الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > اعتبار الكفاءة في النكاح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةﷺ: «المُسلِمونَ تَتكافَأُ دِماؤُهُم» أيْ: تَتَساوى فيَكونُ دمُ الوَضيعِ مِنهم كدَمِ الرَّفيعِ، وهيَ هنا مُعتبَرةٌ في خَمسةِ أشياءَ (١).
اعتبارُ الكَفاءةِ في النكاحِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على اعتِبارِ الكَفاءةِ في النِّكاحِ؛ لأنَّ المَصالحَ إنَّما تَنتَظمُ بيْنَ المُتكافِئينَ عادةً؛ لأنَّ الشَّريفةَ تَأبَى أنْ تكونَ مُستفرَشةً للخَسيسِ، وهي مُعتبَرةٌ عندَ ابتداءِ النكاحِ، ولا يُعتبَرُ استِمرارُها بعدَ ذلكَ، حتَّى لو تَزوَّجَها وهوَ كُفءٌ ثمَّ صارَ فاجِرًا لم يُفسخِ النكاحُ.
ولأنَّ المَقصودَ مِنْ شَرعيةِ النكاحِ انتِظامُ مَصالحِ كُلٍّ مِنْ الزَّوجَينِ بالآخَرِ في مُدَّةِ العُمرِ؛ لأنه وُضعَ لِتأسيسِ القَراباتِ الصِّهريةِ، ليَصيرَ البَعيدُ قَريبًا عَضُدًا وساعِدًا، يَسرُّه ما يَسرُّكَ ويَسوءُه ما يَسوءُكَ، وذلكَ لا يكونُ إلَّا بالمُوافَقةِ والتَّقاربِ، ولا مُقارَبةَ للنُّفوسِ عندَ مُباعَدةِ الأنسابِ.
ولأنَّ النكاحَ مَقصودُه حُسنُ الأُلفةِ، فإذا كانَتِ المَرأةُ أعلى مَنصِبًا اشتَغلَتْ عنِ الرجلِ، فلا يَتمُّ بهِ المَقصودُ.
ثمَّ الكَفاءةُ إنَّما تُعتبَرُ لحَقِّ النِّساءِ لا لحَقِّ الرِّجالِ، فإنَّ الشَّريفَ إذا تَزوَّجَ وَضيعةً دَنيئةً ليسَ لأوليائِهِ حَقُّ الاعتِراضِ؛ لأنه مُستفرِشٌ لا مُستفرَشٌ، فلا يَغيظُه دَناءةُ الفِراشِ، ولأنَّ النُّصوصَ ورَدَتْ باعتبارِها في حقِّ الرِّجالِ خاصَّةً، فإنَّ النبيَّ ﷺ لا مُكافِئَ لهُ وقدْ تَزوَّجَ مِنْ أحياءِ العربِ.
(١) «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٤).
وقالَ النبيُّ ﷺ: «ثلاثةٌ يُؤتَونَ أجرَهُم مَرَّتينِ، الرَّجلُ تكونُ له الأمَةُ فيُعلِّمُها فيُحسِنُ تَعليمَها ويُؤدِّبُها فيُحسِنُ أدَبَها ثمَّ يُعتِقُها فيَتزوَّجُها فلهُ أجرانِ، ومُؤمِنُ أهلِ الكِتابِ الذي كانَ مُؤمِنًا ثمَّ آمَنَ بالنبيِّ ﷺ فلهُ أجرانِ، والعَبدُ الذي يُؤدِّي حقَّ اللهِ ويَنصَحُ لسيِّدِه» (١).
ولأنَّ المَعنى الذي شُرِعَتْ له الكَفاءةُ يُوجِبُ اختِصاصَ اعتِبارِها بجانِبِهم؛ لأنَّ المرأةَ هي التي تَستَنْكِفُ لا الرَّجلُ؛ لأنها هي المُستفرَشةُ، فأمَّا الزَّوجُ فهوَ المُستفرِشُ، فلا تَلحقُه الأَنَفةُ مِنْ قِبلِها.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ومِن مَشايخِنا مَنْ قالَ: إنَّ الكفاءةَ في جانِبِ النِّساءِ مُعتبَرةٌ أيضًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ استِدلالًا بمَسألةٍ ذكَرَها في «الجَامع الصَّغير» في بابِ الوَكالةِ، وهيَ أنَّ أميرًا أمَرَ رجلًا أنْ يُزوِّجَهُ امرأةً فزوَّجهُ أمَةً لغيرِه، قالَ: جازَ عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَهُما لا يَجوزُ، ولا دَلالةَ في هذه المَسألةِ على ما زعَمُوا؛ لأنَّ عدمَ الجوازِ عندَهما يَحتِملُ أنْ يكونَ لمعنًى آخَرَ، وهو أنَّ مِنْ أصلِهما أنَّ التَّوكيلَ المُطلَقَ يتقيَّدُ بالعُرفِ والعادةِ، فيَنصرفُ إلى المُتعارَفِ، كما في الوَكيلِ بالبَيعِ المُطلَقِ (٢).
(١) رواه البخاري (٢٨٤٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٠)، و «الهداية» (١/ ٢٠٠)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٣)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٩٣، ٢٩٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «اللباب» (٢/ ٣٣)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٣٧)، و «العناية» (٤/ ٤٤١)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٠، ٣٦١)، و «مجموع الفتاوى» (١٩/ ٢٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الكفاءة في الدين
عَنْهُ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ عَنْ الْكُفْءِ، فَقَالَ: الَّذِي يَمْلِكُ الْمَهْرَ، وَالنَّفَقَةَ، فَقُلْت، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَهْرَ دُونَ النَّفَقَةِ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ كُفْئًا، فَقُلْتُ، فَإِنْ مَلَكَ النَّفَقَةَ دُونَ الْمَهْرِ، فَقَالَ: يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى الْمَهْرِ بِقُدْرَةِ أَبِيهِ عَادَةً، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى وَلَدِ الْغَنِيِّ إذَا كَانَ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِمَالِ أَبِيهِ، وَلَا يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ بِغِنَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَتَحَمَّلُ الْمَهْرَ الَّذِي عَلَى ابْنِهِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ عَادَةً.
وَقَالَ: بَعْضُهُمْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ إلَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَهْرَ تَجْرِي فِيهِ الْمُسَامَحَةُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْيَسَارِ، وَالْمَالُ يَغْدُو، وَيَرُوحُ، وَحَاجَةُ الْمَعِيشَةِ تَنْدَفِعُ بِالنَّفَقَةِ.
فَصْلٌ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ
(فَصْلٌ) :
وَمِنْهَا الدِّينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاسِقٍ كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ بِالدِّينِ أَحَقُّ مِنْ التَّفَاخُرِ بِالنَّسَبِ، وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَالتَّعْيِيرُ بِالْفِسْقِ أَشَدُّ وُجُوهِ التَّعْيِيرِ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح
الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح
ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:
الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النكاح
١١١٧ - مسألة؛ قال: (والكفء ذو الدين والمنصب)
١١١٧ - مسألة؛ قال: (والكُفءُ ذُو الدِّين والمَنْصِبِ)
يعنى بالمَنْصِبِ الحَسَبَ، وهو النَّسَبُ. واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فى شُروطِ الكفاءةِ، فعنه هما شَرْطانِ؛ الدِّينُ، والمَنْصِبُ، لا غيرُ . وعنه، أنَّها خَمسةٌ؛ هذان، والحُرِّيَّةُ، والصِّناعةُ، واليَسَارُ. وذكر القاضى، فى "المُجَرَّدِ" أنَّ فَقْدَ هذه الثلاثة لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، رِوايةً واحدةً، وإنَّما الرِّوايتان فى الشرطينِ الأولينِ. قال: ويتَوَجَّهُ أن المُبْطِلَ عَدَمُ الكفاءةِ فى النسَبِ لا غيرُ؛ لأنَّه نَقْصٌ لازمٌ، وما عَدَاه غيرُ لازمٍ، ولا يَتَعَدَّى نَقْصُه إلى الوَلَدِ. وذَكَر فى "الجامع" الرِّوايتَيْنِ فى جميعِ الشُّروطِ. وذكره أبو الخَطَابِ أيضًا. وقال مالكٌ: الكفاءةُ فى الدِّينِ لا غيرُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا جملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه. وعن الشافعى كقَوْلِ مالكٍ، وقول آخرُ أنَّها الخمسةُ التي ذكَرناها، والسَّلامةُ من العُيوبِ الأربعةِ فتكون سِتّةً. وكذلك قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والحسنِ بن حَىٍّ، إلا فى الصَّنْعةِ والسَّلامةِ من العُيوبِ الأربعةِ . ولم يَعْتَبِرْ محمدُ بن الحسنِ الدِّينَ، إلَّا أن يكونَ ممَّن يَسْكَرُ ويَخْرُجُ ويَسْخَرُ منه الصِّبْيانُ، فلا يكون كُفْؤًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجُنْدِ الفِسْقُ، ولا يُعَدُّ ذلك نَقْصًا، والدليلُ على اعْتِبارِ الدِّينِ قولُه تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} . ولأنَّ الفاسِقَ مَرْذولٌ مَرْدودُ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، غيرُ مَأْمونٍ على النَّفْس والمالِ، مَسْلُوبُ الوِلَاياتِ ، ناقصٌ عند اللَّه تعالى وعندَ خَلْقِه، قليلُ الحَظِّ فى الدُّنيا والآخرةِ، فلا يجوزُ أن يكونَ كُفْؤًا لِعَفِيفةٍ، ولا مُساوِيًا لها، لكن يكونُ كُفؤًا لمِثْلِه. فأمَّا الفاسِقُ من الجُنْدِ، فهو
ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.