اشتراط تعدد الرضعات (الرضعات التي تحرم)

الإسلام > النكاح والأسرة > الأحكام التي تترتب على الرضاع > اشتراط تعدد الرضعات (الرضعات التي تحرم)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 30 دقيقة قراءة

اشتراط تعدد الرضعات (الرضعات التي تحرم) - الأقوال والأدلة

وأما المالِكيةُ فقالُوا: إذا حُقنَ بلَبنٍ فوصَلَ إلى جَوفِه فإنها تُحرِّمُ، بشَرطِ كونِها غذاءً بالفعلِ وقتَ انصبابِها، وإنْ احتاجَ بعدَ ذلكَ لغِذاءٍ بالقُربِ فإنْ لم تَكنْ غِذاءً فإنها لا تُحرِّمُ.

وأما ما وصَلَ مِنْ مَنفذٍ عالٍ كأنفٍ فلا يُشترطُ فيه الغِذاءُ، بل مُجرَّدُ وُصولِه للجَوفِ كافٍ في التحريمِ (١).

اشتِراطُ تَعدُّدِ الرَّضعاتِ (الرَّضعاتُ التي تُحرِّمُ):

اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ في الرَّضاعِ الَّذي يُحرِّمُ أنْ يَكونَ عَددًا مُعيَّنًا؟ أم مُجرَّدُ الرَّضاعِ ولو مَصَّةً واحِدةً تَصلُ إلى الجَوفِ تُحرِّمُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ قَليلَ الرَّضاعِ وكَثيرَه إذا حصَلَ في مدَّةِ الرضاعِ تَعلَّقَ به التَّحريمُ إنْ وصَلَ إلى الجَوفِ ولو مصَّةً واحِدةً؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فحرَّمَ أمًّا أرضَعَتْ، والتي أرضَعَتْه مرَّةً واحدةً يَقعُ هذا الاسمُ عليها، فوجَبَ أنْ تحرمَ.

ولحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها مَرفوعًا: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعةِ ما يَحرمُ مِنْ الوِلادةِ»، وفي رِوايةٍ: «مِنْ النَّسبِ» (٢) مِنْ غَيرِ فَصلٍ، فلما حرَّمَ النبيُّ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ وكانَ مَعلومًا أنَّ النسبَ متى

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٧٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٦٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ١٤٤).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٤٤)، ومسلم» (٤٦٤٢).

ثبَتَ مِنْ وَجهٍ أوجَبَ التحريمَ وإنْ لم يَثبتْ مِنْ وَجهٍ آخَرَ، كذلكَ الرَّضاعُ يجبُ أنْ يكونَ هذا حُكمُه في إيجابِ التحريمِ بالرَّضعةِ الواحِدةِ؛ لتَسويةِ النبيِّ بينَهُما فيما علَّقَ بهما حُكمَ التَّحريمِ.

وحَديثِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه مَرفوعًا: «لا رَضاعَ إلا ما أنشَزَ العَظمَ وأنبَتَ اللَّحمَ» (١)، وإنه يَحصلُ بالقليلِ؛ لأنَّ اللَّبنَ متى وصَلَ إلى جَوفِ الصبيِّ أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ.

ولقَولِ النبيِّ : «الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ»، يعني: ما سَدَّ الجَوعةَ، والرَّضعةُ الواحِدةُ تَسدُّ الجَوعةَ.

ولِما رواهُ البُخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي مُليكةَ قالَ: حدَّثَني عُبيدُ بنُ أبي مَريمَ عن عُقبةَ بنِ الحارثِ قالَ: وقد سَمعتُه مِنْ عُقبةَ لكنِّي لحَديثِ عُبيدٍ أحفَظُ، قالَ: «تَزوَّجتُ امرَأةً فجاءَتْنا امرَأةٌ سَوداءُ فقالَتْ: أرضَعْتُكما، فأتَيتُ النبيَّ فقلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بنتَ فُلانٍ فجاءَتْنا امرَأةٌ سَوداءُ فقالَتْ لي: إني قد أرضَعْتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عنِّي، فأتَيتُه مِنْ قِبَلِ وَجهِه قلتُ: إنها كاذِبةٌ، قال: كيفَ بها وقد زعَمَتْ أنها قد أرضَعَتْكُما؟! دَعْها عنكَ» (٢).

فكانَ في هذا الحَديثِ تَركُ رَسولِ اللهِ كشْفَ عَددِ الرَّضاعِ الذي ذكَرَتْ تلكَ السوداءُ أنها أرضَعَتْ عُقبةَ والمَرأةَ التي تزوَّجَها، وفي

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٠٥٩)، وهو صَحيحٌ مَوقوفًا على ابنِ مَسعودٍ.
(٢) أخرجه البخاري (٤٨١٦).

ذلكَ ما قد دَلَّ على استواءِ قَليلِه وكَثيرِه في الحُرمةِ؛ لأنه لو كانَ مِنْ شَريعتِه أنْ لا تُحرِّمَ الرَّضعةُ والرَّضعتانِ إلى العَددِ المَذكورِ في ذلك الحَديثِ لَاستحالَ أنْ يكونَ رَسولُ اللهِ يَأمرُ الذي سأَلَه بفِراقِ مَنْ قد أرضَعَتْه، والمَرأةُ التي قد تزوَّجَها المَرأةُ التي ذكَرَتْ له أنها أرضَعَتْهما رَضاعًا لا يَمنعُ مِنْ تَزويجِه إياها، ولكنْ يَقفُ عُقبةَ فيقولُ له: سَلْها عن عَددِ الرَّضاعِ الذي أرضَعَتْكُما كم هو؟ ليَقفَ بذلكَ على أنه مِنْ الرَّضاعِ الذي يُحرِّمُ عليه أنْ يَتزوَّجَها إذا كانَ في الحَقيقةِ كذلكَ، والتورُّعُ عن ذلكَ إذا كانَ الشكُّ فيه، أو أنه مِنْ الرضاعِ الذي لا يُحرِّمُ عليه تَزويجَها فيُخلِّيهِ وذلكَ التزويجَ، وفي تَركِه كذلكَ ما قد دَلَّ على أنه لا فرْقَ كانَ عندَه بينَ قليلِ الرَّضاعِ وبينَ كثيرِه في الحُرمةِ.

ورُويَ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنه قالَ: «الرَّضعةُ الواحِدةُ تُحرِّمُ».

ورُويَ أنه «لمَّا بلَغَه أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبيْرِ يقولُ: لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ والرَّضعتانِ، فقالَ: قَضاءُ اللهِ خيرٌ مِنْ قَضاءِ ابنِ الزُّبيرِ، وتَلا قَولَه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]».

ورُويَ أنه «لمَّا بلَغَه أنَّ عائِشةَ رضي الله عنها تَقولُ: لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمَصَّتانِ، فقالَ: حُكمُ اللهِ تعالَى أولَى وخَيرٌ مِنْ حُكمِها».

ولأنَّ كلَّ معنًى أوجَبَ حُرمةً يَقتضي تَحريمًا مؤبَّدًا فإنه يُعتبَرُ وُجودُ تَحريمِه مِنْ غيرِ عَددٍ، أصلُه العقدُ والوطءُ.

ومِن القياسِ أنَّ ما وقَعَ به التحريمُ المُؤبَّدُ لم يُعتبَرْ فيه العَددُ كالوطءِ

وعقدِ النكاحِ، ولأنه حُكمٌ يَتعلقُ بالشُّربِ، فوجَبَ أنْ لا يُعتبَرَ فيه العَددُ كحَدِّ الخَمرِ، ولأنَّ الواصلَ إلى الجَوفِ يَتعلقُ به الفِطرُ تارةً وتَحريمُ الرَّضاعِ أُخرى، فلمَّا لم يُعتبَرِ العَددُ في الفِطرِ لم يُعتبَرْ في الرضاعِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ ما يَثبتُ به الرضاعُ هو خَمسٌ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ، ولا يَثبتُ بما دونَها؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن عَمرةَ عن عائِشةَ أنها قالَتْ: «كانَ فيما أُنْزِلَ مِنْ القُرآنِ عَشرُ رَضَعاتٍ مَعلوماتَ يُحَرِّمْنَ، ثمَّ نُسخْنَ بخَمسٍ مَعلوماتَ، فتُوفِّيَ رَسولُ اللهِ وهُنَّ فيما يُقرأُ مِنْ القُرآنِ» (٢).

ومَعناهُ أنَّ النسخَ بخَمسِ رَضعاتٍ تأخَّرَ إنزالُه جِدًّا، حتى أنه تُوفِّيَ وبَعضُ الناسِ يَقرأُ خَمْس رَضَعاتٍ ويَجعلُها قُرآنًا مَتلوًّا؛ لكَونِه لم يَبلغْه النَّسخُ لقُربِ عَهدِه، فلمَّا بلَغَهم النسخُ بعدَ ذلك رَجَعوا عن ذلكَ وأجمَعُوا على أنَّ هذا لا يُتلَى (٣).

(١) «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٤٩٩، ٥٠٠)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣١٤)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٦٦، ٦٧)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٧، ٨)، و «المبسوط» (٥/ ١٣٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٧٣)، و «اللباب» (٢/ ٦١)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٨١)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٨١)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٤٩، ٢٥٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٤٩، ٥٠)، رقم (١٤٠٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٧)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١٠٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠٤)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٩، ١٠)، و «المغني» (٨/ ١٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (٣٣٠٧).
(٣) قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه بعدَ أنْ ذكَرَ هذا الكلامَ: والنَّسخُ ثَلاثةُ أنواعٍ: أحَدُها: ما نُسخَ حُكمُه وتِلاوتُه، كعَشرِ رَضعاتٍ، والثاني: ما نُسخَتْ تِلاوتُه دونَ حُكمِه، كخَمسِ رَضعاتٍ وكالشَّيخ والشَّيخَة إذا زنَيَا فارجُموهُما، والثالثُ: ما نُسخَ حُكمُه وبَقيتْ تِلاوتُه، وهذا هو الأكثَرُ، ومنه قولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآيَة، واللهُ أعلَمُ. «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٠/ ٢٩).

فكانَ في هذا الخبَرِ تَفسيرُ الرَّضاعةِ المُحرِّمةِ في الآيةِ؛ لأنَّ فيه بَيانُ ما يَحرمُ مِنْ الرَّضعاتِ، وكانَ مُفسِّرًا لقَولِه: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ والرَّضعتانِ»، فدَلَّ على أنَّ قولَه: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ، ولا الرَّضعةُ ولا الرَّضعتانِ» خرَجَ على جَوابِ سائلٍ سَألَه عن الرَّضعةِ والرَّضعتينِ هل تُحرِّمانِ؟ فقالَ: لا؛ لأنَّ مِنْ سُنتِه وشَريعتِه أنه لا يُحرِّمُ إلا خَمسُ رَضعاتٍ، وأنها نسَخَتِ العَشرَ الرَّضعاتِ، كما لو سَألَ سائلٌ: هل يُقطعُ السارِقُ في دِرهمٍ أو دِرهمَينِ؟ كانَ الجَوابُ: لا يُقطعُ في دِرهمٍ ولا دِرهمينٍ؛ لأنه قد بيَّنَ رَسولُ اللهِ أنه لا يُقطعُ إلا في رُبعِ دِينارٍ، فكذلكَ بيانُه في الخَمسِ الرَّضعاتِ.

ولِما رواهُ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ «أنَّ أبا حُذيفةَ بنَ عُتبةَ بنَ رَبيعةَ وكانَ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ، وكانَ قد شَهدَ بَدرًا، وكانَ تَبنَّى سالمًا الذي يقالَ له سالمٌ مولَى أبي حُذيفةَ كما تَبنَّى رَسولُ اللهِ زيدَ ابنَ حارثةَ، وأنكَحَ أبو حُذيفةَ سالمًا وهو يَرى أنه ابنُه أنكَحَه بنتَ أخيهِ فاطِمةَ بنتَ الوليدِ بنِ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ، وهي يَومئذٍ مِنْ المُهاجِراتِ الأوَلِ، وهي مِنْ أفضَلِ أيامَى قُريشٍ، فلمَّا أنزَلَ اللهُ تعالَى في كِتابهِ في زَيدِ بنِ حارثةَ ما أنزَلَ فقالَ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [لقمان: ٥] ردَّ كلُّ واحدٍ مِنْ أولئكَ إلى أبيه،

فإنْ لم يُعلمْ أبوهُ ردَّ إلى مَولاهُ، فجاءَتْ سَهلةُ بنتُ سُهيلٍ وهي امرَأةُ أبي حُذيفةَ وهي مِنْ بَني عامرِ بنِ لؤيٍّ إلى رَسولِ اللهِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ كنَّا نرَى سالمًا ولَدًا، وكانَ يَدخلُ عَليَّ وأنا فُضُلٌ، وليسَ لنا إلا بَيتٌ واحِدٌ، فماذا تَرَى في شأنِه؟ فقالَ لها رَسولُ اللهِ : «أرضِعيهِ خمسَ رَضعاتٍ فيَحرُمُ بلَبنِكِ»، ففعَلَتْ، وكانَتْ تَراهُ ابنًا مِنْ الرَّضاعةِ، فأخذَتْ بذلكَ عائِشةُ أمُّ المُؤمنينَ فيمن كانت تُحبُّ أنْ يَدخلَ عليها مِنْ الرِّجالِ، فكانَتْ تَأمرُ أُختَها أمَّ كُلثومٍ بنتَ أبي بَكرٍ الصدِّيقِ وبَناتِ أخِيها أنْ يُرضعْنَ مَنْ أحبَّتْ أنْ يَدخلَ عليها مِنْ الرجالِ، وأبَى سائِرُ أزواجِ النبيِّ أنْ يَدخلَ عليهنَّ بتلكَ الرَّضاعةِ أحَدٌ مِنْ الناسِ وقُلْنَ: لا واللهِ ما نرَى الذي أمَرَ به رَسولُ اللهِ سَهلةَ بنتَ سُهيلٍ إلا رُخصةً مِنْ رَسولِ اللهِ في رَضاعةِ سالمٍ وحْدَه، لا واللهِ لا يَدخلُ علينا بهذهِ الرَّضاعةِ أحَدٌ، فعَلى هذا كانَ أزواجُ النبيِّ في رَضاعةِ الكبيرِ» (١).

ولو تَعلَّقَ التحريمُ بدونِ الخَمسِ لم يَكنْ لذِكرِ الخَمسِ معنًى، ولَكانَ النبيُّ أمَرَ امرأةَ أبي حُذيفةَ أنْ تُرضعَ سالمًا ثلاثًا، وهذا يَقضِي على إطلاقِ ما تقدَّمَ، وكذا على مَفهومِه؛ إذ غايتُه عُمومٌ.

والدَّليلُ مِنْ طَريقِ المَعنى أنَّ كلَّ سَببٍ رُفعَ به التَّحريمُ المؤبَّدُ إذا عَرَى عن جنسِ الاستباحةِ افتَقرَ إلى العددِ كاللِّعانِ، وما لم يَعْرَ عن جِنسِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٢٦٥)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٢١٥).

الاستباحةِ لم يَفتقرْ إلى العَددِ كالنكاحِ والوَطءِ، ولأنه شُربٌ لا يَعدوهُ في العُرفِ، فوجَبَ أنْ لا يقَعَ به التحريمُ كرَضاعِ الكَبيرِ، ولأنَّ ما يَقعُ به التَّحريم نَوعانِ: أقوالٌ وأفعالٌ، فلمَّا كانَ مِنْ الأقوالِ ما يَفتقرُ إلى العَددِ وهو اللِّعانُ وجَبَ أنْ يكونَ مِنْ الأفعالِ ما يَفتقرُ إلى العَددِ وهو الرَّضاعُ.

وتَحريرُه: أنه أحَدُ فَرعيِ التحريمِ، فوجَبَ أنْ يكونَ منه ما يَفتقرُ إلى العَددِ كالأقوالِ، ولأنَّ وُصولَ اللبنِ إلى الجَوفِ إذا عَرَى عن عَددٍ لم يَقعْ به التحريمُ كالحُقنةِ والسَّعطةِ.

فأما الجَوابُ عن الآيةِ فمِن وَجهينِ:

أحَدُهما: أنَّ قولَه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] يَقتضي إثباتَها أمًّا أولًا ثم تُرضعُ فتَحرمُ، وليسَ في عُمومِ الآيةِ ما يَدلُّ على إثباتِها أمًّا، ولو قالَ: «واللاتِي أرضَعْنَكم هُنَّ أمهاتِكُم» صَحَّ لهم استِعمالُ العُمومِ.

والثاني: أنه لا فرْقَ بينَ تَقدُّمِ الوَصفِ للمَوصوفِ وتأخُّرِه في استِعمالِه على عُمومِه ما لم يَرِدْ تَخصيصٌ، وقد خَصَّه ما روينَاهُ مِنْ الأخبارِ التي قصَدَ بها قدْرَ ما يَقعُ به التحريمُ.

فعَلى هذا لا يَثبتُ التحريمُ إلا بخَمسِ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ؛ لأنَّ الشرعَ ورَدَ بها مُطلقًا، فحُملَ على العُرفِ، والعُرفُ في الرَّضعاتِ أنْ يَرتضعَ ثم يَقطعَه باختيارِه مِنْ غيرِ عارضٍ ثم يَعودَ إليه بعدَ زَمانٍ ثم يَرتضعَ ثم يَقطعَه، وعلى هذا إلى أنْ يَستوفِيَ العدَدَ، كما أنَّ العادةَ في الأكَلاتِ أنْ تكونَ مُتفرقةً

في أوقاتٍ، فأما إذا قطَعَ الرَّضاعَ لضِيقِ نفَسٍ أو لشيءٍ يُلهيهِ ثم رجَعَ إليه أو انتقلَ مِنْ ثَديٍ إلى ثديٍ كانَ الجَميعُ رَضعةً، كما أنَّ الأكلَ إذا قطَعَه لضيقِ نفَسٍ أو شُربِ ماءٍ أو لانتِقالٍ مِنْ لونٍ إلى لونٍ كانَ الجميعُ أكلةً.

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولَا يُحرِّمُ مِنْ الرَّضاعِ إلا خمسُ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ، وذلكَ أنْ يَرضعَ المَولودُ ثمَّ يَقطعَ الرَّضاعَ ثمَّ يَرضعَ ثمَّ يَقطعَ الرَّضاعَ، فإذا رضَعَ في واحِدةٍ مِنهنَّ ما يُعلمُ أنه قد وصَلَ إلى جَوفِه ما قلَّ منه وكَثُرَ فهي رَضعةٌ، وإذا قطَعَ الرَّضاعَ ثمَّ عادَ لمِثلِها أو أكثَرَ فهي رضعةٌ.

وإنِ التَقمَ المُرضعُ الثَّديَ ثمَّ لها بشيءٍ قليلًا ثمَّ عادَ كانتْ رَضعةً واحِدةً، ولا يكونُ القَطعُ إلا ما انفصَلَ انفِصالًا بيِّنًا، كما يكونُ الحالِفُ لا يَأكلُ بالنَّهارِ إلا مرَّةً فيَكونُ يَأكلُ ويَتنفَّسُ بعدَ الازدِرادِ إلى أنْ يَأكلَ، فيَكونُ ذلك مرَّةً وإنْ طالَ، ولو قطَعَ ذلك قَطعًا بيّنًا بعدَ قليلٍ أو كَثيرٍ مِنْ الطَّعامِ ثمَّ أكَلَ كانَ حانثًا وكانَ هذا أكلَتينِ.

ولو أخَذَ ثديَها الواحدَ فأنفَدَ ما فيه ثمَّ تَحوَّلَ إلى الآخَرِ مَكانَه فأنفَدَ ما فيه كانَتْ هذه رَضعةً واحِدةً؛ لأنَّ الرَّضاعَ قد يَكونُ بَقيةَ النفَسِ والإرسالِ والعَودةِ، كما يَكونُ الطعامُ والشَّرابُ بَقيةَ النفَسِ، وهو طعامٌ واحدٌ، ولا يُنظرُ في هذا إلى قَليلِ رَضاعِه ولا كَثيرِه إذا وصَلَ إلى جَوفِه منه شيءٌ فهوَ رَضعةٌ، وما لم يتِمَّ خَمسًا لم يَحرمْ بهنَّ.

والوَجورُ كالرَّضاعِ، وكذلكَ السَّعوطُ؛ لأنَّ الرأسَ جَوفٌ.

قالَ الشافِعيُّ: فإنْ قالَ قائلٌ: فلِمَ لم تُحرِّمْ برَضعةٍ واحدةٍ وقد قالَ بعضُ مَنْ مضَى أنها تُحرِّمُ؟

قيلَ: بما حكَينا أنَّ عائِشةَ تَحكي أنَّ الكتابَ يُحرِّمُ عشرَ رَضعاتٍ ثمَّ نُسخْنَ بخَمسٍ، وبما حكَيْنا أنَّ النبيَّ قالَ: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ ولا الرَّضعتانِ»، وأمَرَ رَسولُ اللهِ أنْ يُرضَعَ سالمٌ خمسَ رَضعاتٍ يحرمُ بهنَّ، فدَلَّ ما حكَتْ عائِشةُ في الكِتابِ وما قالَ رسول اللهِ أنَّ الرّضَاعَ لا يُحرِّمُ بهِ على أقَلِّ اسمِ الرضاعِ، ولم يَكنْ في أحَدٍ مع النبيِّ حُجةٌ (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنْ تكونَ الرَّضعاتُ مُتفرِّقاتٍ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، والمَرجعُ في مَعرفةِ الرَّضعةِ إلى العُرفِ؛ لأنَّ الشرعَ ورَدَ بها مُطلقًا، ولم يَحُدَّها بزَمنٍ ولا مِقدارٍ، فدلَّ ذلكَ على أنه رَدَّهم إلى العُرفِ، فإذا ارتَضعَ الصبيُّ وقطَعَ قطعًا بيِّنًا باختيارِه كانَ ذلكَ رَضعةً، فإذا عادَ كانتْ رَضعةً أخرَى، فأما إنْ قطَعَ لضيقِ نفَسٍ أو للانتقالِ مِنْ ثديٍ إلى ثديٍ أو لشيءٍ يُلهبُه أو قطَعَتْ عليه المُرضِعةُ نظَرْنا، فإنْ لم يَعُدْ قريبًا فهي رضعةٌ.

وإنْ عادَ في الحالِ ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: أنَّ الأُولى رضعةٌ، فإذا عادَ فهي رَضعةٌ أخرَى، وهذا اختيارُ

(١) «الأم» (٥/ ٢٧)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٣٦١، ٣٧٠)، و «المهذب» (٢/ ١٥٦)، و «البيان» (١١/ ١٤٤، ١٤٦)، و «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٠/ ٢٩)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٩، ١٠)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٤١٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٠٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣٤).

أبي بكرٍ وظاهرُ كلامِ أحمَدَ في روايةِ حَنبلٍ، فإنه قالَ: أمَا ترَى الصبيَّ يَرتضعُ مِنْ الثديِ، فإذا أدرَكَه النفَسُ أمسَكَ عن الثديِ ليَتنفسَ أو يَستريحَ، فإذا فعَلَ ذلكَ فهي رَضعةٌ؛ وذلك لأنَّ الأُولى رَضعةٌ لو لم يَعُدْ، فكانتْ رَضعةً وإنْ عادَ كما لو قطَعَ باختيارِه.

والوَجهُ الآخَرُ: أنَّ جَميعَ ذلكَ رَضعةٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، إلا فيما إذا قطَعَتْ عليه المُرضِعةُ ففيه وَجهانِ؛ لأنه لو حلَفَ: «لا أكَلتُ اليومَ إلا أكلةً واحِدةً» فاستَدامَ الأكلَ زَمنًا أو قطَعَ لشُربِ الماءِ أو انتقالٍ مِنْ لونٍ إلى لونٍ أو انتظارٍ لِما يُحملُ إليه مِنْ الطعامِ لم يُعَدَّ إلا أكلةً واحِدةً، فكذا هاهُنا، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَسيرَ مِنْ السَّعوطِ والوَجورِ رَضعةٌ، فكَذا هَذا (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَثبتُ التحريمُ إلا بثَلاثِ رَضعاتٍ، وبه قالَ أبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وداودُ وابنُ المُنذِرِ؛ لقولِ النبيِّ : «لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ» (٢).

وعن أمِّ الفَضلِ قالَتْ: «دخَلَ أعرابيٌّ على نَبيِّ اللهِ وهو في بَيتي فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ إني كانَتْ لي امرَأةٌ فتَزوَّجتُ عليها أُخرَى، فزَعمَتْ امرَأتِي الأُولَى أنها أرضَعَتْ امرَأتِي الحُدثَى رَضعةً أو رَضعتَينِ، فقالَ نَبيُّ اللهِ : «لا تُحرِّمُ الإملَاجةُ والإملاجَتانِ».

(١) «المغني» (٨/ ١٣٧، ١٣٩)، و «الكافي» (٣/ ٣٤٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٥٢)، و «المبدع» (٨/ ١٦٦، ١٦٧)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٣٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و «شرح منتهى الإردات» (٥/ ٦٣٢)، و «منار السبيل» (٣/ ١٨٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٥٠).

وفي لَفظٍ: «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني عامِرِ بنِ صَعصعةَ قالَ: يا نَبيَّ اللهِ هل تُحرِّمُ الرَّضعةُ الواحِدةُ؟ قالَ: لا».

وفي لَفظٍ: «لا تُحرِّمُ الرَّضعةُ أو الرَّضعَتانِ، أو المصَّةُ أو المصَّتانِ» (١)، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الثلاثَ يُحرِّمنَ، ولأنَّ ما يُعتبَرُ فيه العَددُ والتَّكرارُ يُعتبَرُ فيه الثلاثُ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه مُبيِّنًا سبَبَ اختِلافِ الفُقهاءِ في ذلك:

والسَّببُ في اختلافِهم في هذهِ المَسألةِ مُعارَضةُ عُمومِ الكتابِ للأحاديثِ الواردةِ في التَّحديدِ، ومُعارَضةُ الأحاديثِ في ذلك بعضَها بَعضًا.

فأما عُمومُ الكِتابِ فقولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَة، وهذا يَقتضِي ما يَنطلقُ عليه اسمُ الإرضاعِ.

والأحاديثُ المُتعارِضةُ في ذلك راجِعةٌ إلى حَديثينِ في المعنَى:

أحَدُهما: حديثُ عائِشةَ وما في مَعناهُ أنه قالَ عليه الصلاة والسلام: «لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ، أو الرَّضعةُ والرَّضعتانِ» خرَّجَه مُسلمٌ مِنْ طَريقِ عائِشةَ، ومِن طَريقِ أمِّ الفَضلِ، ومِن طَريقٍ ثالثٍ وفيه: قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «لا تُحرِّمُ الإملاجَةُ ولا الإملاجَتانِ».

(١) أخرجه مسلم (١٤٥١).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ٩، ١٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٠٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣٤)، و «المغني» (٨/ ١٣٨)، و «الكافي» (٣/ ٣٤٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٥٢)، و «المبدع» (٨/ ١٦٦، ١٦٧)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٣٤)، و «منار السبيل» (٣/ ١٨٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرضاع
١٣٧١ - مسألة؛ قال: (وإذا حبلت ممن يلحق نسب ولدها به، فثاب لها لبن، فأرضعت به طفلا خمس رضعا

الإِجْماعِ. وَوَجْهُ القولِ الأوَّلِ، أنَّ التَّحْريمَ بينهما فَرْعٌ لحُرْمةِ الأُبُوَّةِ، فلمَّا لم تَثْبُتْ حُرْمةُ الأُبُوَّةِ، لم يَثْبُتْ ما هو فَرْعٌ لها. ويفارِقُ تَحْريمَ ابْنَتِه من الزِّنَى؛ لأنَّها من نُطفَتِه حقيقةً، بخلافِ مَسْأَلَتِنا. ويفارقُ تَحْريمَ المُصاهَرةِ؛ فإنَّ التَّحْريمَ ثَمَّ لا يَقِفُ على ثُبُوتِ النَّسَبِ، ولهذا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِه وابْنَتُها من غير نَسَبٍ، وتَحْرِيمُ الرَّضاعِ مَبْنيٌّ على النَّسَبِ، ولهذا قال عليه السلام: "يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" . فأمَّا المُرْضِعةُ، فإنَّ الطِّفْلَ المُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عليها، ومَنْسُوبٌ إليها عندَ الجميعِ. وكذلك يَحْرُمُ جميعُ أوْلادِها، وأقارِبها الذين يَحْرُمُون على أولادِها، على هذا المُرْتَضِع، كما في الرَّضَاعِ باللَّبَنِ المُباحِ. وإن كان المُرْتَضِعُ جارِيةً، حَرُمَتْ على المُلاعِنِ، بغير خِلافٍ أيضًا؛ لأنَّها رَبِيبَتُه، فإنَّها بِنْتُ امْرَأتِه من الرَّضاعِ، وتَحْرُمُ على الزَّانِى، عندَ مَنْ يَرَى تَحْريمَ المُصَاهَرةِ، وكذلك يَحْرُمُ بناتُها وبناتُ المُرْتَضِعِ من الغِلْمانِ لذلك.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 274 - 284

ارجع إلى الأحكام التي تترتب على الرضاع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله