الإسلام > النكاح والأسرة > الأحكام التي تترتب على الرضاع > رابعا: أن تكون المرأة حية (التحريم بلبن المرأة الميتة)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ تَقدمُ حَملٍ، فإذا نزَلَ للبِكرِ لَبنٌ فأرضَعَتْ به صَبيًّا تَعلَّقَ به التَّحريمُ؛ لإطلاقِ النصِّ، وهو قَولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولأنه لَبنُ امرأةٍ، فتَعلَّقَ به التَّحريمِ كما لو ثابَ بوَطءٍ، ولأنَّ ألبانَ النِّساءِ خُلقَتْ لغِذاءِ الأطفالِ، وإنْ كانَ هذا نادِرًا فجِنسُه مُعتادٌ (١).
رابعًا: أنْ تَكونَ المرأةُ حيَّةً (التَّحريمُ بلَبنِ المرأةِ الميتةِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَرأةَ إذا حُلبَ منها لَبنٌ في حَياتِها في إناءٍ ثم ماتَتْ وأُوجِرَ به الصبيُّ بعدَ مَوتِها أنه يَثبتُ به الحُرمةُ؛ لحُصولِ المَعنى المُوجبِ للحُرمةِ بهذا اللَّبنِ، ولا مُعتبَرَ بفعلِها في الإرضاعِ، ألَا تَرى أنها لو كانَتْ نائِمةً فارتَضعَ مِنْ ثَديها الصبيُّ تَثبتُ الحُرمةُ، وكذلكَ الإيجارُ لو حصَلَ في حَياتِها تَثبتُ الحُرمةُ، فكَذلكَ بعدَ مَوتِها.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولا خِلافَ في أنه إذا حُلبَ لبنُها في حالِ حياتِها في إناءٍ فأُوجرَ به الصبيُّ بعدَ موتِها أنه يَثبتُ به الحُرمةُ (٢).
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٣)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٨٣)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٨٥)، و «اللباب» (٢/ ٦٧)، و «المدونة الكبرى» (٥/ ٤١٠)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢٠)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٤٢٤)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٧٦، ١٧٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٦٧، ٤٦٨)، و «المهذب» (٢/ ١٥٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٠٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣١)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١١٠، ١١١)، و «المغني» (٨/ ١٤٤)، و «الكافي» (٣/ ٣٤٥).
(٢) «بدائع الصنائع» (٤/ ٨).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولو حَلَبتِ المَرأةُ لبنَها في إناءٍ ثمَّ ماتَتْ فشَربَه صَبيٌّ نشَرَ الحُرمةَ في قَولِ كلِّ مَنْ جعَلَ الوَجورَ مُحرِّمًا، وبه قالَ أبو ثَورٍ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ وغيرُهم؛ وذلكَ لأنه لبنُ امرأةٍ في حَياتِها، فأشبَهَ ما لو شَربَه وهي في الحياةِ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو ارتَضعَ صَبيٌّ مِنْ امرأةٍ مَيتةٍ أو أُخذَ اللَّبنُ منها وهي مَيتةٌ وشَربَه الصبيُّ بأنْ أُوجِرَ في فَمِه، هل تَثبتُ به الحُرمةُ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ وبعضُ الحَنابلةِ إلى أنه يُشترطُ أنْ تَكونَ المُرضعُ حيَّةً حياةً مُستقرةً، فإذا ارتَضعَ المَولودُ مِنْ لبنِ المَيتةِ الحاصلِ مِنْ ثَديها بعدَ موتِها لم يَثبتْ به التَّحريمُ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «الحَرامُ لا يُحرِّمُ الحَلالَ»، وهذا اللبنُ مُحرِّمٌ لنَجاسةِ عينِه، فلَم يَثبتْ به تَحريمُ ما كانَ حَلالًا مِنْ قبلِه، ولأنَّ ما تَعلَّقَ به تَحريمُ النكاحِ يَنتفي مِنْ حُدوثِه بعدَ المَوتِ كالنكاحِ، ولأنَّ الرضاعَ ثبَّتَ تَحريمَ المُصاهرةِ كالوطءِ بشُبهةٍ، فلمَّا كانَ الموتُ مانعًا مِنْ ثُبوتِ التحريمِ بالوطءِ -لأنه لو وَطئَ المَيتةَ بعدَ مَوتِها مُعتقدًا أنها في الحَياةِ لم يَثبتْ بوَطئِه التحريمُ- كذلكَ ارتِضاعُ لَبنِ الميتةِ.
وتَحريرُه أنَّ ما ثبَتَ به التَّحريمُ إذا اتَّصلَ بحَياتِها زالَ عنهُ التحريمُ إذا اتَّصلَ بمَوتِها كالوَطءِ، ولأنَّ تَحريمَ الرَّضاعِ مُتعلقٌ بانفِصالِه مِنْ ثَدي الأمِّ ووُصولِه إلى جَوفِ الوَلدِ، فلمَّا كانَ وصولُ اللَّبنِ إلى الولدِ بعدَ موتِها مانعًا
(١) «المغني» (٨/ ١٤١).
مِنْ ثبوتِ التحريمِ وجَبَ أنْ يكونَ انفصالُه بعدَ موتِ الأمِّ مانعًا مِنْ ثُبوتِ التحريمِ، وتَحريرُه أنه أحَدُ جِهتَي التحريمِ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ الموتُ مِنْ ثبوتِ التحريمِ كالوَلدِ، ولأنَّ الموتَ لمَّا أسقَطَ حُرمةَ وَطئِها وجَبَ أنْ يُسقطَ حُرمةَ لبنِها كالزِّنا، ولأنَّ الرَّضاعَ كالجِنايةِ لِما يَتعلقُ به مِنْ ضَمانِ التَّحريمِ، والميتُ لا يَثبتُ حُكمُ الجِنايةِ في حقِّه وإنْ ثبَتَ في حقِّ النائمِ والمَجنونِ، ألَا تَرى أنَّ ميتًا لو سقَطَ على رَجلٍ فقتَلَه لم يَضمنْه، ولو سقَطَ عليه نائِمٌ أو مَجنونٌ ضَمِنَه، ولا يَدخلُ على هذا حافرُ البِئرِ إذا حدَثَتْ بها جِنايةٌ بعدَ موتِه؛ لوُجودِ الحَفرِ منه في حياتِه، وإذا سقَطَ بالموتِ حُكمُ الجِنايةِ سقَطَ بها حُكمُ الضمانِ.
ولأنَّ لبَنَ الرَّضاعِ ما أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ، ولهذا المَعنى لم يَثبتْ رَضاعُ الكبيِر، ولَبنُ المَيتةِ داءٌ لا يَنبتُ به اللَّحمُ ولا يَنتشرُ به العَظمُ، فلَم يَثبتْ به التحريمُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ لبَنَ المرأةِ الميتةِ كلَبنِ الحيَّةِ، فإذا شَربَ الطفلُ مِنْ ثَديها أو حُلبَ اللبنُ مِنْ ثَديها بعدَ موتِها فأُوجرَ الصبيُّ ثبَتَتْ به الحُرمةُ؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ: «يَحرمُ مِنْ الرَّضاعِ ما يَحرمُ مِنْ النَّسبِ»، واسمُ الرضاعِ لا يَقفُ على
(١) «الحاوي الكبير» (١١/ ٣٧٦، ٣٧٧)، و «المهذب» (٢/ ١٥٧)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٣١)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ١١٠)، و «المغني» (٨/ ١٤٠، ١٤١).
الارتِضاعِ مِنْ الثديِ؛ فإنَّ العرَبَ تقولُ: «يَتيمُ راضِعٌ» وإنْ كانَ يرضعُ بلَبنِ الشاةِ والبقرِ، ولا على فِعلِ الارتضاعِ منها؛ بدَليلِ أنه لو ارتَضعَ الصبيُّ منها وهي نائمةٌ يُسمَّى ذلك رَضاعًا حتَّى يُحرِّمُ، ويقالَ أيضًا: «أُرضعَ هذا الصبيُّ بلَبنِ هذه الميتةِ» كما يُقالَ: «أُرضعَ بلَبنِ الحيَّةِ»، وقولُه: «الرَّضاعةُ مِنْ المَجاعةِ» وقَولُه: «الرَّضاعُ ما أنبَتَ اللحمَ وأنشَزَ العَظمَ» وقَولُه «الرَّضاعُ ما فتَقَ الأمعاءَ»، ولبنُ المَيتةِ يَدفعُ الجُوعَ ويُنبتُ اللحمَ ويُنشزُ العَظمَ ويَفتقُ الأمعاءَ، فيُوجِبُ الحرمةَ، ولأنَّ اللبنَ كانَ مُحرِّمًا في حالِ الحياةِ، والعارضُ هو المَوتُ واللبنُ لا يَموتُ كالبيضةِ، كذا رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه أنه قالَ: «اللَّبنُ لا يَموتُ»، ولأنَّ المَوتَ يَحلُّ مَحلَّ الحَياةِ، ولا حياةَ في اللبنِ، ألَا تَرى أنها لم تَتألَّمْ بأخذِه في حالِ حَياتِها، والحَيوانُ يَتألمُ بأخذِ ما فيه حَياةٌ مِنْ لَحمِه وسائرِ أعضائِه، وإذا لم يَكنْ فيه حياةٌ كانَ حالُه بعدَ موتِ المَرأةِ كحالِه قبلَ مَوتِها، وقبلَ مَوتِها مُحرِّمٌ، كذا بعدَه.
ولو سلَّمْنا بحُرمةِ اللبنِ بالموتِ فبالحُرمةِ لا يَخرجُ مِنْ أنْ يكونَ مُغذِّيًا، ألَا تَرى أنَّ لحمَ الميتةِ مُغَذٍّ، فكذلكَ لبنُها.
ولأنه لا فارِقَ بينَ شُربِه في حياتِها وموتِها إلا الحَياةُ والمَوتُ أو النَّجاسةُ، وهذا لا أثَرَ له؛ فإنَّ اللبنَ لا يَموتُ، والنجاسةُ لا تمنَعُ، كما لو حلَبَ في وِعاءٍ نَجسٍ، ولأنه لو حُلبَ منها في حياتِها فشَربَه بعدَ موتِها لَنشَرَ الحُرمةَ، وبقاؤُه في ثَديِها لا يَمنعُ ثبوتَ الحُرمةِ؛ لأنَّ ثَديَها لا يَزيدُ على
الإناءِ في عَدمِ الحياةِ، وهي لا تَزيدُ على عَظمِ المَيتةِ في ثُبوتِ النجاسةِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأما صِفةُ المُرضِعةِ فإنهُم اتَّفقوا على أنه يُحرِّمُ لبنُ كلِّ امرأةٍ بالغٍ وغيرِ بالغٍ واليائسةِ مِنْ المَحيضِ، كانَ لها زَوجٌ أو لم يكنْ، حامِلًا كانَتْ أو غيرَ حامِلٍ، وشَذَّ بعضُهم فأوجَبَ حُرمةً للبَنِ الرجلِ، وهذا غيرُ مَوجودٍ فَضلًا عن أنْ يكونَ له حُكمٌ شَرعيٌّ، وإنْ وُجدَ فليسَ لبنًا إلا باشتِراكِ الاسمِ.
واختَلفوا مِنْ هذا البابِ في لبنِ المَيتةِ:
وسَببُ الخلافِ: هل يَتناولُها العُمومُ أو لا يَتناولُها؟ ولا لبَنَ للمَيتةِ إنْ وُجدَ لها إلا باشتِراكِ الاسمِ، ويكادُ أنْ تكونَ مَسألةً غيرَ واقِعةٍ، فلا يكونُ لها وُجودٌ إلا في القَولِ (٢).
(١) «المبسوط» (٥/ ١٣٩)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٨)، و «البحر الرائق» (٣/ ٢٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٢)، و «اللباب» (٢/ ٦٦)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢٠)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٧٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٦٧)، و «المغني» (٨/ ١٤٠، ١٤١)، و «الكافي» (٣/ ٣٤٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٥٣)، و «المبدع» (٨/ ١٦٩)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٣٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٢٣).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرضاع
فصل في صفة الرضاع المحرم
مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ إذَا وَلَدَتْ ابْنًا وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ؛ فَهِيَ أُخْتُ أَخِيهِ لِأَبِيهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَكَذَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَيَجُوزُ لِزَوْجِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمُرْضَعَ ابْنُهُ، وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ وَكَذَا أَبَ الْمُرْضَعِ مِنْ النَّسَبِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْضِعَةَ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعِ فَهِيَ كَأُمِّ ابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَحَارِمِ أَبِي الصَّبِيِّ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ النَّسَبِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي صفة الرَّضَاع الْمُحَرِّمِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى الأحكام التي تترتب على الرضاع للاطلاع على جميع المسائل.