الإسلام > النكاح والأسرة > أركان اللعان وشروطه > المسألة الثانية: حكم الزوجة إذا نكلت عن اللعان
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةقاذِفًا مَحضًا، والجُمهورُ يَقولونَ: بل قَذفُه جِنايةٌ منه على عِرضِها، فكانَ مُوجَبُها الحَدُّ كقَذفِ الأجنَبيِّ، ولمَّا كانَ فيها شائِبةُ الدَّعوى عليها بإتلافِها لحَقِّه وخِيانتِها فيهِ ملَكَ إسقاطَ ما يُوجِبُه القَذفُ مِنْ الحَدِّ بلِعانِه، فإذا لم يُلاعِنْ مع قُدرتِه على اللِّعانِ وتَمكُّنِه منه عَمِلَ مُقتضَى القَذفِ عمَلَه واستَقلَّ بإيجابِ الحَدِّ؛ إذْ لا مُعارِضَ له، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
المسألةُ الثَّانيةُ: حُكمُ الزَّوجةِ إذا نكَلَتْ عن اللِّعانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزوجةِ إذا قذَفَها زَوجُها بالزنا أو نفَيِ الولَدِ ولاعَنَ ثمَّ نكلَتْ هي عنِ اللِّعانِ، هل يُقامُ عليها الحَدُّ؟ أم تُحبَسُ؟ أم يُخلَّى سَبيلُها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزوجَ إذا لاعَنَ وجَبَ على الزوجةِ اللِّعانُ بالنَّصِّ، فإنِ امتَنعَتْ حبَسَها الحاكمُ حتى تُلاعِنَ أو تُصدِّقَه، فلا حاجةَ إلى اللعانِ، ولا يَجبُ عليها حَدُّ الزنا؛ لأنَّ مِنْ شَرطِه أنْ تُقِرَّ بهِ أربَعَ مرَّاتٍ، وإنْ صدَّقَتْه عندَ الحاكمِ أربَعَ مرَّاتٍ لا تُحَدُّ أيضًا؛ لأنَّ التَّصديقَ ليسَ بإقرارٍ قَصدًا، فلا يُعتبَرُ في حقِّ وُجوبِ الحَدِّ ويُعتبَرُ في دَرئِه ليَندفعَ به اللعانُ ولا يَجبَ به الحَدُّ، ولو صدَّقَتْه في نَفيِ الولَدِ فلا حَدَّ ولا لِعانَ وهو ولَدُهما؛ لأنهُما لا يَملكانِ إبطالَ حقِّه قَصدًا، والنَّسبُ إنَّما يَنتفِي باللعانِ، ولم يُوجَدْ (٢).
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٣٧٣، ٣٧٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٣٨)، و «الاختيار» (٣/ ٢٠٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٥٩)، و «اللباب» (٢/ ١٣٤)، و «العناية» (٦/ ٥٩)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٢٥)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ١٣٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٨).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الزوجَ إذا لاعَنَ وامتَنعَتِ الزوجةُ فإنها تُحَدُّ حَدَّ الزنا، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فعَلى الحُرَّةِ المُسلمةِ والكِتابيةِ حَدُّ الزنا إنْ لَم تُلاعِنْ، فإنْ كانَتْ بِكرًا فجَلدُ مِائةٍ وتَغريبُ عامٍ، وإنْ كانَتْ مُحصَنةً فالرَّجمُ … وهذا شَرحُ مَذهبِنا في وُجوبِ حَدِّ الزِّنا على الزوجةِ بلِعانِ الزوجِ ما لم تُلاعِنْ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: الواجِبُ عليها اللعانُ دونَ الحَدِّ، فإنِ امتَنعَتْ عنِ اللعانِ حُبسَتْ حتى تُلاعِنَ، ولم تُحَدَّ؛ استِدلالًا برِوايةِ عُثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلا بإحدَى ثلاثِ خِصالٍ: كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو قَتلٌ بغَيرِ نفسٍ»، فمنَعَ هذا الخبَرُ مِنْ قَتلِها بغَيرِ هذهِ الثلاثِ خِصالٍ، ووُجوبُ الحَدِّ عليها بلِعانِ الزوجِ مُفضٍ إلى قَتلِها إنْ كانَتْ مُحصَنةً، وفيه إثباتُ ما نفاهُ الخبَرُ، ولأنه قَولٌ لا يَجبُ بهِ الحَدُّ على غَيرِ الزوجةِ، فوجَبَ أنْ لا يَجبَ به حَدٌّ على الزوجةِ كالأيمانِ طَردًا والشهادةِ عَكسًا، قالوا: ولأنَّ اللِّعانَ عندَ الشافعيِّ يَمينٌ، وهو لا يَحكمُ بالنُّكولِ عليها، وفي حَدِّها إنِ امتَنعَتْ مِنْ اللِّعانِ حُكمٌ عليها بالنُّكولِ، وهذا تَناقضٌ في القَولِ.
ودَليلُنا: قَولُه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، وذِكرُ العَذابِ بالألِفِ واللَّامِ يُوجِبُ حمْلَه على جِنسٍ أو مَعهودٍ، فلم يَجُزْ حَملُه على جِنسِ العَذابِ؛ لأنه لا يَجبُ، فوجَبَ حَملُه على المَعهودِ وهو الحَدُّ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢].
فإنْ قيلَ: فالجِنسُ مَعهودٌ في عَذابِ مَنْ امتَنعَ مِنْ الحُقوقِ.
قُلنا: لا يَصحُّ حَملُه على الجِنسِ مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ الجِنسَ لم يُسَمَّ في عُرفِ الشرعِ عَذابًا، وقد سُمِّيَ الحَدُّ عَذابًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] يَعنِي الحَدَّ، فكانَ حَملُه على عُرفِ الشَّرعِ أَولى.
والثاني: أنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ لِعانَها يَدرأُ عنها العَذابَ الواجِبَ بلِعانِ الزوجِ، والحبسُ لم يَجبْ بلِعانِ الزوجِ، وإنَّما وجَبَ بامتِناعِها، فلم يَجُزْ حَملُه عليه، ولأنَّ ما خرَجَ بهِ الزوجُ مِنْ قَذفِه جازَ أنْ يَجبَ بهِ الحَدُّ على زَوجتِه كالبيِّنةِ، ولأنَّ ما ثبَتَ ببيِّنةِ الزوجِ ثبَتَ بلِعانِه كالحَبسِ، ولأنها أحَدُ الزوجَينِ، فوجَبَ أنْ يُدرأَ بلِعانِها الحَدُّ كالزوجِ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على شَيءٍ استُفيدَ صِدقُه فيه كالمُتلاعنَينِ، ولأنَّ لِعانَ الزوجِ يَتضمَّنُ إثباتَ الزنا ونفيَ الوَلدِ، فلمَّا تَعلقَ بلِعانِه نَفيُ الولدِ وجَبَ أنْ يَتعلقَ به ثُبوتُ الزنا؛ لأنه أحَدُ مَقصودَيِ اللعانِ، وثُبوتُ الزنا منها يُوجِبُ الحَدَّ عليها.
وأمَّا الجَوابُ عنِ استِدلالِه بالخبَرِ فنَحنُ نَقولُ بمُوجَبِه؛ لأنه تَضمَّنَ قتْلَها بزِناها بعدَ إحصانِها، وبذلك تُقتَلُ لا بغيرِه، وأمَّا قَولُه: «إنَّ ما لا يَجبُ بهِ الحَدُّ على غَيرِ الزوجةِ لا يَجبُ بهِ الحَدُّ على الزوجةِ» فلا يَجوزُ أنْ يُعتبَرَ في اللعانِ حُكمُ الزوجةِ بغَيرِها؛ لاختِصاصِ اللعانِ بالأزواجِ، ثمَّ المَعنى في الأَيمانِ مُبايَنتُها للِّعانِ في نَفيِ النَّسبِ، فتُبايِنُها في وُجوبِ الحَدِّ، وأمَّا قَولُهم: «إنَّ حَدَّها حُكمٌ عليها بالنُّكولِ الذي لا يَراهُ الشافعيُّ» فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّنا نَحُدُّها بلِعانِ الزوجِ لا بنُكولِها عنِ اللعانِ؛ لأنَّ لِعانَها يُسقطُ عنها الحَدَّ بعدَ وُجوبِه (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: وإنَّما قُلنا: «إنَّ الحَدَّ يَنتقلُ إلى المَرأةِ» لِمَا ذكَرْناهُ؛ لأنَّ اللِّعانَ كالبيِّنةِ، ويَدلُّ عليه قَولُه تَعالى عَقِيبَ ذِكرِ لِعانِ الزوجِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] يَعنِي نَفيَ الحَدِّ؛ لأنه مَعروفٌ، فإذا ثبَتَ هذا فلَها أنْ تُخلِّصَ نفسَها بالالتِعانِ، فإنِ التَعنَتْ سقَطَ الحَدُّ عنها، وإنْ نَكلَتْ حُدَّتْ، إمَّا بالرَّجمِ إنْ كانَتْ مُحصَنةً، أو بالجَلدِ إنْ كانَتْ بكرًا، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا حَدَّ عليها.
ودَليلُنا: قَولُه تَعالَى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] الآيَة، فذكَرَ لِعانَ الزوجِ ثمَّ عَقبَه بالإخبارِ عمَّا يُسقطُ عنها العَذابَ المُتوجِّهَ عليها بلِعانِه وهو أنْ يلتَعِنَ، فدَلَّ أنَّ الحَدَّ قد لَزمَها بلِعانِه، وأنَّ لها
(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٢٩، ٣١).
التَّخلصَ منه بأنْ تَلتعِنَ، ولأنه مَعنًى يُسمَعُ في تَحقيقِ القَذفِ، فجازَ أنْ يجبَ بهِ الحَدُّ كالبيِّنةِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: اختَلفوا أيضًا في الواجِبِ عليها إذا نكلَتْ:
فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ: إنها تُحَدُّ، وحَدُّها الرَّجمُ إنْ كانَ دخَلَ بها ووُجدِتْ فيها شُروطُ الإحصانِ، وإنْ لم يَكنْ دخَلَ بها فالجَلدُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا نكلَتْ وجَبَ عليها الحَبسُ حتى تُلاعِنَ، وحُجَّتُه قَولُه عليه الصلاة والسلام: «لا يَحِلُّ دمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو قَتلُ نَفسٍ بغَيرِ نفسٍ»، وأيضًا فإنَّ سفْكَ الدَّمِ بالنُّكولِ حُكمٌ تَردُّه الأصولُ، فإنه إذا كانَ كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ غُرمَ المالِ بالنُّكولِ فكانَ بالحَريِّ أنْ لا يَجبَ بذلكَ سَفكُ الدِّماءِ.
وبالجُملةِ فقَاعدِةُ (الدِّماءُ مَبناها في الشرعِ على أنها لا تُراقُ إلا بالبيِّنةِ العادِلةِ أو بالاعتِرافِ)، ومِن الواجِبِ ألا تُخصَّصَ هذه القاعِدةُ بالاسمِ المُشتَركِ، فأبو حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ أَولَى بالصوابِ إنْ شاءَ اللهُ.
وقدِ اعتَرفَ أبو المَعالي في كِتابِه «البُرهان» بقوَّةِ أبي حَنيفةَ في هذهِ المَسألةِ، وهو شافِعيٌّ (٢).
(١) «المعونة في مذهب عالم المدينة» (١/ ٦١٢، ٦١٣).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٨٩، ٩٠)، ويُنظَر: «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٥٠٧، ٥٠٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٢٧)، و «الإفصاح» (٢/ ١٩١، ١٩٢).
وأمَّا الحَنابلةُ فعِندَهم ثَلاثُ رِواياتٍ في المَذهبِ، المُعتمَدُ منها أنه إذا نكَلَتِ الزوجةُ عنِ اللِّعانِ فلا حَدَّ عليها؛ لأنَّ زِناهَا لم يَثبُتْ، فإنه لو ثبَتَ زِناها بلِعانِ الزوجِ لم يُسمَعْ لِعانُها، كما لو قامَتْ به البيِّنةُ، ولا يَثبتُ بنُكولِها؛ لأنَّ الحَدَّ لا يُقضَى فيه بالنُّكولِ؛ لأنه يُدرَأُ بالشُّبهاتِ، والشبهةُ مُتمكِّنةٌ منه، ولكنْ تُحبَسُ حتى تَلتعنَ أو تُقرَّ.
قالَ أحمدُ: أُجبِرُها على اللِّعانِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، فإنْ لم تَشهدْ وجَبَ أنْ لا يُدرأَ عنها العَذابُ.
ولا يَسقطُ النَّسبُ إلا بالتِعانِهما جَميعًا؛ لأنَّ الفِراشَ قائمٌ والولدَ للفِراشِ.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ أنه يُخلَّى سَبيلُها، وهو اختِيارُ أبي بكرٍ؛ لأنه لم يَثبتْ عليها ما يُوجِبُ الحَدَّ، فيُخلَّى سَبيلُها، كما لو لم تَكمُلِ البيِّنةُ، وإنْ صدَّقَتْه فيما قذَفَها به لم يَلزمْها الحَدُّ حتى تُقِرَّ أربَعَ مرَّاتٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثبتُ بدُونِ إقرارِ أربَعٍ، وحُكمُها حُكمُ ما لو نكلَتْ، ولا لِعانَ بينَهُما؛ لأنَّ اللعانَ إنما يَكونُ مع إنكارِها، ولا يُستحلَفُ إنسانٌ على نَفيِ ما يُقِرُّ بهِ.
ويَلحقُه الوَلدُ؛ لأنَّ نُكولَ الزوجةِ بمَنزلةِ إقرارِها، وعُلِمَ منه أنه لا حَدَّ؛ لأنَّ زِناها لم يَثبُتْ، فإنه لو ثبَتَ زِناها بلِعانِ الزوجِ لم يُسمَعْ لِعانُها، كما لو قامَتْ بهِ البيِّنةُ، ولا يَثبتُ بنُكولِها؛ لأنَّ الحَدَّ يُدرأُ بالشبهةِ، وهي مُتمكِّنةٌ منه، ويُؤيِّدُه قَولُ عُمرَ: «الرَّجمُ على مَنْ زنَى وقد أُحصِنَ إذا كانَ بيِّنةٌ أو كانَ الحَملُ أو الاعتِرافُ»، فلم يَذكُرِ اللِّعانَ، قالَ أحمَدُ: فإنْ أبَتْ أنْ تَلتعنَ بعدَ التِعانِ الزوجِ أجبَرْتُها على اللعانِ، وهِبْتُ أنْ أَحكُمَ عليها بالرَّجمِ؛ لأنها لو أقرَّتْ بلِسانِها لم أرجُمْها إذا رَجعَتْ، فكيفَ إذا أبَتِ اللِّعانَ؟!
وفي قَولٍ ثالِثٍ قالَ بهِ الجَوزجانِيُّ وأبو الفَرجِ والشيخُ تَقيُّ الدِّينِ: تُحَدُّ، قالَ في «الفُروعِ»: وهو قَويٌّ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (١).
(١) «الكافي» (٣/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «المبدع» (٨/ ٨٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٦٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب الوقت في نفي الولد ومن ليس له أن ينفيه ونفي ولد الأمة من (كتابي لعان قديم وجديد)
(بَابُ الْوَقْتِ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ وَمَنْ لَيْسَ له أن ينفيه ونفي ولد الأمة من (كتابي لعان قديم وجديد)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْوَلَدِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ يَلْقَاهُ لَهُ إِمْكَانًا بَيِّنًا فَتَرَكَ اللِّعَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ كَمَا يَكُونُ بَيْعُ الشِّقْصِ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَإِنْ تَرَكَ الشَّفِيعُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ لَمْ تَكُنِ الشُّفْعَةُ لَهُ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَعْلَمَ بِالْوَلَدِ فَيَكُونُ لَهُ نَفْيُهُ حَتَى يُقِرَّ بِهِ جَازَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ شَيْخًا وَهُوَ مُخْتَلِفٌ مَعَهُ اخْتِلَافَ الْوَلَدِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ يَكُونَ لَهُ نَفْيُهُ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ حاضراً كان مذهبا وقد منع الله من قضى بعذابه ثلاثا وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أذن للمهاجر بعد قضاء نسكه في مقام ثلاث بمكة وقال في القديم إن لم يشهد من حضره بذلك في يوم أو يومين لم يكن له نفيه (قال المزني) لو جاز في يومين جاز في ثلاثة واربعة في معنى ثلاثة وقد قال لمن جعل له نفيه في تسع وثلاثين وأباه في أربعين ما الفرق بين الصمتين فقوله في أول الثانية أشبه عندي بمعناه وبالله التوفيق " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَ أَبِي حنيفة - رحمه الله - فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَجُوزُ نَفْيُ الْوَلَدِ فِيهَا، وحكي عن شريح والشعبي أنهما جوزاً له نفيه مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ وَإِنْ صَارَ شَيْخًا فَجَعَلَ الْإِقْرَارَ بِهِ شَرْطًا فِي لُحُوقِ نَسَبِهِ. وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " لأنهما يجعلا الْوَلَدَ لِلْإِقْرَارِ دُونَ الْفِرَاشِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب اللعان
الفصل الثاني في صفات المتلاعنين
أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ الْأَقْصَى امْرَأَةً بِالْمَشْرِقِ الْأَقْصَى، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِرَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرِيٌّ مَحْضٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِالْعَقْدِ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ ضَعِيفٌ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى أَنَّهَا زَنَتْ وَاعْتَرَفَ بِالْحَمْلِ، فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إِحْدَاهَا أَنَّهُ يُحَدُّ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَلَا يُلَاعِنُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ. وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَيُلَاعِنُ لِيَدْرَأَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يَلْتَفِتُ إِلَى إِثْبَاتِهِ مَعَ مُوجِبِ نَفْيِهِ وَهُوَ دَعْوَاهُ الزِّنَا؟
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ وَهُوَ: إِذَا أَقَامَ الشُّهُودَ عَلَى الزِّنَا هَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: لَا يُلَاعِنُ، لِأَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا جُعِلَ عِوَضَ الشُّهُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} النور: ٦ " الْآيَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُلَاعِنُ، لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي دَفْعِ الْفِرَاشِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَاتِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللعان
فصل في حكم اللعان
وَتَعَالَى خَصَّ اللِّعَانَ بِالْأَزْوَاجِ وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَا يَسْقُطُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ أَوْجَبَ اللِّعَانَ لَا الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ الزَّوْجَةَ وَلَمَّا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَدْ أَبْطَلَ الزَّوْجِيَّةَ، وَاللِّعَانُ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْأَزْوَاج وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَجِبُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَقَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ لَا اللِّعَانَ، وَلَوْ أَكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ سَقَطَ اللِّعَانُ لِتَعَذُّرِ الْإِتْيَانِ بِهِ إذْ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَشْهَدَ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّهُ كَاذِبٌ، وَيَجِبُ الْحَدُّ لِمَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
ارجع إلى أركان اللعان وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.