الإسلام > النكاح والأسرة > الخيار لأحد الزوجين > هل الفرقة الثابتة بالعيب طلاق أم فسخ؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةهل الفُرقةُ الثابِتةُ بالعَيبِ طَلاقٌ أم فَسخٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفرقةِ الثابتةِ بالعَيبِ؛ هل هيَ طلاقٌ أم فسخٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الفُرقةَ الثابِتةَ بالعَيبِ طَلاقٌ يَحصلُ بتَطليقةٍ واحِدةٍ بائنةٍ؛ لأنَّ الغَرضَ مِنْ هذا التَّفريقِ تَخليصُها مِنْ زَوجٍ لا يُتوقَّعُ منهُ إيفاءُ حقِّها؛ دَفعًا للظُّلمِ والضَّررِ عَنها، وذَا لا يَحصلُ إلَّا بالبائنِ؛ لأنه لو كانَ رَجعيًّا يُراجِعَها الزَّوجُ مِنْ غيرِ رِضاها، فيُحتاجُ إلى التَّفريقِ ثانِيًا وثالِثًا، فَلا يُفيدُ التَّفريقُ فائدتَهُ.
وذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنها فَسخٌ لا طلاقٌ لا يَنقصُ بها عَددُ الطَّلاقِ، فإنْ عادَ فتَزوَّجَها كانتْ مَعهُ على ثلاثٍ؛ لأنَّ هذا خِيارٌ ثَبتَ لأجلِ العَيبِ، فكانَ فَسخًا كفَسخِ المُشتَري لأجْلِ العَيبِ (١).
هل يَثبتُ التَّفريقُ بينَهُما بتَفريقِ القاضي؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفُرقةِ الحاصِلةِ بسَببِ العَيبِ العُنَّةِ أو غيرِها، هل لا تَثبتُ إلَّا عندَ القاضي؟ أم تصحُّ باختيارِ المَرأةِ نفْسَها؟
قالَ الحَنفيةُ: اختِيارُ المَرأةِ نفْسَها لعَيبِ الجَبِّ والعُنَّةِ والخِصاءِ والخُنوثةِ هل يَكونُ التأخُّذُ بتَفريقِ القاضِي أو بنَفسِ الاختِيارِ؟ قَولان:
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٣)، و «اختلاف العلماء» للمروذي (١٢٨)، و «الاستذكار» (٦/ ١٩٣، ١٩٤)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٧٥)، و «البيان» (٩/ ٣٠٨)، و «المغني» (٧/ ١٥٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٢٤، ١٢٥).
فقالَ أبو يُوسفَ ومحمَّدٌ: إنِ اختارَتْ نفْسَها بانَتْ، وهوَ ظاهرُ الرِّوايةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ خيَّرَها عِنْدَ تمامِ الحَولِ في العُنَّةِ؛ دَفعًا للضَّررِ عَنها، فلا يَحتاجُ إلى تَفريقِ القاضِي كما إذا خيَّرَها الزَّوجُ.
ورَوى الحسَنُ عن أبي حَنيفةَ: لا تَبِينُ إلَّا بتَفريقِ القاضي، وهوَ المَشهورُ مِنْ مَذهبِهِ … ؛ لأنَّ النِّكاحَ عَقدٌ لازمٌ ومِلكَ الزَّوجِ فيهِ مَعصومٌ، فلا يَزولُ إلَّا بإزالتِهِ؛ دَفعًا للضَّررِ عَنهُ، لكنْ لمَّا وَجَبَ عليهِ الإمساكُ بالمَعروفِ أوِ التَّسريحُ بالإحسانِ وقدْ عَجَزَ عنِ الأوَّلِ بالعُنَّةِ ولا يُمكِنُ القَاضي النِّيابةُ فيهِ فوجَبَ عليهِ التَّسريحُ بالإحسانِ، فإذا امتَنعَ عنهُ نابَ القاضي مَنابَه؛ لأنه نُصِّبَ لدفعِ الظُّلمِ، فلا تَبِينُ بدُونِ تَفريقِ القاضي، فإذا فرَّقَ يَصيرُ كأنه طلَّقَها بنَفسِهِ، فتكونُ تَطليقةً بائِنةً؛ ليحصلَ مَقصودُها، وهوَ دَفعُ الظُّلمِ عنها بمِلكِها نفسَها (١).
وقالَ المالكيَّةُ: لا يكونُ الطَّلاقُ هُنا إلَّا بحُكمِ الحاكمِ، فإنْ لم يَكنْ حاكمٌ فصالِحُو البلدِ يَقومُونَ مقامَ الحاكمِ.
وإنْ فاتتِ السَّنةُ المَضروبةُ للعُنَّةِ طلَّقَها الزوجُ بإذنِ الحاكمِ بأنْ يأمرَهُ الحاكمُ بهِ، فإنْ طلَّقَها فواضِحٌ، وإلَّا طَلَّقَ عليهِ الحاكِمُ، ويَجوزُ للحاكمِ أن يأمُرَها بإيقاعِ الطَّلاقِ ك: «طَلَّقْتُ نَفْسِي مِنْكَ» وما في معناهُ، ويُشهِدُ الحاكمُ على ذلكَ الطَّلاقِ الواقعِ مِنها (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «الاختيار» (٣/ ١٤٣).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٩٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١١٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ في الفَسخِ بعَيبِ العُنَّةِ رَفعٌ إلى حاكِمٍ جزمًا؛ لأنَّ ثُبوتَها يَتوقَّفُ على مَزيدِ نظرٍ واجتِهادٍ، ويَكفي عنهُ مُحَكَّمٌ بشَرطِهِ ولَو معَ وُجودِ قاضٍ.
وكذا سائرُ العُيوبِ السَّابقةِ، يُشتَرطُ في الفَسخِ بكُلٍّ منها الرَّفعُ إلى الحاكمِ في الأصَحِّ؛ لأنه فَسخٌ مُجتَهدٌ فيهِ، فأشبَهَ الفَسخَ بالإعْسارِ، ولو تَراضيَا بالفَسخِ ممَّا يَجوزُ الفسخُ بهِ لم يَصحَّ.
والثَّاني: لا يُشتَرطُ الرَّفعُ للحاكمِ، بل لكلٍّ مِنهُما الانفِرادُ بالفَسخِ كالردِّ بالعَيبِ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ الفَسخَ في خيارِ العَيبِ أو خِيارِ الشَّرطِ لا يَكونُ إلَّا بحُكمِ حاكمٍ؛ لأنه فَسخٌ يُجتهَدُ فيهِ فافتقرَ إليهِ، فيَفسخُهُ الحاكمُ أو يَردُّ الفَسخَ إلى مَنْ لهُ الخِيارُ فيَفسخُه، ويَصحُّ الفسخُ مِنَ المَرأةِ حيث مَلَكَتْهُ في غَيبةِ الزَّوجِ، والأَولى الفَسخُ مع حُضورِ الزَّوجِ.
(١) «البيان» (٩/ ٣٠٧، ٣٠٨)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٧٤، ٣٧٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٢٤٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٣٤)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٧)، و «الديباج» (٣/ ٢٨٦). وقالَ العَمرانِيُّ في «البيان» (٩/ ٢٩٧): ولا يَثبتُ هذا الفسخُ إلَّا بالحاكمِ؛ لأنه مُختلَفٌ فيه، فلم يَثبتْ إلا بالحاكمِ، كفَسخِ النكاحِ للإعسارِ بالنفقةِ والمَهرِ.
قالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: ولا يَجوزُ لأحَدِ الزوجَينِ أنْ يَتولَّى الفَسخَ بنَفسِه بحالٍ.
وقالَ ابنُ الصبَّاغِ: إذا رفَعَتِ الأمرَ إلى الحاكمِ .. فالحاكمُ أَولى به، وهوَ بالخِيارِ، فإنْ شاءَ .. فسَخَ بنَفسِه، وإنْ شاءَ .. أمَرَها بالفَسخِ.
وقالَ القفَّالُ: إذا رَفعَتِ الأمرَ إلى الحاكمِ وأثبتَتِ العَيبَ عِندَه .. خُيِّرتْ بيْنَ أنْ تَفسخَ بنَفسِها، وبيْنَ أنْ يَفسخَ الحاكمُ بمَسألتِها.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
الرجعة
مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرْعِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وَفِي بَيَانِ مَاهِيَّتِهَا، وَفِي بَيَانِ رُكْنِهَا، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِ الرُّكْنِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَالرَّجْعَةُ مَشْرُوعَةٌ عُرِفَتْ شَرْعِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَعْقُولِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ البقرة: ٢٢٨ أَيْ: رَجْعَتِهِنَّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ البقرة: ٢٣١ وقَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ البقرة: ٢٢٩ ، وَالْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ رضي الله عنه مُرْ ابْنَك يُرَاجِعْهَا» الْحَدِيثَ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَلَّقَ حَفْصَةَ رضي الله عنها جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﷺ فَقَالَ لَهُ: رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ فَرَاجَعَهَا» ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ طَلَّقَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطلاق
باب الطلاق بالحساب
بابُ الطَّلاقِ بالحِسَاب
١٢٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قَالَ لَهَا: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ يَدُكِ، أو عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِكِ طَالِقٌ. أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطلِيقَةٍ، أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَه. وَقَعَتْ بهَا وَاحِدَةٌ)
الكلامُ فى هذه المسألةِ فى فصلَيْنِ:
أحدُهما، أنَّه إذا طَلَّقَ جُزءًا منها. والثّانى، إذا طَلّقَ جُزءًا مِن طَلْقةٍ.
فأمّا الأوّلُ، فإنَّه متى طَلَّقَ من المرأةِ جُزءًا مِن أجزائِها الثّابتةِ، طَلُقَتْ كُلُّها، سَواءٌ كان جُزءًا شائعًا، كنِصْفِها، أو سُدْسِها، أو جزءًا مِن ألْفِ جُزءٍ منها، أو جُزءًا مُعَيَّنًا، كيَدِها، أو رأْسِها، أو أُصْبُعها. وهذا قولُ الحسنِ، ومذهبُ الشَّافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ. وذهَب أصحابُ الرَّأْىِ، إلى أنَّه إن أضافَه إلى جُزءٍ شائعٍ، أو واحدٍ من أعْضاءٍ خمسةٍ؛ الرّأس، والوجهِ، والرَّقَبَةِ، والظَّهْرِ، والفَرْجِ، طَلُقَتْ. وإِنْ أضافه إلى جُزءٍ مُعَيَّن، غيرِ هذه الخمسةِ، لم تَطْلُقْ؛ لأنَّه جزءٌ تَبْقَى الجُملةُ بدُونِه، أو جزءٌ لا يُعبَّرُ به عن الجملةِ، فلم تَطْلُقِ المرأةُ بإضافةِ الطّلاقِ إليه، كالسِّنِّ، والظُّفْرِ. ولَنا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزْءٍ ثابتٍ، اسْتباحَه بعَقْدِ النِّكاحِ، فأشْبَهَ الجزءَ الشائعَ، والأعضاءَ الخمسةَ، ولأنَّها جُملةٌ لا تَتَبَعَّضُ فى الحِلِّ والحُرْمَةِ، وُجِدَ فيها ما يَقْتضِى التَّحْريمَ والإِباحةَ، فغَلَبَ فيها حُكْمُ التَّحْريمِ، كما لو اشْتَركَ مسلمٌ ومَجُوسىٌّ فى قتل صَيْدٍ، وفارقَ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّه ليس بثابتٍ، والشَّعْرُ والظُّفرُ ليس بثابتٍ، فإنَّهما
يَزُولانِ ويَخْرُجُ غيرُهما، ولا يَنْقُضُ مَسُّهما الطَّهارةَ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب على من يجب التأقيت في الإيلاء ومن يسقط عنه)
(بَابٌ عَلَى مَنْ يَجِبُ التَّأْقِيتُ فِي الْإِيلَاءِ ومن يسقط عنه)
(مسألة:)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (وَلَا تَعَرُّضَ لِلْمُولِي وَلَا لِامْرَأَتِهِ حَتَّى تَطْلَبَ الْوَقْفُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ الْإِيلَاءِ، فَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَهِيَ أَنْ يُنْتَظَرَ بِهِ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِيهَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْظَرَهُ بِهَا فَصَارَ كَالْإِنْظَارِ بِآجَالِ الدُّيُونِ لَا يَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَأَوَّلُ وَقْتِ التَّرَبُّصِ مَنْ وَقْتِ الْإِيلَاءِ، لَا مَنْ وَقْتِ الْمُحَاكَمَةِ، بِخِلَافِ أَجَلِ الْعُنَّةِ الَّذِي يَكُونُ أَوَّلُهُ مَنْ وَقْتِ الْمُحَاكَمَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ مُقَدَّرَةٌ بِالنَّصِّ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إِلَى حُكْمٍ، وَمُدَّةَ الْعُنَّةِ مَقْدِرَةٌ بِالِاجْتِهَادِ، فَافْتَقَرَتْ إِلَى حُكْمٍ.
ارجع إلى الخيار لأحد الزوجين للاطلاع على جميع المسائل.