تغليظ اللعان في الأزمان والأماكن

الإسلام > النكاح والأسرة > أركان اللعان وشروطه > تغليظ اللعان في الأزمان والأماكن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

تغليظ اللعان في الأزمان والأماكن - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنه يُسَنُّ حُضورُ جَماعةٍ أقَلُّهم أربَعةٌ؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)[النور: ٢]، والعَذابُ هو الحَدُّ، فكذلكَ اللعانُ؛ لتَعلُّقِه به؛ لأنَّ بيِّنةَ الزنا الذي شُرعَ اللعانُ مِنْ أجْلِ الرَّميِ به أربَعةٌ.

ولأنَّ اللعانَ رَواهُ أحداثُ الصَّحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وسَهلِ ابنِ سَعدٍ السَّاعديِّ رضي الله عنهم، ولا يَحضرُ مِنْ الأحداثِ في مَجلسِ الحُكمِ والقَضاءِ إلا معَ أضعافِهم مِنْ ذَوِي الأسنانِ، وليَكونَ اجتِماعُ الناسِ فيه أزجَرَ وأردَعَ، وليَكونوا حُجةً إنْ تَناكَرَ المُتلاعِنانِ (١).

تَغليظُ اللِّعانِ في الأزمانِ والأماكِنِ:

وأما تَغليظَ اللعانِ في الأزمانِ والأماكِنِ والقِيامَ فليسَ بواجبٍ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ.

قالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: وليسَ بواجِبٍ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه في الأوقاتِ والأماكنِ المُعظَّمةِ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٤٥)، و «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٢١)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١١٠، ١١١)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٢، ٧٣)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٧٣٥)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٣٨)، و «المغني» (٨/ ٦٨)، و «الإنصاف» (٩/ ٢٣٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٥٦، ٥٦٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٥٣٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤٦).
(٢) «المبدع» (٨/ ٧٨).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُستحبُّ أنْ يَتلاعنَا قِيامًا، فيَبدأُ الزوجُ فيَلتعنُ وهو قائمٌ، فإذا فَرغَ قامَتِ المَرأةُ فالتَعنتْ وهي قائِمةٌ؛ لِما رُويَ عن النبيِّ أنه قالَ لهِلالِ بنِ أُميَّةَ: «قُمْ فاشهَدْ أربَعَ شَهاداتٍ»، ولأنه إذا قامَ شاهَدَه الناسُ فكانَ أبلَغَ في شُهرتِه، فاستُحبَّ كَثرةُ الجَمعِ، وليسَ ذلكَ واجِبًا، وبهذا كلِّه قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ولا أعلَمُ فيهِ مُخالِفًا.

فَصلٌ: قالَ القاضِي: ولا يُستحبُّ التَّغليظُ في اللعانِ بمَكانٍ ولا زَمانٍ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أطلَقَ الأمرَ بذلكَ ولم يُقيِّدْه بزَمانٍ ولا مَكانٍ، فلا يَجوزُ تَقييدُه إلا بدَليلٍ، ولأنَّ النبيَّ أمَرَ الرَّجلَ بإحضارِ امرأتِه ولم يَخُصَّه بزَمنٍ، ولو خَصَّه بذلك لَنُقلَ ولم يُهمَلْ.

وقالَ أبو الخطَّابِ: يُستحبُّ أنْ يَتلاعنَا في الأزمانِ والأماكنِ التي تُعظَّمُ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، إلا أنَّ عندَه في التغليظِ بالمَكانِ قَولينِ:

أحَدُهما: أنَّ التغليظَ به مُستحبٌّ كالزَّمانِ.

والثاني: أنه واجِبٌ؛ لأنَّ النبيَّ لاعَنَ عندَ المِنبَرِ، فكانَ فِعلُه بَيانًا للعانِ، ومعنَى التَّغليظِ بالمَكانِ أنهُما إذا كانَا بمَكةَ لاعَنَ بينَهُما بينَ الرُّكنِ والمَقامِ؛ فإنه أشرَفُ البِقاعِ، وإنْ كانَا في المَدينةِ فعندَ مِنبَرِ رسولِ اللهِ ، وفي بَيتِ المَقدسِ عندَ الصَّخرةِ، وفي سائِرِ البُلدانِ في جَوامعِها.

وأمَّا الزَّمانُ فبَعدَ العَصرِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وأجمَعَ المُفسِّرونَ على أنَّ المُرادَ بالصَّلاةِ صَلاةُ العَصرِ، قالَ أبو الخطَّابِ: في مَوضعٍ أو بينَ الأذانَينِ؛ لأنَّ الدُّعاءَ بينَهُما لا يُرَدُّ.

والصَّحيحُ الأولُ، ولو استُحبَّ ذلكَ لفَعلَه النبيُّ ، ولو فعَلَه لَنُقلَ ولم يَسُغْ له تَركُه وإهمالُه.

وأما قَولُهم: «إنَّ النبيَّ لاعَنَ بينَهُما عندَ المِنبَرِ» فليسَ هذا في شَيءٍ مِنْ الأحاديثِ المَشهورةِ، وإنْ ثبَتَ هذا فيَحتملُ أنه كانَ بحُكمِ الاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَجلسَه كانَ عندَه فلاعَنَ بينَهُما في مَجلسِه.

فإنْ كانَ اللِّعانُ بينَ كافرَينِ فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في اللِّعانِ بينَ المُسلمينَ، ويَحتملُ أنْ يُغلَّظَ في المَكانِ؛ لقولِه في «الأيمانِ»: «وإنْ كانَ لهُم مَواضعُ يُعظِّمونَها ويَتوقَّونَ أنْ يَحلفُوا فيها كاذِبينَ حُلِّفوا فيها»، فعَلى هذا يُلاعَنُ بينَهُما في مَواضعِهم اللاتِي يُعظِّمونَها، النَّصرانِيُّ في الكَنيسةِ، واليَهوديُّ في البَيعةِ، والمَجوسيُّ في بَيتِ النارِ، وإنْ لم يَكنْ لهم مَواضِعُ يُعظِّمونَها حَلَّفهم الحاكِمُ في مَجلسِه؛ لتَعذُّرِ التغليظِ بالمَكانِ.

وإنْ كانَتِ المُسلمةُ حائِضًا وقُلنَا: «إنَّ اللِّعانَ بينَهُما يَكونُ في المَسجدِ» وقفَتْ على بابِه ولم تَدخلْه؛ لأنَّ ذلكَ أقرَبُ المَواضعِ إليهِ (١).

(١) «المغني» (٨/ ٦٨، ٦٩)، ويُنظَر: «الإنصاف» (٩/ ٢٣٩)، و «كشاف القناع» (٥/ ٤٥٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٥٥٦، ٥٦٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٥٣٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٤٦)، و «النجم الوهاج» (٨/ ١٠٧، ١١٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٧٠، ٧٢)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٧٣٣، ٧٣٤)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ١٣٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب اللعان
١٣٣٥ - مسألة؛ قال: (واللعان الذى يبرأ به من الحد أن يقول الزوج بمحضر من الحاكم: أشهد بالله

كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيَما رَمَانِى بِهِ مِنَ الزِّنَى).

فى هذه المسألة مَسْألتان:

إحداهما: أَنَّ اللِّعانَ لا يَصِحُّ إلَّا بمَحْضرٍ من الحاكمِ، أو مَن يَقُومُ مَقامَه. وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ هِلالَ بن أُمَيّةَ أن يَسْتَدْعِىَ زَوْجَتَه إليه، ولَاعَنَ بينهما . ولأنَّه إمَّا يَمِينٌ، وإمَّا شهادةٌ، وأيُّهما كان، فمِنْ شَرْطِه الحاكمُ. وإن تَرَاضَى الزَّوْجانِ بغيرِ الحاكمِ يُلاعِنُ بينهما، لم يَصِحَّ ذلك؛ لأنَّ اللِّعانَ مَبْنِىٌّ على التَّغْلِيظِ والتَّأْكِيدِ، فلم يَجُزْ بغيرِ الحاكمِ، كالحَدِّ. وسَواءٌ كان الزَّوْجانِ حُرَّيْنِ أو مَمْلُوكينِ، فى ظاهرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ. وقال أصحابُ الشافعىِّ: للسَّيِّدِ أن يُلاعِنَ بينَ عَبْدِه وأمَتِه؛ لأنَّ له إقامَةَ الحَدِّ عليهما. ولَنا، أنَّه لِعانٌ بينَ زَوْجينِ، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكمِ أو نائِبِه، كاللِّعانِ بينَ الحُرَّيْنِ. ولا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إقامةَ الحَدِّ على أمَتِه المُزَوَّجَةِ، ثم لا يُشْبِهُ اللِّعانُ الحَدَّ؛ لأنَّ الحَدَّ زَجْرٌ وتَأْدِيبٌ، واللِّعانُ إمَّا شهادة وإمَّا يمينٌ، فافْتَرَقا، ولأنَّ اللِّعانَ دارِئٌ للحَدِّ، ومُوجِبٌ له، فجَرَى مَجْرَى إقامةِ البَيِّنةِ على الزِّنَى والحُكْمِ به أو بنَفْيِهِ. وإن كانتِ المرأةُ خَفِرةً لا تَبْرُزُ لحوائِجِها، بَعَثَ الحاكمُ نائِبَه، وَبعَثَ معه عُدُولًا، ليُلَاعِنُوا بينهما، وإن بَعَثَ نائِبَه وحدَه جازَ؛ لأنَّ الجَمْعَ غيرُ واجِبٍ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الظهار)
(باب أين يكون اللعان)

(باب أين يكون اللعان)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ لَاعَنَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ فَإِذَا لَاعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فِي مَكَّةَ فَبَيْنَ الْمَقَامِ وَالْبَيْتِ أَوْ بِالْمَدِينَةِ فَعَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ ببيت ففي مسجده وَكَذَا كُلُّ بَلَدٍ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اللِّعَانُ فَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِه وَبَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ لِعَانٌ. غَيْرُ هَذَيْنِ - فَتَوَلَّاهُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِمَا وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ عِنْدَنَا - وَشَهَادَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ إِلَّا بِحُكْمٍ، فَإِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَاللِّعَانُ مَوْضُوعٌ لِلزَّجْرِ حَتَّى لَا يُقْدِمَ الْمُتَلَاعِنَانِ عَلَى دَعْوَى كَذِبٍ وَارْتِكَابِ مَحْظُورٍ، فَوَجَبَ تَغْلِيظُهُ بِمَا يَزْجُرُ عَنْهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ، وَتَغْلِيظُهُ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: بِالتَّكْرَارِ، وَبِالْمَكَانِ، وَبِالزَّمَانِ، وَبِالْجَمَاعَةِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب اللعان
فصل في حكم اللعان

وَتَعَالَى خَصَّ اللِّعَانَ بِالْأَزْوَاجِ وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَا يَسْقُطُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُبْطِلُ الزَّوْجِيَّةَ.

وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ أَوْجَبَ اللِّعَانَ لَا الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ الزَّوْجَةَ وَلَمَّا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَدْ أَبْطَلَ الزَّوْجِيَّةَ، وَاللِّعَانُ لَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْأَزْوَاج وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَجِبُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَقَذْفُ الْأَجْنَبِيَّةِ يُوجِبُ الْحَدَّ لَا اللِّعَانَ، وَلَوْ أَكْذَبَ الزَّوْجُ نَفْسَهُ سَقَطَ اللِّعَانُ لِتَعَذُّرِ الْإِتْيَانِ بِهِ إذْ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَشْهَدَ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ وَهُوَ يَقُولُ إنَّهُ كَاذِبٌ، وَيَجِبُ الْحَدُّ لِمَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 543 - 545

ارجع إلى أركان اللعان وشروطه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله