُ يُونسَ في «شَرح التَّنبيهِ»: وإنْ قالَ: «الطَّلاقُ والعِتاقُ لازِمٌ لي» ونَواهُ لَزمَه؛ لأنهُما يقَعانِ بالكِنايةِ معَ النِّيةِ، وهذا اللَّفظُ مُحتَملٌ، فجُعِلَ كِنايةً، وقالَ الرُّويانِيُّ: «الطَّلاقُ لازِمٌ لِي» صَريحٌ، وعَدَّ ذلكَ في صَرائِحِ الطَّلاقِ، ولعَلَّ وَجهَه غَلَبةُ استِعمالِه لإرادةِ الطَّلاقِ، وقالَ القَفَّالُ في فَتاوِيه: ليسَ بصَريحٍ ولا كِنايةٍ، حتَّى لا يقَعُ بهِ الطَّلاقُ وإنْ نَواهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ فيهِ مِنَ الإضافةِ إلى المرأةِ، ولَم يَتحقَّقْ. هذا لَفظُه.
وحَكى شَيخُنا هذا القولَ عَنْ بَعضِ أصحابِ أحمَدَ، فقَدْ صارَ الخِلافُ في هذا البابِ في المَذاهبِ الأربَعةِ بنَقلِ أصحابِها في كُتبِهم، ولهذا التَّفريقِ مأخَذٌ آخَرُ أحسَنُ مِنْ هذا الَّذي ذكَرَهُ الشَّارحُ، وهوَ أنَّ الطَّلاقَ لا يَصحُّ التِزامُه، وإنَّما يلْزَمُ التَّطليق، فإنَّ الطَّلاقَ هوَ الواقِعُ بالمرأةِ وهو اللَّازِمُ لها، وإنَّما الَّذي يَلتزِمُه الرَّجلُ هو التَّطليقُ، فالطَّلاقُ لازِمٌ لها إذا وقَعَ.
إذا تَبيَّنَ هذا فالتِزامُ التَّطليقِ لا يُوجِبُ وُقوعَ الطَّلاقِ، فإنهُ لو قالَ: «إنْ فَعلْتُ كذا فعَليَّ أنْ أُطلِّقَكِ، أو فللَّهِ عليَّ أنْ أُطلِّقَكِ، أو فتَطليقُكِ لازِمٌ لي، أو واجِبٌ عليَّ» وحنَثَ لم يقَعْ عليهِ الطَّلاقُ، فهكذا إذا قالَ: «إنْ فَعلْت كذا فالطَّلاقُ يَلزَمُني»؛ لأنهُ إنَّما التَزَمَ التَّطليقَ ولا يَقعُ بالتِزامِه، والمُوقِعونَ يَقولونَ: هَو قَدِ التَزمَ حُكمَ الطَّلاقِ، وهوَ خُروجُ البُضعِ مِنْ مِلكِه، وإنَّما يَلزمُه حُكمُه إذا وقَعَ، فصارَ هَذا الالتِزامُ مُستَلزِمًا لِوقوعِه، فقالَ لهُم
الآخَرُونَ: إنَّما يَلزمُه حُكمُه إذا أتَى بسَببِه وهوَ التَّطلِيقُ، فحِينئذٍ يَلزمُه حُكمُه، وهوَ لم يَأتِ بالتَّطليقِ مُنجِّزًا بلا رَيبٍ، وإنَّما أتَى به مُعلِّقًا لهُ، والتِزامُ التَّطليقِ بالتَّنجيزِ لا يَلزمُ، فكيفَ يَلزمُ بالتَّعليقِ؟ والمُنصِفُ المُتبصِّرُ لا يَخفَى عليهِ الصَّحيحُ، وباللهِ التَّوفيقُ.
فَصلٌ: ومِمَّنْ ذكَرَ الفَرْقَ بيْنَ الطَّلاقِ وبيْنَ الحلِفِ بالطَّلاقِ القاضي أبو الوَليدِ هِشامُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ هِشامٍ الأَزْدِيُّ القُرطُبيُّ في كِتابِه «مُفيد الحُكَّامِ فيما يعرضُ لهُم مِنْ نَوازِلِ الأحكامِ» فقالَ في كِتابِ الطَّلاقِ مِنْ ديوانِه وقَد ذكَرَ اختِلافَ أصحابِ مالِكٍ في الأيمانِ اللَّازِمةِ ثمَّ قالَ: ولا يَنبغِي أنْ تُتَلقَّى هذهِ المَسألةُ هكذا تَلقِّيًا تَقليديًّا إلَّا أنْ يشمَّها نُورُ الفَهمِ ويُوضِّحُها لسانُ البُرهانِ، وأنا أُشيرُ لكَ إلى نُكتةٍ تَسعَدُ بالغَرَضِ فيها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، مِنها:
الفَرقُ بيْنَ الطَّلاقِ إيقاعًا وبيْنَ اليَمينِ بالطَّلاقِ، وفي «المُدَوَّنة» كِتابانِ مَوضوعانِ: أحَدُهما لنَفسِ الطَّلاقِ، والثَّاني للأيمانِ بالطَّلاقِ، ووَراءَ هذا الفَنِّ فِقهٌ على الجُملةِ، وذلكَ أنَّ الطَّلاقَ صُورَتُه في الشَّرعِ: حَلٌّ وارِدٌ على عَقدٍ، واليَمينُ بالطَّلاقِ عَقدٌ، فلْيُفهَمْ هذا، وإذا كانَ عَقدًا لَم يَحصُلْ منهُ حَلٌّ إلَّا أنْ تَنقلَه مِنْ مَوضِعِ العقدِ إلى مَوضِعِ الحَلِّ نيَّةٌ؛ ليَخرُجَ بها اللَّفظُ مِنْ حَقيقتِه إلى كِنايتِه، فقَدْ نَجَمَتْ هذهِ المَسألةُ في أيَّامِ الحَجَّاجِ بعْدَ أنِ استَقلَّ الشَّرعُ بأصُولِه وفُروعِه وحَقائقِه ومَجازاتِه في أيمانِ البَيْعةِ، وليسَ في أيمانِ الطَّلاقِ إلَّا ما أذكُرُه لكَ، وذلكَ أنَّ الطَّلاقَ على ضَربَينِ: صَريحٌ وكِنايةٌ.
فالصَّريحُ: كُلُّ لَفظٍ استَقلَّ بنَفسِه في إثباتِ حُكمِه تحديدًا.
والكِنايةُ على ضَربَينِ: كِنايةٌ غالِبةٌ وكِنايةٌ غَيرُ غالِبةٍ.
فالغالِبةُ: كُلُّ ما أشعَرَ بثُبوتِ الطَّلاقِ في مَوضُوعِ اللُّغةِ أو الشَّرعِ، كقولِه: «الحَقِي بأهلِكِ، واعَتدِّي».
وغَيرُ الغالِبةِ: كُلُّ ما لا يُشعِرُ بثُبوتِ الطَّلاقِ في وَضعِ اللُّغةِ والشَّرعِ، كقَولِه: «ناوِلينِي الثَّوبَ، وقالَ: أردْتُ بذلكَ الطَّلاقَ».
فإذا عَرضْنا لفْظَ الأيمانِ على صَريحِ الطَّلاقِ لم تَكنْ مِنْ قِسمِه، وإنْ عَرضْناها على الكِنايةِ لَم تَكنْ مِنْ قِسمَيها، إلَّا بقَرينةٍ مِنْ شاهدٍ حالٍ أو جارِي عُرفٍ أو نيَّةٍ تُقارِنُ اللَّفظَ، فإنِ اضطَربَ شاهِدُ الحالِ أو جارِي العُرفِ باحتِمالٍ يَحتمِلُه فقَدْ تَعذَّرَ الوُقوفُ على النِّيةِ، ولا يَنبغِي لحاكمٍ ولا لغَيرِه أنْ يمدَّ القَلمَ في فَتوى حتَّى يَتأمَّلَ مِثلَ هذهِ المَعاني، فإنَّ الحُكمَ إنْ لم يقَعْ مُستوضَحًا عَنْ نُورٍ فِكريٍّ مُشعِرٍ بالمَعنَى المَربوطِ اضمَحلَّ.
ثمَّ قالَ: وأنا ذاكِرٌ لكَ ما بَلَغنِي في هذهِ اليَمينِ مِنْ كَلامِ العُلماءِ ورَأيتُه مِنْ أقوالِ الفُقهاءِ، وهيَ يَمينٌ مُحدَثةٌ لَم تقَعْ في الصَّدرِ الأوَّلِ.
ثمَّ ذكَرَ اختِلافَ أهلِ العِلمِ في الحلِفِ بالأيمانِ اللَّازِم، والمَقصودُ: أنهُ ذكَرَ الفَرْقَ الفِطْريَّ العَقليَّ الشَّرعيَّ بيْنَ إيقاعِ الطَّلاقِ والحلِفِ بالطَّلاقِ، وأنهُما بابانِ مُفتَرِقانِ بحَقائقِهما ومَقاصِدِهما وألفاظِهِما، فيَجبُ افتِراقُهما حُكمًا.
أمَّا افتِراقُهُما بالحَقيقةِ: فما ذكَرَه مِنْ أنَّ الطَّلاقَ حَلٌّ وفَسخٌ واليَمينَ عُقدٌ والتِزامٌ، فهُمَا إذَنْ حَقيقتانِ مُختلِفتانِ، قالَ تعالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
ثمَّ أشارَ إلى الافتِراقِ في الحُكمِ بقَولِه: وإذا كانَتِ اليَمينُ عَقدًا لَم يَحصُلْ بها حَلٌّ إلَّا أنْ يُنقَلَ مِنْ مَوضِعِ العَقدِ إلى مَوضِعِ الحَلِّ، ومِنَ البَيِّنِ أنَّ الشَّارعِ لَم يَنقلْها مِنَ العَقدِ إلى الحَلِّ، فيَجبُ بَقاؤُها على ما وُضِعَتْ عليهِ، نَعمْ لَو قصَدَ الحالِفُ بها إيقاعَ الطَّلاقِ عِنْدَ الحِنثِ فقَدِ استَعملَها في العَقدِ والحَلِّ، فتَصيرُ كِنايةً في الوُقوعِ، وقَد نَواهُ فيقَعُ بهِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذا العَقدَ صالِحٌ للكِنايةِ، وقَدِ اقتَرَنتْ به النِّيةُ فيَقعُ الطَّلاقُ، أمَّا إذا نَوَى مُجرَّدَ العَقدِ ولم يَنوِ الطَّلاقَ البَتةَ، بل هو أَكرهُ شيءٍ إليهِ، فلم يَأتِ بما يَنقلُ اليَمينَ مِنْ مَوضُوعِها الشَّرعيِّ، ولا نقَلَها عنهُ الشَّارعُ، فلا يَلزمُه غَيرُ مُوجَبِ الأيمانِ، فلْيَتأمَّلِ المُنصِفُ العالِمُ هذا الفَرْقِ ويُخرِج قَلبَهُ ساعَةً مِنَ التَّعصُّبِ والتَقليدِ واتِّباعِ غَيرِ الدَّليلِ.
والمَقصودُ: أنَّ بابَ اليَمينِ وبابَ الإيقاعِ مُختلِفانِ في الحَقيقةِ والقَصدِ واللَّفظِ، فيَجبُ اختِلافُهُما في الحُكمِ، أمَّا الحَقيقةُ فمَا تَقدَّمَ.
وأمَّا القَصدُ: فلِأنَّ الحالِفَ مَقصودُه الحَضُّ والمَنعُ أو التَّصديقُ أو التَّكذيبُ، والمُطلِّقُ مَقصودُه التَّخلُّصُ مِنْ الزَّوجةِ مِنْ غَيرِ أنْ يَخطُرَ ببالِه حَضٌّ ولا مَنعٌ ولا تَصديقٌ ولا تَكذيبٌ، فالتَّسويَةُ بيْنَهما لا يَخفَى حالُها.
وأمَّا اختِلافُهما لَفظًا: فإنَّ لفْظَ اليَمينِ لا بُدَّ فيها مِنِ التِزامٍ قَسَميٍّ يأتي فيهِ بجَوابِ القسَمِ، أو تَعليقٍ شَرطيٍّ يَقصدُ فيهِ انتِفاءَ الشَّرطِ والجَزاءِ، أو وُقوعَ الجَزاءِ على تَقديرِ وُقوعِ الشَّرطِ، وإنْ كانَ يَكرهُه ويَقصِدُ انتِفاءَه فالمُقدَّمُ في الصُّورةِ الأُولَى مُؤخَّرٌ في الثَّانيةِ، والمَنفيُّ في الأُولى ثابتٌ في الثَّانيةِ، ولَفظُ الإيقاعِ لا يَتضمَّنُ شيئًا مِنْ ذلكَ، ومَن تَصوَّرَ هذا حَقَّ التَّصوُّرِ جزَمَ بالحَقِّ في هذهِ المَسألةِ، واللهُ المُوفِّقُ (١).
الطَّريقَةُ السَّادسةُ: أنْ يَزولَ المُعنَى الَّذي كانَتِ اليَمينُ لأجْلِه، فإذا فعَلَ المَحلوفَ عَليهِ بعْدَ ذلكَ لَم يَحنَثْ؛ لأنَّ امتِناعَه باليَمينِ إنَّما كانَ لعِلَّةٍ، فيَزولُ بزَوالِها، وهذا مُطَّرِدٌ على أصُولِ الشَّرعِ وقَواعدِ مَذهبِ أحمَدَ وغَيرِه ممَّن يَعتبِرُ النِّيةَ والقَصدَ في اليَمينِ تَعميمًا وتَخصيصًا وإطلاقًا وتَقييدًا، فإذا حلَفَ: «لا أُكلِّمُ فُلانةَ» وكانَ سبَبُ اليَمينِ الَّذي هَيَّجَها كَونُها أجنبيَّةً يَخافُ الوُقوعَ في عَرضِه بكَلامِها فتَزوَّجَها لم يَحنَثْ بكَلامِها؛ إعمالًا لسَببِ اليَمينِ وما هَيَّجَها في التَّقييدِ بكَونِها أجنبيَّةً، هذا إذا لَم يَكنْ لهُ نيَّةٌ ما دامَتْ كذلكَ، أمَّا إذا كانَتْ لهُ نيَّةٌ فلا إشكالَ في تَقييدِ اليَمينِ بها، ونَظيرُه: أنْ يَحلِفَ لا يُكلِّمُ فُلانًا ولا يُعاشِرُه لكَونِه صَبيًّا فصارَ رَجلًا، وكانَ نيَّتُه وسَببُ يَمينِه لأجْلِ صِباهُ، ونَظيرُه: أنْ يَحلِفَ: «لا دَخلْتُ هذهِ الدَّارَ» لأجْلِ مَنْ يَظنُّ بهِ التَّهمةَ لدُخولِها، فماتَ أو سافَرَ فدخَلَها لَم يَحنَثْ، وبذلكَ أَفتَى أبو حَنيفةَ
(١) «المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام» (٢/ ١٥٤، ١٦٢).
وأبو يُوسفَ؛ مَنْ حلَفَ: «لا دخَلْتُ دارَ فُلانٍ هذهِ ولا كَلَّمتُ عبْدَه هذا» فباعَ فُلانٌ العَبدَ والدَّارَ.
ونَظيرُ هذا: أنْ يَحلِفَ لا يُكلِّمُ فُلانًا، والحامِلُ لهُ على اليَمينِ كَونُه تارِكًا للصَّلاةِ أو مُرابِيًا أو خَمَّارًا أو والِيًا، فتابَ مِنْ ذلكَ كُلِّهِ وزالتِ الصِّفةُ الَّتي حلَفَ لأجْلِها لَم يَحنثْ بكَلامِه.
وكذلكَ إذا حَلَفَ: «لا تَزوجَّتُ فُلانةَ» والحامِلُ لهُ على اليَمينِ صِفةٌ فيها مِثلَ كَونهَا بَغيًّا أو غَيرَ ذلكَ، فزالَتْ تِلكَ الصِّفةُ لَم يَحنَثْ بتَزوُّجِها.
كُلُّ هذا مُراعاةً للمَقاصِدِ الَّتي الألفاظُ دالَّةٌ عليها، فإذا ظهَرَ القَصدُ كانَ هوَ المُعتبَرَ، ولهذا لو حلَفَ: «لَيَقضينَّه حقَّهُ في غَدٍ» وقَصدُه أو السَّببُ: أنْ لا يُجاوِزَه، فقَضاهُ قبْلَه لم يَحنَثْ، ولَو حَلفَ: لا يَبيعُ عبْدَه إلَّا بألفٍ فباعَهُ بأكثَرَ لَم يَحنَثْ، ولو حَلَفَ أنْ لا يَخرُجَ مِنَ البَلدِ إلَّا بإذنِ الواليِ والنِّيةُ أو السَّببُ يَقتضِي التَّقييدَ ما دامَ كذلكَ؛ فعُزِلَ لم يَحنَثْ بالخُروجِ بغَيرِ إذنِهِ.
وكذلكَ لَو حلَفَ على زَوجتِه أو عَبدِه أو أَمَتِه أنْ لا تَخرُجَ إلَّا بإذنِهِ، فطلَّقَ أو أَعتَقَ أو باعَ لَم يَحنَثْ بخُروجِهم بغَيرِ إذنِه؛ لأنَّ اقتِضاءَ السَّببِ والقَصدَ بتَقييدٍ في غايةِ الظُّهورِ، ونَظائرُ ذلكَ كَثيرةٌ جدًّا.
وسائِرُ الفُقهاءِ يَعتبرونَ ذلكَ، وإنْ خالَفُوهُ في كَثيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وهذا هوَ الصَّوابُ؛ لأنَّ الألفاظ إنَّما اعتُبِرتْ لدَلاتِها على المَقاصِدِ، فإذا ظهَرَ القَصدُ كانَ الاعتِبارُ لهُ وتَقيَّدَ اللَّفظُ بهِ، ولهذا لو دُعِيَ إلى غَداءٍ فحلَفَ لا
يَتغدَّى تَقيَّدَتْ يَمينُه بذلكَ الغَداءِ وحْدَهُ؛ لأنَّ النِّيةَ والسَّببَ ومَناطَ اليَمينِ لا يَقتَضِي غيْرَهُ.
وقد أخبَرَ النَّبيُّ «أنَّ الأعمالَ بالنِّياتِ، وإنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى»، وما لَم يَنوِه بيَمينِه أو كانَ السَّببُ لا يَقتضيهِ؛ لا يَجوزُ أنْ يُلزمَ بهِ معَ القَطعِ بأنهِ لَم يُرِدْه ولا خطَرَ على بالهِ.
وقَد أفتَى غَيرُ واحِدٍ مِنَ الفُقهاءِ -مِنهم ابنُ عَقيلٍ وشَيخُنا وغَيرُهما- فيمَن قيلَ لهُ: «إنَّ امرَأتَكَ قَدْ خرَجَتْ مِنْ بَيتِكَ، أو قَدْ زَنَتْ بفُلانٍ» فقالَ: «هيَ طالِقٌ» ثمَّ تَبيَّنَ لهُ أنها لَم تَخرُجْ مِنَ البَيتِ، وأنَّ الَّذي رُمِيَتْ بهِ في بَلدٍ بَعيدٍ لا يُمكِنُ وُصولُه إليها، أو أنهُ حِينَ رُمِيَتْ بهِ كانَ مَيتًّا ونَحوُ ذلكَ ممَّا يَعلمُ بهِ أنها لَم تَزْنِ؛ فإنهُ لا يقَعُ عليهِ الطَّلاقُ؛ لأنهُ إنَّما طلَّقَها بِناءً على هذا السَّببِ، فهو كالشَّرطِ في طَلاقِها.
وهذا الَّذي قالوهُ هوَ الَّذي لا يَقتضِي المَذهبُ وقَواعِدُ الفِقهِ غيْرَه، فإنهُم قد قالوا: لو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ إنْ قُمتِ» دُيِّنَ ولَم يقَعْ بهِ الطَّلاقُ، فهذا مِثلُه سَواءٌ، ونَظيرُ هذا ما قالوهُ: إنَّ المُكاتِبَ لو أدَّى إلى سَيِّدِه المالَ فقالَ: «أنتَ حُرٌّ» فبانَ أنَّ المالَ الَّذي أعطاهُ مُستَحقٌّ أو زُيوفٌ لم يَقعِ العِتقُ وإنْ كانَ قَدْ صرَّحَ بهِ، ذكَرَه أصحابُ أحمَدَ والشَّافعيِّ؛ لأنهُ إنَّما أعتَقَه بِناءً على سَلامةِ العِوَضِ ولَم يَسلَمْ لهُ، وقَواعِدُ الشَّريعةِ كُلُّها مَبنيَّةٌ على أنَّ الحُكمَ إذا ثبَتَ لعِلَّةٍ يَزولُ بزَوالِها، وأمثِلةُ ذلكَ أكثَرُ مِنْ أنْ تُحصَرَ، فهذهِ الطَّريقةُ تُخلِّصُ مِنْ كَثيرٍ مِنَ الحِنثِ.
وإذا تأمَّلتَ هذهِ الطُّرُقَ لَرَأيتَ -أيَّتها سَلكْتَ- أحسَنَ مِنْ طُرقِ الحِيَلِ الَّتي يَتحيَّلونَ بها على عَدمِ الحِنثِ … (١).
وقالَ في «إعلام المُوَقِّعِينَ»: ومِن هذا البابِ اليَمينُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ، فإنَّ إلزامَ الحالِفَ بهما إذا حنَثَ بطلاقِ زَوجَتِه وعِتقِ عَبدِه ممَّا حدَثَ الإفتاءُ بهِ بعْدَ انقِراضِ عَصرِ الصَّحابةِ؛ فلا يُحفَظُ عَنْ صَحابيٍّ في صِيغةِ القسَمِ إلزامُ الطَّلاقِ بهِ أبَدًا، وإنَّما المَحفوظُ إلزامُ الطَّلاقِ بصِيغةِ الشَّرطِ والجَزاءِ الَّذي قُصِدَ بهِ الطَّلاقُ عِنْدَ وُجودِ الشَّرطِ، كما في «صَحِيح البُخاريِّ» عَنْ نافِعٍ قالَ: طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ البتَّةَ إنْ خَرجَتْ، فقالَ ابنُ عُمرَ: «إنْ خَرجَتْ فقَدْ بانَتْ مِنهُ، وإنْ لَم تَخرُجْ فلَيسَ بشيءٍ»، فهذا لا يُنازِعُ فيهِ إلَّا مَنْ يَمنعُ وُقوعَ الطَّلاقِ المُعلَّقِ بالشَّرطِ مُطلَقًا.
وأمَّا مَنْ يَفصِلُ بيْنَ القسَمِ المَحضِ والتَّعليقِ الَّذي يُقصَدُ بهِ الوُقوعُ فإنهُ يَقولُ بالآثارِ المَروِيَّةِ عنِ الصَّحابةِ كُلِّها في هذا البابِ، فإنهُم صحَّ عَنهمُ الإفتاءُ بالوُقوعِ في صُوَرٍ، وصَحَّ عَنهم عَدمُ الوُقوعِ في صُوَرٍ، والصَّوابُ ما أَفتَوا بهِ في النَّوعَينِ، ولا يُؤخَذُ ببَعضِ فتاوِيهمْ ويُتْركُ بَعضُها.
فأمَّا الوُقوعُ فالمَحفوظُ عَنهُم ما ذكَرَه البُخاريُّ عَنِ ابنِ عُمرَ وما رَواهُ الثَّوريُّ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ عَربيٍّ عن إبراهيمَ عنِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه في رَجلٍ قالَ لامرَأتِه: «إنْ فَعلْتِ كذا وكذا فهيَ طالِقٌ» ففَعلَتْه، قالَ: «هيَ واحِدةٌ وهوَ
(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٨٧، ٩٦).
أحقُّ بهَا»، على أنَّه مُنقطِعٌ، وكذلكَ ما ذكَرَه البَيهَقيُّ وغَيرُه عنِ ابنِ عبَّاسٍ في رَجلٍ قالَ لامرَأتِه: «هيَ طالِقٌ إلى سَنةٍ» قالَ: «يَستَمتِعُ بها إلى سَنةٍ» ومِن هذا قَولُ أبي ذَرٍّ لامرَأتِه وقَد أَلحَّتْ عَليهِ في سُؤالِه عَنْ لَيلةِ القَدرِ فقالَ: إنْ عُدتِ سَألْتِني فأنتِ طالِقٌ.
وهَهُنا نُكتةٌ لَطيفةٌ يَحسُنُ التَّنبيهُ عليها، وهيَ أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ لَيلةِ القَدرِ وألَحَّ عليهِ، حَتَّى قالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ في آخِرِ مَسألتِه: «التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِرِ ولا تَسألْنِي عن شيءٍ بعْدَ هذا»، ثمَّ حدَّثَ النَّبيَّ ﷺ وحدَّثَ قالَ: فاهتَبلْتُ غَفلَتَهُ فقُلتُ: أقسَمْتُ عليكَ يا رَسولَ اللهِ بحَقِّي عليكَ لتُحدِّثنِّي في أيِّ العَشرِ هيَ، قالَ: فغَضبَ عَليَّ غضَبًا ما غَضِبَ عَليَّ مِنْ قَبلُ ولا مِنْ بَعدُ، ثمَّ قالَ: التَمِسوهَا في السَّبعِ الأواخِرِ ولا تَسأَلني عَنْ شيءٍ بَعدُ» ذكَرُه النَّسائيُّ والبَيهقيُّ، فأصابَ أبا ذَرٍّ مِنِ امرَأتِه وإلحاحِها عليهِ ما أَوجَبَ غَضَبَه وقالَ: إنْ عُدتِ سَألْتِني فأنتِ طالِقٌ.
فهذِه جَميعُ الآثارِ المَحفوظَةِ عَنِ الصَّحابةِ في وُقوعِ الطَّلاقِ المُعلَّقِ.
وأمَّا الآثارُ عنهُم في خِلافِه فصَحَّ عَنْ عائِشةَ وابنِ عبَّاسٍ وحَفصةَ وأمِّ سلَمةَ فيمَن حَلفَتْ بأنَّ كُلَّ مَملوكٍ لها حرٌّ إنْ لَم تُفرِّقْ بيْنَ عَبدِها وبيْنَ امرَأتِه؛ أنَّها تُكفِّرُ عن يَمينِها ولا تُفرِّقُ بَيْنَهُما … (١).
(١) «إعلام الموقعين» (٣/ ٥٤، ٥٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة
أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الشَّهْرِ لِأَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّهَا بَدَلٌ مِنْ الْحَيْضِ وَلَا حُكْمَ لِلْبَدَلِ مَعَ وُجُودِ الْمُبْدَلِ.
وَأَمَّا إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ثُمَّ أَيِسَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى حَتَّى تَيْأَسَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُطَلِّقُهَا حَتَّى يَمْضِيَ شَهْرٌ وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ هَذَا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَلَا يَحْتَمِلُ طَلَاقَيْنِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ قَدْ بَطَلَ بِالْيَأْسِ وَانْتَقَلَ حَالُهَا مِنْ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ إلَى الْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ وَذَلِكَ يَفْصِلُ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الشُّهُورِ إلَى الْحَيْضِ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَدَّرَتْ لِلْإِيَاسِ حَدًّا مَعْلُومًا خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ تُقَدِّرْ لِلْإِيَاسِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَإِنَّمَا عَلَّقَتْهُ بِالْعَادَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا التَّفْرِيعُ.
وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ طَلَاقَهَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطلاق
الجملة الأولى في أنواع الطلاق
كِتَابُ الطَّلَاقِ
الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ
كِتَابُ الطَّلَاقِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ:
; الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي أَرْكَانِ الطَّلَاقِ.
الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الرَّجْعَةِ.
الْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي أَحْكَامِ الْمُطَلَّقَاتِ.
الْجُمْلَةُ الْأُولَى
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ مِنَ الْبِدْعِيِّ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْخُلْعِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَمْيِيزِ الطَّلَاقِ مِنَ الْفَسْخِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب الطلاق]
[فصل في بيان أركان الطلاق وما يتعلق بها]
أَوْ وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً، أَوْ كَالْقَصْرِ، وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، وَبَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ، فَثَلَاثٌ فِيهِمَا.
(فَصْلٌ) وَرُكْنُهُ: أَهْلٌ،
ــ
منح الجليل
أَحْسَنِهِ، أَوْ أَجْمَلِهِ أَوْ أَفْضَلِهِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ أَكْثَرَ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ قَبِيحَةً) أَوْ خَبِيثَةً أَوْ مُنْكَرَةً، أَوْ شَدِيدَةً، أَوْ طَوِيلَةً (أَوْ) كَبِيرَةً (كَالْقَصْرِ) أَوْ الْجَبَلِ، أَوْ الْبَلَدِ، أَوْ الْمِصْرِ، أَوْ إلَى الْبَصْرَةِ، أَوْ تَمْلَأُ الْأَرْضَ، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ. سَحْنُونٌ: لَوْ قَالَ: وَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ، أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ وَلَا لِلسُّنَّةِ فَوَاحِدَةٌ، أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ لَا لِلْبِدْعَةِ وَلَا لِلسُّنَّةِ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ) لَوْ قَالَ (ثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ، أَوْ بَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ فَثَلَاثٌ فِيهِمَا) أَيْ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا.
فَصَلِّ فِي بَيَان أَرْكَان الطَّلَاق وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا
ارجع إلى أركان الطلاق للاطلاع على جميع المسائل.