الإسلام > النكاح والأسرة > الخيار لأحد الزوجين > الخيار في العيب على الفور أم على التراخي؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةقالَ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه: وقالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: ليسَ هوَ الفاسِخ، وإنَّما يَأذَنُ ويَحكمُ بهِ، فمَتى أَذِنَ أو حكَمَ لأحَدٍ باستحقاقِ عَقدٍ أو فَسخٍ فعقَدَ أو فسَخَ لم يَحتجْ بعْدَ ذلكَ إلى حُكمٍ بصحَّتِهِ بلا نِزاعٍ، لكنْ لو عقَدَ هو أو فسَخَ فهوَ كفعلِهِ فيهِ الخلافُ، وإنْ عقَدَ المُستحِقُّ أو فسَخَ بلا حُكمٍ فأمرٌ مُختلَفٌ فيهِ فيُحكمُ بصحَّتِهِ.
وخرَّجَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه جَوازَ الفَسخِ بلا حُكمٍ في الرِّضَى بعاجزٍ عنِ الوَطءِ كعاجزٍ عنِ النَّفقةِ.
قالَ في القاعدةِ الثَّالثةِ والسِّتينَ: ورجَّحَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ أنَّ جَميعَ الفُسوخُ لا تَتوقَّفُ على حُكمِ حاكمٍ (١).
الخِيارُ في العَيبِ على الفَورِ أم على التَّراخي؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في خيارِ العَيبِ، هل يَثبتُ على الفَورِ أم على التَّراخي؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ كلَّ مَوضِعٍ جازَ لأحَدِ الزَّوجَينِ أنْ يَفسخَ النِّكاحَ بالعَيبِ فإنَّ ذلكَ الخِيارَ يَثبتُ لهُ على الفَورِ لا على التَّراخي؛ لأنه خيارُ عَيبٍ لا يَحتاجُ إلى نَظَرٍ وتأمُّلٍ، فكانَ على الفورِ كما لوِ اشتَرى عَينًا فوجَدَ فيها عَيبًا، فيَكونُ الردُّ على الفَورِ.
لَسنَا نُريدُ أنَّ الفَسخَ يكونُ على الفَورِ، وإنَّما نُريدُ بهِ أنَّ المُطالَبةَ
(١) «الإنصاف» (٢٠٠، ٢٠١)، ويُنظَر: «المغني» (٧/ ١٤٣)، و «الكافي» (٣/ ٦٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢٤، ١٢٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٦٠٣، ٦٠٤).
بالفَسخِ تكونُ على الفَورِ، وهو أنَّ أحَدَ الزَّوجَينِ إذا عَلِمَ بالآخرِ عَيبًا .. فإنه يَرفعُ ذلكَ إلى الحاكمِ، فيَستَدعِي الحاكِمُ الآخَرَ ويَسألُه، فإنْ أقرَّ بهِ أو كانَ ظاهِرًا .. فسَخَ النكاحَ بينَهما، وإنْ أنكَرَ أو كانَ خَفيًّا .. فعلى المُدَّعِي أنْ يُقيمَ البيِّنةَ، فإذا أقامَ البيِّنةَ .. فَسخَ النِّكاحَ بينَهما (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ خِيارَ العَيبِ ثابتٌ على التَّراخي، لا يَسقطُ ما لم يُوجَدْ منهُ ما يَدلُّ على الرِّضى بهِ مِنَ القَولِ والاستِمتاعِ مِنَ الزَّوجِ أو التَّمكينِ مِنَ المرأةِ؛ لأنه خِيارٌ لهُ لدَفعِ ضَررٍ مُتحقِّقٍ، فكانَ على التَّراخي كخِيارِ القِصاصِ، وخِيارُ العَيبِ في المبيعِ يَمنَعُه، ثمَّ الفَرقُ بينَهما أنَّ ضررَهُ في المَبيعِ غيرُ مُتحقِّقٍ؛ لأنه قد يَكونُ المَقصودُ ماليَّتَه أو خدمَتَهُ، ويَحصلُ ذلكَ مع عيبِهِ، وهاهُنا المَقصودُ الاستِمتاعُ ويَفوتُ ذلكَ بعيبِهِ (٢).
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا بَيانُ ما يَبطلُ بهِ الخِيارُ فما يَبطلُ بهِ الخِيارُ نَوعانِ: نصٌّ ودَلالةٌ، فالنَّصُّ هوَ التَّصريحُ بإسقاطِ الخِيارِ وما يَجري مَجراهُ نحوُ أنْ تَقولَ: «أسقَطْتُ الخِيارَ، أو رَضِيتُ بالنِّكاحِ، أوِ اختَرتُ الزَّوجَ» ونحوَ ذلكَ، سَواءٌ كانَ ذلكَ بعْدَ تَخييرِ القاضِي أو قبلَه.
والدَّلالةُ هيَ أنْ تَفعلَ ما يَدلُّ على الرِّضا بالمقامِ معَ الزَّوجِ، بأنْ خيَّرَها
(١) «البيان» (٩/ ٢٩٧)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢٣٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٣٦)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٣)، و «المغني» (٧/ ١٤٣)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٠٠).
(٢) «المغني» (٧/ ١٤٣)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٠٠)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٠٩)، و «منار السبيل» (٢/ ٦٠٣).
القاضي فأقامَتْ معَ الزَّوجِ مُطاوِعةً لهُ في المَضجعِ وغَيرِ ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ دليلُ الرِّضا بالنكاحِ والمقامِ معَ الزَّوجِ، ولو فعلَتْ ذلكَ بعدَ مُضيِّ الأجلِ قبْلَ تَخييرِ القاضي لم يكنْ ذلكَ رضًا؛ لأنَّ إقامتَها معهُ بعدَ المدَّةِ قد تكونُ لاختيارهِ وقد تكونُ للاختِيارِ بحالِهِ، فلا تكونُ دليلَ الرِّضا معَ الاحتمالِ.
وهل يَبطلُ خيارُها بالقيامِ عنِ المَجلسِ؟ ذَكَرَ الكرخيُّ أنَّ ابنَ سِماعَةَ وبِشرًا قالَا عن أبي يُوسفَ: إذا خيَّرَها الحاكمُ فأقامَتْ معهُ أو قامَتْ مِنْ مَجلسِها قَبلَ أنْ تَختارَ أو قامَ الحاكمُ أو أقامَها عن مَجلسِها بعضُ أعوانِ القاضي ولم تَقُلْ شَيئًا فلا خِيارَ لها، وهذا يَدلُّ على أنَّ خِيارَها يَتقيَّدُ بالمَجلسِ، وهوَ مَجلسُ التَّخييرِ، ولم يَذكُرِ الخِلافَ، وذَكَرَ القاضي في شَرحِهِ مُختصرَ الطَّحاويِّ أنه لا يُقتصَرُ على المَجلسِ في ظاهرِ الرِّوايةِ، ورُويَ عن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنهُما قالَا: يُقتصرُ على المَجلسِ كخيارِ المُخيَّرةِ.
وجهُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنَّ تَخييرَ القاضي هَهُنا قائمٌ مَقامَ تَخييرِ الزوجِ، ثمَّ خيارُ المُخيَّرةِ بتَخييرِ الزَّوجِ يَبطلُ بقيامِها عنِ المَجلسِ، فكذا خِيارُ هذهِ، وكذا إذا قامَ الحاكمُ عنِ المَجلسِ قبْلَ أنْ تَختارَ؛ لأنَّ مَجلسَ التَّخييرِ قد بَطلَ بقيامِ الحاكمِ، وكذا إذا أقامَها عن مَجلسِها بعْضُ أعوانِ القاضي قبْلَ الاختِيارِ؛ لأنها كانَتْ قادِرةً على الاختيارِ قبْلَ الإقامةِ، فدلَّ امتناعُها معَ القُدرةِ على الرِّضا بالنكاحِ.
وجهُ ظاهرِ الرِّوايةِ -وهوَ الفَرقُ بيْنَ هذا الخِيارِ وبيْنَ خيارِ المُخيَّرةِ-
أنَّ خيارَ المُخيَّرةِ إنَّما اقتَصرَ على المَجلسِ؛ لأنَّ الزَّوجَ بالتَّخييرِ مَلَّكَها الطلاقَ؛ إذِ المالكُ للشَّيءِ هوَ الذي يَتصرَّفُ فيهِ باختيارِهِ ومَشيئَتِه، فكانَ التَّخييرُ مِنَ الزوجِ تَمليكًا للطلاقِ، وجوابُ التمليكِ يَقتصرُ على المَجلسِ؛ لأنَّ المُملِّكَ يَطلبُ جوابَ التَّمليكِ في المَجلسِ عادةً، ولهذا يَقتصرُ القَبولُ على المَجلسِ في البَيعِ، كذا هَهُنا، والتَّخييرُ مِنَ القاضِي تفويضُ الطَّلاقِ وليسَ بتَمليكٍ، لأنه لا يَملِكُ الطَّلاقَ بنفسِهِ؛ لأنَّ الزوجَ ما مَلَّكهُ الطلاقَ وإنَّما فوَّضَ إليهِ التَّطليقَ وولَّاهُ ذلكَ، فيَلِي التَّفويضَ لا التَّمليكَ، وإذا لم يَملِكْ بنفسِهِ فكَيفَ يملكُهُ مِنْ غيرِهِ؟ فهوَ الفرقُ بيْنَ التَّخييرينِ، واللهُ أعلمُ.
والمُؤَخَّذُ والخَصِيُّ في جَميعِ ما وَصفْنا مثلُ العِنِّينِ؛ لوُجودِ الآلةِ في حقِّهِما فكانَا كالعنِّينِ، وكذلكَ الخُنثى.
وأمَّا المَجبوبُ فإنه إذا عُرِفَ أنه مَجبوبٌ إمَّا بإقرارِهِ أو بالمَسِّ فوقَ الإزارِ؛ فإنْ كانتِ المَرأةُ عالِمةً بذلكَ وقْتَ النكاحِ فلا خيارَ لها؛ لرِضاها بذلكَ، وإنْ لم تكنْ عالِمةً بهِ فإنَّها تُخيَّرُ للحالِ، ولا يُؤجَّلُ حَولًا؛ لأنَّ التَّأجيلَ لرَجاءِ الوُصولِ، ولا يُرجى منهُ الوُصولُ، فلم يكنِ التَّأجيلُ مُفيدًا فلا يُؤجَّلُ، وإنِ اختَارتِ الفُرقةَ وفرَّقَ القاضي بيْنَهما أو لم يُفرِّقْ -على الاختِلافِ الذي ذكَرْنا- فلَها كمالُ المَهرِ وعليها كمالُ العدَّةِ إنْ كانَ قد خَلا بها في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما لها نِصفُ المهرِ وعليها كَمالُ العدَّةِ، وإن كانَ لم يَخلُ بها فلها نِصفُ المهرِ ولا عدَّةَ عَليها بالإجماعِ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٦، ٣٢٧).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب النكاح
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
وقال بعضهم: يدل على أنه كثير الجماع.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا ترفع عصاك عن أهلك.
أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذه الدلالة دلالة على جواز الكناية بالجماع، وهذا غلط في التأويل، لانه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا.
قال الصيمري: ولو قيل انه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم هذا كثرة الجماع أي أنه كثير التزويج لكان أشبه (الثامنة عشرة) يدل على جواز خطبة الرجل، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لاسامة (التاسعة عشرة) أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم يتقدم اجابة للاول (العشرون) أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه لانها لم تستشر في أسامة رضى الله عنه (الاحدى والعشرون) انه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير لان النبي صلى الله عليه لم يقل لها يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وانما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.
(الثالثة والعشرون) أن الخير لا يختص بالنسب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أدلك على من هو خير منهما، ونسبهما خير من نسبه (الرابعة والعشرون) أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح، لانها قرشية وأسامة مولى (الخامسه والعشرون) أنه يجوز أن يخطب المرأة إلى نفسها، وان كان لها ولى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
إذا وجد الرجل امرأته مجنونه أو مجذومه أو برصاء أو رتقاء وهى التى انسد فرجها أو قرناء وهى التى في فرجها لحم يمنع الجماع، ثبت له الخيار.
وان وجدت المرأة زوجها مجنونا أو مجذوما أو ابرص أو مجبوبا أو عنينا، ثبت لها الخيار، لما روى زيد بن كعب بن عجرة قال (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فرأى بكشحها بياضا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البسى ثيابك والحقى بأهلك)
فثبت الرد بالبرص بالخبر.
ارجع إلى الخيار لأحد الزوجين للاطلاع على جميع المسائل.