الحرفة أو الصنعة

الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > الحرفة أو الصنعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحرفة أو الصنعة - الأقوال والأدلة

فعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: «اشتَرَيتُ بَريرةَ فاشتَرَطَ أهلُها وَلاءَها، فذكَرْتُ ذلكَ للنبيِّ فقالَ: أَعتقِيها فإنَّ الوَلاءَ لمَنْ أعطَى الوَرِقَ، فأَعتَقتُها فدَعاها النبيُّ فخَيَّرها مِنْ زَوجِها وكانَ زَوجُها عبدًا، فقالَتْ: لو أعطاني كذا وكذا ما ثبتُّ (وفي رواية: ما بِتُّ) عندَه، فاختارَتْ نفْسَها» (١)، فإذا ثبَتَ الخِيارُ بالحرِّيةِ الطارِئةِ فبِالسابقةِ أَولى (٢).

٤ - الحِرفةُ أو الصَّنعةُ:

الحِرفةُ: صِناعةٌ يرتَزقُ مِنها، سُمِّيتْ بذلكَ لانحِرافِ الشَّخصِ إليها لطَلبِ الرِّزقِ اعتِبارًا بما مِنْ شَأنِها أو غالِبًا، ومِنها العِلمُ والقَضاءُ وضدُّهما، وهيَ أعَمُّ مِنْ الصِّناعةِ؛ لأنها لِمَا كانَ بآلةٍ، بخِلافِ الحِرفةِ.

والحِرفةُ الدَّنيئةُ: كلُّ ما دلَّتْ مُلابَستُها على انحِطاطِ مُروءةٍ أو سُقوطِ نَفْسٍ كمُلابَسةِ القاذُوراتِ (٣).

اختَلفَ الفُقهاءُ في الحِرفةِ، هَلْ تُعتبَرُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ في المُفتَى بهِ عِندهم -وهو قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ وأبي حَنيفةَ في رِوايةٍ- والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الحِرفةَ

(١) رواه البخاري (٦٣٧٧)، ومسلم (١٥٠٤).
(٢) المصادِرُ السابِقةُ.
(٣) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٨)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٥٦، ٦٥٧)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٦).

خصلَةٌ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ، فلا يَكونُ صاحِبُ حِرفةٍ دَنيئةٍ كفُؤًا لبِنتِ صاحِبِ حِرفةٍ جَليلةٍ، واستَدلُّوا لذلكَ بقَولِه تَعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] أيْ: في سَببِهِ، فبَعضُهم يَصلُ إليهِ بعِزٍّ وراحةٍ، وبَعضُهم بذُلٍّ ومَشقَّةٍ، وبقَولِه تَعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)[الشعراء: ١١١] قالَ المُفسِّرونَ: كانُوا حاكَةً، ولم يُنكِرْ عليهِم هذهِ التَّسميةَ (١).

قالَ الحَنفيةُ: الكَفاءةُ في الحِرَفِ والصِّناعاتِ مُعتبَرةٌ عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ الناسَ يُعيِّرونَ بالدَّنيءِ مِنها، ويَفتخِرونَ بشَرَفِ الصِّناعةِ.

فلا يَكونُ الحائِكُ والحجَّامُ والدَّبَّاغُ والكَنَّاسُ كُفئًا للجَوهَريِّ والصَّيرَفِيِّ ولا غيرِها مِنْ الحِرَفِ، ويَكونُ بَعضُهم أكْفَاءَ بَعضٍ.

وتَثبُتُ الكَفاءةُ بيْنَ الحِرفتَينِ في جِنسٍ واحدٍ، كالبَزَّازِ معَ البزَّازِ والحائِكِ معَ الحائِكِ، وتَثبتُ عندَ اختِلافِ جِنسِ الحِرفِ إذا كانَ يُقارِبُ بَعضُها بَعضًا، كالبَزَّازِ معَ الصَّائغِ، والصَّائغِ معَ العَطَّارِ، والحائِكِ معَ الحَجَّامِ، والحَجَّامِ مع الدَّبَّاغِ، ولا تَثبتُ فيما لا مُقارَبةَ بينَهُما، كالعَطَّارِ مع البِيطَارِ، والبَزَّازِ معَ الخَرَّازِ.

وأهلُ الكُفرِ بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ؛ لأنَّ اعتبارَ الكَفاءةِ لدَفعِ النَّقيصةِ، ولا نَقيصةَ أعظمُ مِنْ الكفرِ.

(١) «النجم الوهاج» (٧/ ١٢٨، ١٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٨، ٢٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٥٦، ٦٥٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٩٩، ٣٠٠)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٦).

وعن أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ في رِوايةٍ أنَّ الحِرفةَ لا تُعتبَرُ، وهو الظَّاهرُ، حتَّى إنَّ البِيطارَ يَكونُ كُفئًا للعطَّارِ؛ وذلكَ لأنَّ الحِرفةَ ليسَتْ بلازِمةٍ، ويُمكِنُ التَّحولُ عنِ الخَسيسةِ إلى النَّفيسةِ مِنها (١).

وقالَ الشافِعيةُ: الحِرفَةُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النِّكاحِ، فصاحبُ حِرفةٍ فيهِ أو في أحَدِ آبائِه -وهي ما يَتحرَّفُ بهِ لطَلبِ الرِّزقِ مِنْ الصَّنائعِ وغيرِها- دَنيئةٍ -وهيَ ما دلَّتْ مُلابَستُها على انحِطاطٍ في المُروءةِ وسُقوطِ النَّفسِ كمُلابَسةِ القاذُوراتِ- ليسَ هو ولا ابنُه كُفءَ أرفَعِ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١] أي: في سَببِه، فبَعضُهم يَصلُ إليهِ بعِزٍّ وراحةٍ، وبَعضُهم بذُلٍّ ومَشقَّةٍ، وبقولِه تعالَى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)[الشعراء: ١١١] قالَ المُفسِّرونَ: كانُوا حاكَةً، ولم يُنكِرْ عليهِم هذهِ التَّسميةَ.

فكنَّاسُ وحَجَّامٌ وحارِسٌ وراعٍ وقيِّمُ الحَمَّامِ ونَحوُهم كَحائِكٍ ليسَ كُفؤَ بنتِ خيَّاطٍ، والظَّاهرُ أنَّ هؤلاءِ أكفَاءٌ لبَعضِهم بَعضًا.

ولا خيَّاطٌ كُفؤَ بنتِ تاجِرٍ أو بنتِ بَزَّازٍ، وكلٌّ مِنهما كُفءٌ للآخَرِ.

ولا هُما -أي التَّاجر والبَزَّاز- كفُؤَ بنتِ عالِمٍ وبنتِ قاضٍ؛ نَظرًا للعُرفِ في ذلكَ.

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٠)، و «الهداية» (١/ ٢٠٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٣)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ٣٠١)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٣٤)، و «اللباب» (٢/ ٣٤).

فإنْ قيلَ: كيفَ يُعَدُّ الرَّعيُ مِنْ الحِرَفِ الدَّنيئةِ معَ أنها سُنَّةُ الأنبياءِ في ابتداءِ أمرِهم؟

أُجيبَ بأنه لا يَلزمُ مِنْ ذلكَ كَونُه صِفةَ مَدحٍ لغيرِهم، ألَا تَرى أنَّ فقْدَ الكِتابةِ في حقِّهِ عليه الصلاة والسلام مُعجِزةٌ، فتكونُ صِفةَ مَدحٍ في حقِّهِ، وفي حَقِّ غَيره ليسَتْ كذلكَ.

والأَوجَهُ أنَّ كلَّ ذي حِرفةٍ فيها مُباشَرةُ نَجاسةٍ كالجزَّارةِ على الأصَحِّ ليسَ كُفءَ الَّذي حِرفتُه لا مُباشَرةَ فيها لها، وأنَّ بقيَّةَ الحِرَفِ التي لم يَذكُروا فيها تَفاضُلًا مُتساوِيةٌ، إلَّا إنِ اطَّردَ العُرفُ بتَفاوتِها، ويُؤيِّدُ ذلكَ قولُ بَعضِهم: إنَّ القَصَّابَ ليسَ كُفئًا لبِنتِ السَّمَّاكِ …

ومَن لهُ حِرفتانِ دَنيَّةٌ ورَفيعةٌ اعتُبِرَ ما اشتُهرَ بهِ، والأغلبُ الدَّنيَّةُ، بل لو قيلَ بتَغليبِها مُطلَقًا -لأنه لا يَخلُو عَنْ تَعيُّرِه بها- لم يَبعُدْ.

وتُراعَى العادةُ في الحِرَفِ والصَّنائعِ، فإنَّ الزِّراعةَ في بَعضِ البِلادِ أَولى مِنْ التِّجارةِ، وفي بَعضِها بالعَكسِ.

وقيلَ: الاعتِبارُ في ذلكَ بالعُرفِ العامِّ.

والمُعتبَرُ فيهِ بلدُ الزَّوجةِ لا بَلدُ العَقدِ؛ لأنَّ المَدارَ على عارِها وعَدمِه، وذلكَ إنَّما يُعرَفُ بالنِّسبةِ لعُرفِ بَلدِها، أي الَّتي هيَ بها حالةَ العَقدِ (١).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٧١٨، ٧١٩)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٢٨، ١٢٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٨، ٢٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٥٦، ٦٥٧)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٢٩٩، ٣٠٠)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٦).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: الصِّناعةُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ في النكاحِ، فمَن كانَ مِنْ أهلِ الصِّناعةِ الدَّنيئةِ كالحائِكِ والحَجَّامِ والحارِسِ والكَسَّاحِ والدبَّاغِ والقَيِّمِ والحَمَّامِيُّ والزبَّالُ فليسَ بكُفءٍ لبَناتِ ذَوي المُروءاتِ أو أصحابِ الصَّنائعِ الجَليلةِ كالتِّجارةِ والبنايَةِ؛ لأنَّ ذلكَ نَقصٌ في عُرفِ النَّاسِ فأشبَهَ نقْصَ النَّسَبِ، وقدْ جاءَ في الحَديثِ: «العَربُ بَعضُهم لبَعضٍ أكْفَاءٌ إلا حائِكًا أو حَجَّامًا» (١)، قيلَ لأحمدَ رحمة الله عليه: وكيفَ تَأخذُ بهِ وأنتَ تُضعِّفُه؟ قالَ: العَملُ عليهِ، يَعني أنه ورَدَ مُوافِقًا لأهلِ العُرفِ (٢).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ والمالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ ذلكَ ليسَ بنَقصٍ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بنَقصٍ في الدِّينِ، ولا هو مُلازِمٌ؛ لأنَّ الحِرفةَ ليسَتْ بلازِمةٍ، ويُمكِنُ التَّحولُ عن الخَسيسةِ إلى النَّفيسةِ مِنها، فأشبَهَ الضَّعفَ والمَرضَ.

قالَ بَعضُهم:

ألَا إنَّما التَّقوى هيَ العزُّ والكَرَمْ … وحُبُّكَ للدُّنيا هو الذلُّ والسَّقَمْ

وليسَ على عَبدٍ تَقيٍّ نَقيصةٌ … إذا حقَّقَ التَّقوى وإنْ حَاكَ أو حَجَمْ

ولأنَّ المالِكيةَ لا يَعتبِرونَ الكَفاءةَ إلا في ثلاثةٍ أشياءَ: الدِّينُ والحُريةُ والسَّلامةُ مِنْ العُيوبِ المُوجِبةِ للردِّ (٣).

(١) حَدِيثٌ مَوضُوع: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٣٥٤٧).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٩)، و «المبدع» (٧/ ٥٣)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٣)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٦٩).
(٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٢٠)، و «الهداية» (١/ ٢٠٢)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٤)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧) رقم (١١٤٣)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٩)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٢٦)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٠٣)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٠٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٨)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٩٨)، و «المغني» (٧/ ٢٩)، و «المبدع» (٧/ ٥٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 122 - 126

ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر