الإسلام > النكاح والأسرة > الخيار لأحد الزوجين > سلامة طالب الفسخ من العيوب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةلأنه عَيبٌ حدَثَ بالمَعقودِ عليهِ بعْدَ لزومِ العَقدِ أشبَهَ الحادثَ بالبَيعِ، وهذا يَنتقضُ بالعيبِ الحادثِ في الإجارةِ.
وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: إنْ حدَثَ بالزوجِ ثَبتَ الخِيارُ، وإنْ حدَثَ بالمَرأةِ فكذلكَ في أحدِ الوجهَينِ، والآخَرُ: لا يُثبِتُه؛ لأنَّ الرَّجلَ يُمكِنُه طلاقُها، بخِلافِ المرأةِ.
ولنا: إنهُما تَساويَا فيما إذا كانَ العَيبُ سابقًا فتَساويَا فيهِ لاحقًا كالمُتبايعَينِ (١).
٣ - سَلامةُ طالبِ الفَسخِ مِنَ العُيوبِ:
لا يُشتَرطُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ لطَلبِ التَّفريقِ بالعَيبِ أنْ يكونَ طالبُ التَّفريقِ سالِمًا مِنَ العيوبُ.
قالَ المالِكيةُ: يَثبتُ الخِيارُ لكُلِّ واحدِ مِنَ الزَّوجينِ لعَيبِ صاحبِهِ ولو كانَ بهِ ذلكَ العَيبُ أو غَيرُه، فيَثبتُ الخِيارُ لهُما ولو كانتِ العُيوبُ بهما جَميعًا.
وللَّخميِّ تَفصيلٌ ونصُّهُ: وإنِ اطَّلعَ كلُّ واحدٍ مِنَ الزَّوجَينِ على عَيبٍ في صاحبِهِ مُخالِفٍ لعَيبِه بأنْ تَبيَّنَ أنَّ بهِ جُنونًا وبها جُذامٌ أو بَرصٌ أو داءُ فرْجٍ كانَ لِكلِّ واحِدٍ منهُمَا القِيامُ، وأمَّا إنْ كانَا مِنْ جِنسٍ واحِدٍ كجُذامٍ أو بَرَصٍ
(١) «المغني» (٧/ ١٤٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٠٥)، و «المبدع» (٧/ ١٠٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢٢، ١٢٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٤٩).
أو جُنونِ صَرَعٍ لم يَذهبْ فإنَّ لهُ القيامَ دونَها؛ لأنه بذَلَ صَداقًا لِسالمةٍ فوجَدَها ممَّن يكونُ صَداقُها أقلَّ مِنْ ذلكَ.
قالَ الدُّسوقيُّ: والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنَّ المُدرَكَ الضُّررُ، واجتِماعُ المَرضِ على المرضِ يُؤثِّرُ زِيادةً (١).
وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: ويَثبتُ لكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوجينِ الخِيارُ ولو كانَ كلُّ واحِدٍ مِنهُما فيهِ نَفسُ العَيبِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غيرِهِ ما لا يَعافُهُ مِنْ نَفسهِ، فيَمنعُه ذلكَ مِنَ الاستمتاعِ.
وقيلَ: إنْ وَجَدَ بهِ مِثلَ عيبِهِ فلا خيارَ؛ لِتساويهِما.
فإنْ كانَا مِنْ جِنسَينِ فلِكلِّ واحدٍ مِنهُما الخِيارُ، إلَّا إذا كانَ الرَّجلُ مَجبوبًا والمَرأةُ رَتقاءَ فهُمَا كالجِنسِ الواحدِ.
قالَ الماوَردِيُّ رحمة الله عليه: لو وَجَدَ الزَّوجُ بها عَيبًا ووَجدَتْ بالزَّوجِ عَيبًا، فهذا على ضربَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَختَلفَ العَيبانِ، فيَكونُ عَيبُ أحَدِهما جُذامًا وعَيبُ الآخَرِ بَرصًا، فلِكلِّ واحِدٍ الخِيارُ بعَيبِ صاحِبهِ؛ لأنَّ المَجذُومَ قد يَعافُ الأبرصَ، والأبرَصَ قد يَعافُ المَجذومَ.
والضَّربُ الثَّاني: أنْ يَتساوَى العَيبانِ، فيَكونُ بكلِّ واحدٍ مِنهُما بَرصٌ أو جُذامٌ، فَفي ثُبوتِ الخِيارِ وجهانِ:
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ١٠٣)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٣٤).
أحَدُهما: أنْ لا خِيارَ؛ لِتكافُئِهما، وأنه ليسَ بنَقصِ أحَدِهما عنْ حالةِ صاحبِه.
والوَجهُ الثَّاني: أنَّ لكلِّ واحدٍ منهُما الخِيارُ؛ لأنه قد يَعافُ مِنْ غَيرِهِ ما لا يَعافُه مِنْ نفسِهِ مِنْ بُصاقٍ ومُخاطٍ وأَذًى (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لكلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوجينِ أنْ يَفسخَ النكاحَ بعَيبٍ ممَّا تَقدَّمَ، وسواءٌ وجَدَ أحَدُهما بالآخَرِ نَفسَ عَيبِه -على الصَّحيحِ- أو غيرَه؛ لأنَّ الإنسانَ يَعافُ مِنْ غَيرِه ما لا يَعافُ مِنْ نفسِهِ، إلَّا أنْ يَجدَ المَجبوبُ المرأةَ رَتقاءَ فلا يَنبغي أنْ يَثبتَ لهُمَا خِيارٌ؛ لامتِناعِ الاستِمتاعِ بعيبِ نفسِهِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا أصابَ أحَدُهما بالآخَرِ عَيبًا وبهِ عيبٌ مِنْ غَيرِ جِنسِه كالأبرَصِ يَجدُ المَرأةَ مَجنونةً أو مَجذومةً فلكلِّ واحِدٍ مِنهُما الخِيارُ؛ لوُجودِ سَببِه، إلَّا أنْ يَجدَ المَجبوبُ المَرأةَ رَتقاءَ فلا يَنبغِي أنْ يَثبتَ لهُمَا الخيارُ؛ لأنَّ عَيبَه ليسَ هوَ المانعَ لصاحبِه مِنَ الاستِمتاعِ، وإنَّما امتَنعَ لعَيبِ نَفسهِ.
وإنْ وجدَ أحَدُهما بصاحبِهِ عَيبًا بهِ مثلُه ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا خِيارَ لهُمَا؛ لأنهُما مُتساوِيانِ ولا مَزيةَ لأحَدِهما على صاحبِهِ، فأشبَهَا الصَّحيحَينِ.
والثاني: لهُ الخِيارُ؛ لوُجودِ سَببِه، فأشبَهَ ما لو غُرَّ عَبدٌ بأمَةٍ (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٤٤)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٩، ١٠)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٣٥٩)، و «الديباج» (٣/ ٢٨٣).
(٢) «المغني» (٧/ ١٤٢)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل كمال مهر المثل في إنكاح الحرة العاقلة البالغة
مَعْنَى الضَّمَانِ، وَالِالْتِزَامِ لَا يَتَحَقَّقُ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَإِنْ كَانَ الْغَارُّ عَبْدَ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ لِلْحَالِ إلَّا إذَا كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مُكَاتَبَةً، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَتَاقِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْمَوْلَى بِذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي غَرَّهُ، فَلَا يَضْمَنُ الْمَغْرُورُ مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لِلْمَوْلَى لَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا ضَمِنَ، فَلَا يُفِيدُ وُجُوبَ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ هِيَ الَّتِي غَرَّتْهُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى لَمْ يَأْمُرْهَا بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَغْرُورَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَمَةِ بَعْدَ الْعَتَاقِ لَا لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَمَةِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ، وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى هَذَا إذَا غَرَّهُ أَحَدٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ، وَلَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَتَزَوَّجَهَا، فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ عَلَى أَحَدٍ لِمَا قُلْنَا، وَالْأَوْلَادُ أَرِقَّاءُ لِمَوْلَى الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مِلْكُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ كَمَالُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي إنْكَاحِ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى الخيار لأحد الزوجين للاطلاع على جميع المسائل.