الاختلاف في المهر

الإسلام > النكاح والأسرة > الاختلاف في المهر

مسائلُ فقهيةٌ في الاختلاف في المهر على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

تعريف الاختلاف في المهر وحكمها

فصل في الاختلافِ في المَهرِ

الاختِلافُ في المَهرِ بيْنَ الزَّوجَينِ قد يَكونُ في حالِ حَياةِ الزَّوجَينِ، وقدْ يكونُ بعْدَ مَوتِ أحَدِهما وورَثةِ الآخَرِ، أو بعْدَ مَوتِهما بيْنَ وَرثتِهما، وهذا الاختِلافُ لا يَخلو: إمَّا أنْ يَختَلفا في أصلِ التَّسمِيةِ أو مِقدارِ المَهرِ المُسمَّى أو في قَبضِ المَهرِ أو شيءٍ مِنه، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ الطَّلاقِ أو بعْدَه.

أ - الاختِلافُ في أصلِ التَّسمِيةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا كانَ اختِلافُ الزَّوجَينِ في أصلِ المُسمَّى، بأنْ يَدَّعي أحَدُهما التَّسميةَ ويُنكِرَ الآخَرُ، ما الَّذي يَجبُ؟ وهل يُقبلُ قَولُ مُدَّعِي التَّسميةِ أم المُنكِرِ؟

فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفا في أصلِ المُسمَّى بأنْ يَدَّعِي أحَدُهما التَّسمِيةَ ويُنكِرَ الآخَرُ، فإنْ أقامَ أحَدُهما البَيِّنةَ قُضيَ لهُ بها، وإنْ عَجزَ عَنْ إقامةِ البَيِّنةِ حلَفَ مُنكِرُ التَّسميةِ، فإنْ نكَلَ عنِ اليَمينِ حُكِمَ عليهِ بسَببِ نُكولِه.

وإنْ حلَفَ أنهُ لَم يَحصُلْ تَسميةٌ أصلًا رُفضَتْ دَعوى التَّسميةِ ووجَبَ مَهرُ المِثلِ بالإجماعِ؛ لأنهُ لا يُتمكَّنُ المَصيرُ إلى المُسمَّى مع وُجودِ الشَّكِّ؛ لأنَّ الواجِبَ الأصليَّ في بابِ النِّكاحِ هوَ مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ قِيمةُ البُضعِ، وقِيمةُ الشَّيءِ مِثلُه مِنْ كلِّ وَجهٍ، فكانَ هوَ العَدلَ، وإنَّما التَّسميةُ تَقديرٌ لمَهرِ المِثلِ، فإذا لم تَثبُتِ التَّسميةُ لوُقوعِ الاختِلافِ فيها وجَبَ المَصيرُ إلى المُوجبِ الأصليِّ.

ولو كانَ قبْلَ الدُّخولِ تَجبُ المُتعةُ بالإجماعِ.

ولو كانَ الاختِلافُ بعْدَ مَوتِ أحَدِ الزَّوجَينِ وورَثةِ المَيتِ فهو كالخِلافِ في حالِ حَياتِهما، فيَجبُ مَهرُ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ؛ لأنَّ اعتِبارَ مَهرِ المِثلِ لا يَسقطُ بمَوتِ أحَدِهما، كما في المُفوِّضةِ، وهيَ الَّتي زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ رَجلٍ بغَيرِ مَهرٍ.

وتَجبُ المُتعةُ قبْلَ الدُّخولِ (١).

وذهَبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا بعْدَ الدُّخولِ أو المَوتِ أو الطَّلاقِ فادَّعتِ المرأةُ أنهُ سَمَّى لها صَداقًا وادَّعَى الزَّوجُ أنهُ تَزوَّجَها تَفويضًا فالقَولُ قَولُ الزَّوجِ بيَمينِه إذا كانَتْ مِنْ قَومٍ يَتَناكَحونَ على

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٠٥)، و «الهداية» (١/ ٢١٣)، و «البناية» (٥/ ١٩٦)، و «العناية» (٥/ ٤٤)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٥٧)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٩٦، ١٩٧)، و «النهر الفائق» (٢/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ١٤٨)، و «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٤/ ١٤٠).

التَّفويضِ فقطْ، أو هوَ الغالِبُ عِندَهم، أو عَليهِ وعلى التَّسميةِ سَويَّةً؛ لصِدْقِ الاعتيادِ بذلكَ.

ويَلزمُه أنْ يَفرضَ لها صَداقَ المِثلِ بعْدَ البِناءِ، ولا شيءَ عليهِ في الطَّلاقِ أو المَوتِ قبْلَ البِناءِ.

فإنْ كانَا مِنْ قَومٍ اعتَادوا التَّسميةَ خاصَّةً أو لا عادةَ لهُم بشيءٍ أو كانَتْ التَّسميةُ هيَ الغالِبةَ فيُقبَلُ قَولُ مُدَّعِي التَّسميةِ مِنهما بيَمينٍ ويَثبتُ النِّكاحُ (١).

وذهَبَ الشَّافِعيةُ في الأصحِّ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا وادَّعتِ الزَّوجةُ تَسميةً لقَدرٍ أكثرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها أو أقلَّ فأنكَرَ الزَّوجُ ذِكرَ التَّسميةِ أصلًا بأنْ قالَ: «لَم تَقعْ تَسميةٌ» ولَم يَدَّعِ تَفويضًا يُفسِدُ النِّكاحَ تَحالَفَا قبْلَ انقِطاعِ الزَّوجيَّةِ أو بَعدَه؛ لأنَّ حاصِلَه الاختِلافُ في قَدرِ المَهرِ؛ لأنهُ يَقولُ: «الواجِبُ مَهرُ المِثلِ» وهيَ تَدَّعِي زِيادةً عليهِ.

وفي مُقابلِ الأصَحِّ: يُصدَّقُ الزَّوجُ بيَمينِه؛ لمُوافَقتِه للأصلِ، ويَجبُ مَهرُ المِثلِ.

ولو أنكَرَتِ التَّسميةَ وادَّعى الزَّوجُ التَّسميةَ وكانَ مُدَّعاهُ دُونَ مَهرِ المِثلِ أو مِنْ غَيرِ نَقدِ البَلدِ أو مُعيَّنٍ تَحالَفَا أيضًا في الأصَحِّ.

ولو ادَّعَى أحَدُهما التَّفويضَ والآخَرُ التَّسميةَ، فإنْ أوجَبْنا المَهرَ في

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٦٢١، ٦٢٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٩٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٩٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٧٨)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٠٠).

التَّفويضِ بالعَقدِ .. فهو كما لو ادَّعَى أحَدُهما السُّكوتَ والآخَرُ التَّسميةَ، وإلَّا .. فالأصلُ عَدمُ التَّسميةِ مِنْ جانِبٍ وعدمُ التَّفويضِ مِنْ جانِبٍ، فيَحلِفُ كُلٌّ مِنهُما على نَفيِ مُدَّعَى الآخَرِ تَمسُّكًا بالأصلِ.

وإنِ ادَّعى أحَدُهما التَّفويضَ والآخَرُ السُّكوتَ عَنْ المَهرِ صُدِّقَ الآخَرُ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّفويضِ، فيَجبُ مَهرُ المِثلِ، فإنْ كانَ تَركُ التَّسميةِ يُفسِدُ النِّكاحَ لوُقوعِه مِنْ غَيرِ جائِزةِ التَّصرُّفِ فلا تَحالُفَ.

والصَّوابُ: أنَّ الزَّوجَ إذا ماتَ وادَّعتْ على الوارِثِ أنَّ الزَّوجَ سَمَّى لها ألفًا فقالَ الوارِثُ: «لا أعلَمُ كَمْ سَمَّى» .. لم يَتَحالفَا، بل يَحلِفُ الوارِثُ على نَفيِ العِلمِ، ثمَّ قُضيَ لها بمَهرِ المِثلِ.

ولوِ ادَّعتْ نِكاحًا ومَهرَ مِثلٍ لعَدمِ تَسميةٍ صَحيحةٍ فأقَرَّ بالنَّكاحِ وأنكَرَ المَهرَ بأنْ قالَ: «نكَحْتُها ولا مَهرَ لها عليَّ» أو نَفاهُ في العَقدِ أو سكَتَ عنهُ بأنْ قالَ: «نكَحْتُها» ولَم يَزِدْ ولم يَدَّعِ تَفويضًا ولا إخلاءَ النِّكاحِ عَنْ ذِكرِ مَهرٍ فالأصَحُّ عَدمُ سَماعِ ذلكَ مِنه وتَكليفُه البَيانَ لمَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ النِّكاحَ يَقتَضي المَهرَ.

فإنْ ذكَرَ قَدْرًا وزادَتْ عليهِ تَحالَفَا، وهوَ في الحَقيقةِ تَحالُفٌ في قَدْرِ مَهرِ المِثلِ، وإنْ أصَرَّ الزَّوجُ مُنكِرًا للمَهرِ أو ساكِتًا حلَفَتِ الزَّوجةُ اليَمينَ المَردودةَ أنها تَستحِقُّ عليهِ مَهرَ مِثلِها، وقُضيَ لها بهِ عليهِ، ولا يُقبَلُ قَولُها ابتِداءً؛ لأنَّ النِّكاحَ قد يُعقَدُ بأقَلِّ مُتموَّلٍ، وكُلِّفَ البَيانَ هُنا؛ لإنكارِهِ المَهرَ أصلًا، ولا سَبيلَ إليهِ معَ الاعتِرافِ بالنِّكاحِ.

والثَّاني: لا يُكلَّفُ بَيانَ مَهرٍ، والقَولُ قَولُه بيَمينِه أنَّها لا تَستحِقُّ عليهِ مَهرًا؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه.

والثَّالثُ: القَولُ قَولُها بيَمينِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ مَعَها.

ولوِ ادَّعَى الزَّوجُ أو وارِثُه تَسليمَ مَهرٍ لمَحجُورةٍ إلى وَليِّ مالِها سُمعَتْ دَعواهُ، وأمَّا إنِ ادَّعَى تَسليمَ المَهرِ إلى وَليِّ رَشيدةٍ فلا تُسمَعُ دَعواه، إلَّا إنِ ادَّعى أنها أَذنَتْ في تَسليمِه نَقدًا ونَحوَه (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إنِ اختَلفَا أو وَرَثتُهما أو أحَدُهما ووَليُّ الآخَرِ أو وارِثُه في تَسميتِه بأنْ قالَ: «لَم نُسمِّ مَهرًا» وقالَتْ: «سُمِيَّ لَي مَهرُ المِثلِ» فعَلى رِوايتَينِ:

إحداهُما: القَولُ قَولُ الزَّوجِ بِيَمينِهِ؛ لأنَّهُ يَدَّعِي ما يُوافِقُ الأَصلَ.

والرِّوايةُ الثَّانيةُ -وهيَ المَذهبُ-: القَولُ قَولُها في تَسميةِ مَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ تَسميتُه.

ولها مَهرُ المِثلِ على كِلتَا الرِّوايتَينِ إنْ وُجدَ ما يُقرِّرُه، وهو الدُّخولُ أو المَوتُ أو الخَلوةُ.

فإنْ طلَّقَ ولَم يَدخُلْ بها فلَها المُتعةُ؛ بِناءً على عن أنَّ القَولَ قَولُه في عَدمِ التَّسميةِ، فهيَ مُفوِّضةٌ، وعلى الرِّوايةِ الأُخرَى: لها نِصفُ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ المُسمَّى لها؛ لقَبولِ قَولِها فيهِ.

(١) «النجم الوهاج» (٧/ ٣٦٤، ٣٦٥)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٩٧)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٤٦، ١٤٧)، و «الديباج» (٣/ ٣٤٤، ٣٤٥).

مسائل الاختلاف في المهر الفقهية

ارجع إلى النكاح والأسرة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 30 ربيع الأول
هلال جديد اليوم 1.5 / 29.5
الإضاءة 3%
البدر بعد 13 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله