الركن الثاني: اللبن

الإسلام > النكاح والأسرة > الأحكام التي تترتب على الرضاع > الركن الثاني: اللبن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الركن الثاني: اللبن - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الثاني: اللَّبَنُ:

اشتَرطَ الفُقهاءُ في اللَّبنِ الذي يَثبتُ به التَّحريمُ أنْ يَصلَ إلى جَوفِ الطفلِ، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَصلَ بمَصِّ الثَّديِ أو بإيجارٍ مِنْ الحَلقِ أو إسعاطٍ مِنْ الأنفِ، فإذا حلَبَتْ لبَنَها في قارورةٍ فإنَّ الحُرمةُ تَثبتُ بإيجارِ هذا اللَّبنِ صَبيًّا وإنْ لم يُوجَدِ المَصُّ، فلا فرْقَ بينَ المَصِّ والصَبِّ والسَّعوطِ والوَجورِ، وهذا كلُّه لا خِلافَ فيه بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ (١).

إلا أنهُم اختَلفوا فيما يلي:

أولاً: إذا اختَلطَ اللَّبنُ بشَيءٍ مائعٍ:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ لبَنَ المَرأةِ إذا اختَلطَ بالماءِ أو بغَيرِه مِنْ المائعاتِ -سواءٌ كانَتْ طاهرةً أو نَجسةً- واللبنُ هو الغالِبُ بأنْ وُجدَ طَعمُه أو لونُه أو رائِحتُه تَعلقَ به التحريمُ، أو كانَ مساويًا كما يقولُ المالِكيةُ فإنه يَحصلُ به التَّحريمُ.

وإنْ غلَبَ الماءُ أو المائعُ بأنْ لم يُوجَدْ طَعمُه ولا لونُه ولا رائحتُه لم يَتعلقْ به التحريمُ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكية في المَذهبِ والحَنابلةِ؛

(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٠، ٣٨١)، و «اللباب» (٢/ ٦٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٦٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٣٩٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٠١، ٢٠٢)، و «كنز الراغبين» (٤/ ١٥٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣٢، ١٣٣)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١١١، ١١٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٣٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٢٣).

لأنه لا يَقعُ به التغذِّي، كما في اليَمينِ إذا حلَفَ لا يَشربُ اللبنَ فشَربَ لبنًا مَخلوطًا بالماءِ والماءُ غالبٌ لم يَحنثْ.

ولأنَّ تَعلُّقَ تَحريمِ المناكَحةِ باللَّبنِ كتَعلقِ وُجوبِ الحدِّ بشُربِ الخمرِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ النقطةَ مِنْ الخَمرِ إذا استُهلكَتْ في الماءِ فإنه لا يَتعلقُ بشربِه حدٌّ، فكذلكَ اللبنُ (١).

وقالَ مُطرِّفٌ وأشهَبُ وعبدُ المَلكِ واللَّخميُّ: يَثبتُ به الحرمةُ ولو كانَ مَغلوبًا (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: إنْ غُلِبَ بأنْ زالَتْ أوصافُه الثلاثةُ حِسًّا وتَقديرًا وشَربَ الرضيعُ الكلَّ حَرَّمَ، كذا لو شَربَ البعضَ حَرَّمَ في الأظهَرِ؛ لوُصولِ اللبنِ إلى الجَوفِ، بشَرطِ تَحققِ أنَّ اللبنَ قد وصَلَ إلى الجَوفِ بأنْ بَقيَ منه أقلُّ مِنْ قَدرِ اللبنِ، وأنْ يكونَ اللبنُ مِقدارًا لو انفَردَ لَأثَّرَ بأنْ يكونَ اللبنُ قَدرًا يُمكنُ أنْ يُسقَى منه خَمسَ دَفعاتِ لو انفَردَ عن الخَليطِ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٠، ٣٨١)، و «اللباب» (٢/ ٦٥)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٥٦، ٥٧)، رقم (١٤٠٤)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢١)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٦٨)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٣٩٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٠١، ٢٠٢)، و «كنز الراغبين» (٤/ ١٥٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣٢، ١٣٣)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١١١، ١١٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٣٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٢٣)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠٦).
(٢) «تحبير المختصر» (٣/ ٣٩٠).

وفي مُقابلِ الأظهَرِ: لو شَربَ البعضَ لا يُحرِّمُ؛ لأنَّا لم نَتحققْ وُصولَ جميعِ اللبنِ (١).

وهو قَولٌ للحَنابلةِ، فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (واللبنُ المَشوبُ كالمَحضِ).

المَشوبُ: المُختلطُ بغيرِه، والمَحضُ: الخالصُ الذي لا يُخالطُه سِواهٌ، وسَوَّى الخِرقيُّ بينَهُما، سواءٌ شِيبَ بطعامٍ أو شرابٍ أو غيرِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وقالَ أبو بَكرٍ: قَياسُ قولِ أحمَدَ أنه لا يُحرِّمُ؛ لأنه وَجورٌ، وحُكيَ عن ابنِ حامدٍ أنه قالَ: إنْ كانَ الغالِبُ اللبنَ حَرَّمَ وإلا فلا، وهو قولُ أبي ثَورٍ والمُزنِيِّ؛ لأنَّ الحُكمَ للأغلَبِ، ولأنه يَزولُ بذلكَ الاسمُ والمعنَى المُرادُ به، ونحوُ هذا قولُ أصحابِ الرأيِ، وزادُوا فقالُوا: إنْ كانَتِ النارُ قد مسَّتِ اللبنَ حتى أنضَجَتِ الطعامَ أو حتى تغيَّرَ فليسَ برَضاعٍ.

ووَجهُ الأولِ أنَّ اللبنَ متى كانَ طاهِرًا فقدْ حصَلَ شُربُه ويَحصلُ منه إنباتُ اللَّحمِ وإنشازُ العَظمِ، فحَرَّمَ كما لو كانَ غالبًا، وهذا فيما إذا كانَتْ صِفاتُ اللبنِ باقيةً، فأما إنْ صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يَتغيرْ به لم يَثبتْ به التَّحريمُ؛ لأنَّ هذا ليسَ بلَبنٍ مَشوبٍ ولا يَحصلُ به التغذِّي ولا إنباتُ اللحمِ ولا إنشازُ العَظمِ.

وحُكيَ عن القاضي أنَّ التحريمَ يَثبتُ به، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ أجزاءَ اللبنِ حصَلَتْ في بَطنِه، فأشبَهَ ما لو كانَ لونُه ظاهرًا.

(١) «النجم الوهاج» (٨/ ٢٠١، ٢٠٢)، و «كنز الراغبين» (٤/ ١٥٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣٢، ١٣٣)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١١١، ١١٢).

ولنا: إنَّ هذا ليسَ برَضاعٍ ولا في مَعناهُ، فوجَبَ أنْ لا يَثبتَ حُكمُه فيه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما هل مِنْ شرطِ اللبنِ المُحرِّمِ إذا وصَلَ إلى الحَلقِ أنْ يكونَ غيرَ مُخالِطٍ لغيرِه؟ فإنهُم اختَلفوا في ذلكَ أيضًا:

فقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا استُهلكَ اللبنُ في ماءٍ أو غيرِه ثم سُقيَه الطفلُ لم تَقعِ الحرمةُ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه.

وقالَ الشافِعيُّ وابنُ حَبيبٍ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجشُونِ مِنْ أصحابِ مالكٍ: تَقعُ به الحُرمةُ، بمَنزلةِ ما لو انفَردَ اللبنُ أو كانَ مُختلطًا لم تَذهبْ عينُه.

وسَببُ اختلافِهم: هل يَبقى للَّبنِ حُكمُ الحرمةِ إذا اختَلطَ بغيرِه أم لا يَبقى به حكمُها؟ كالحالِ في النَّجاسةِ إذا خالطَتِ الحَلالَ الطاهِرَ.

والأصلُ المُعتبَرُ في ذلكَ انطِلاقُ اسمِ اللبنِ عليه كالماءِ، هل يَطهرُ إذا خالَطَه شيءٌ طاهرٌ؟

المَسألةُ السادِسةُ: وأما هل يُعتبَرُ فيه الوُصولُ إلى الحَلقِ أو لا يُعتبَرُ؟ فإنه يُشبهُ أنْ يكونَ هذا هو سبَبَ اختلافِهم في السَّعوطِ باللبنِ والحُقنةِ به.

ويُشبهُ أنْ يكونَ اختلافُهم في ذلكَ لمَوضعِ الشكِّ، هل يَصلُ اللبنُ مِنْ هذهِ الأعضاءِ أو لا يَصلُ؟ (٢).

(١) «المغني» (٨/ ١٤٠).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٨، ٢٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل ركن النكاح

فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ احْتَجَّ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ قَطْعًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَوْ تَرَكَهُ لَا يَأْثَمُ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ، فَأَشْبَهَ الْجِهَادَ، وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَرَدَّ السَّلَامِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 267 - 270

ارجع إلى الأحكام التي تترتب على الرضاع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده