النسب (الحسب)

الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > النسب (الحسب)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

النسب (الحسب) - الأقوال والأدلة

٢ - النَّسَبُ (الحسبُ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في النَّسَبِ -ويُقالُ الحَسَب-؛ هلْ يُعتبَرُ مِنْ الكَفاءةِ أم لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ النَّسَبَ -وهو الحَسَب- مِنْ الخِصالِ المُعتبَرةِ في الكَفاءةِ.

قالَ الحَنفيةُ: ما تُعتبَرُ فيهِ الكَفاءةُ النَّسبُ، والأصلُ فيه قولُ النبيِّ : «العَرَبُ بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ، قَبيلةٌ بقَبيلةٍ، ورَجُلٌ برَجلٍ، والمَوالي بعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ، قَبيلةٌ بقَبيلةٍ، ورَجلٌ برَجلٍ، إلَّا حائِكٌ أو حجَّامٌ» (١)، ولأنَّ التَّفاخُرَ والتَّعييرَ يَقعانِ بالأنسابِ، فتَلحقُ النَّقيصةُ بدَناءةِ النَّسبِ، فتُعتبَرُ فيهِ الكَفاءةُ.

فقَريشٌ بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ على اختِلافِ قَبائلِهمْ، حتَّى يكونُ القُرَشيُّ الذي ليسَ بهاشِميٍّ كالتَّيميِّ والأُمَويِّ والعَدَويِّ ونحوِ ذلك كُفئًا للهاشِميِّ؛ لقولِه : «قُريشٌ بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ»، وقَريشٌ تَشتمِلُ على بَني هاشِمٍ، والعَربُ بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ بالنَّصِّ، ولا تكونُ العرَبُ كُفئًا لقُريشٍ؛ لفَضيلةِ قُريشٍ على سائرِ العرَبِ بقُربِهم مِنْ رَسولِ اللهِ ، ولذلكَ اختَصَّتِ الإمامَةُ بهمْ، قالَ النبيُّ : «الأئِمَّةُ مِنْ قُريشٍ»، بخلافِ القُرشيِّ أنه يَصلحُ كُفئًا للهاشِميِّ وإنْ كانَ

(١) حَدِيثٌ مَوضُوع: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٣٥٤٧).

للهاشِميِّ مِنْ الفَضيلةِ ما ليسَ للقُرشيِّ، لكنَّ الشَّرعَ أسقَطَ اعتبارَ تلكَ الفَضيلةِ في بابِ النِّكاحِ.

ولا تكونُ المَوالي أكْفَاءً للعَربِ؛ لفَضلِ العرَبِ على العجَمِ، والمَوالي بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ بالنَّصِّ، ومَوالي العَربِ أكفَاءٌ لمَوالي قُريشٍ؛ لعُمومِ قَولِه: «والمَوالي بَعضُهم أكفَاءٌ لبَعضٍ رَجلٌ برَجلٍ»، ثمَّ مُفاخَرةُ العَجمِ بالإسلامِ لا بالنَّسبِ، ومَن له أبٌ واحِدٌ في الإسلامِ لا يَكونُ كُفئًا لمَن لهُ آباءُ كَثيرةٌ في الإسلامِ؛ لأنَّ تَمامَ التَّعريفِ بالجَدِّ، والزِّيادةُ على ذلكَ لا نِهايةَ لها، وقيلَ: هذا إذا كانَ في مَوضعٍ قدْ طالَ عَهدُ الإسلامِ وامتَدَّ، فأمَّا إذا كانَ في مَوضعٍ كانَ عَهدُ الإسلامِ قَريبًا بحَيثُ لا يُعيَّرُ بذلكَ ولا يُعَدُّ عَيبًا يكونُ بَعضُهم كُفئًا لبَعضِهم؛ لأنَّ التَّعييرَ إذا لم يُجبَرْ بذلكَ ولم يُعَدَّ عَيبًا لم يَلحقِ الشَّيْنُ والنَّقيصةُ، فلا يَتحقَّقُ الضَّررُ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: النَّسبُ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ، بأنْ تُنسَبَ المرأةُ إلى مَنْ تَشرَفُ به بالنَّظرِ إلى مَنْ يُنسَبُ الزَّوجِ إليهِ؛ لأنَّ العَربَ تَفاخرُ بأنسابِها أتَمَّ الافتِخارِ، والاعتِبارُ بالنَّسَبِ بالآباءِ لا بالأمَّهاتِ، فالعَجَميُّ أبًا وإنْ كانَتْ أمُّهُ عَربيَّةً ليسَ بكُفءٍ لعَربيةٍ أبًا وإنْ كانَتْ أمُّها أعجميَّةً؛ لأنَّ اللهَ اصطَفى العَربَ على غَيرِهم، ولا غَيرُ القُرَشيِّ مِنَ العَربِ مُكافئًا للقُرشيَّةِ؛ لخبَرِ: «يا

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣١٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٤)، و «العناية» (٤/ ٤٤٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٣٦٢)، و «اللباب» (٢/ ٣٣).

أيُّها النَّاسُ قدِّمُوا قُرَيشًا ولا تَقدَّمُوها، أو تَعلَّمُوا مِنْ قُرَيشٍ، ولا تُعلِّمُوها، قوَّةُ رَجلٍ مِنْ قُرَيشٍ تَعدِلُ قوَّةَ رَجلَينِ مِنْ غيرِهِم، وأمانةُ رَجلٍ مِنهم تَعدِلُ أمانة رَجلَينِ مِنْ غَيرِهم، فلَولا تَبْطَرُ قُرَيشٌ لَأخبَرتُها بما لها عندَ اللَّهِ ﷿» (١)، ولا غَيرُ الهاشِميِّ والمُطَّلبيِّ للهاشميَّةِ أو المُطَّلبيةِ، والعرَبُ غَيرُ قَريشٍ بَعضُهم أكفَاءُ بعضٍ.

والأصَحُّ: اعتِبارُ الشَّرفِ والنَّسَبِ في العَجمِ كالعرَبِ قِياسًا عَليهِم، فالفُرْسُ وبَنُو إسرائيلَ أفضَلُ مِنْ القِبْطِ؛ لسَلفِهم وكثرَةِ الأنبياءِ فيهِم.

ومُقابِلُ الأصحِّ: لا يُعتبَرُ فيهم؛ لأنَّهمْ لا يَعتَنونَ بحِفظِ الأنسابِ ولا يُدوِّنونَها بخِلافِ العرَبِ.

ولا يُكافِئُ مَنْ أسلَمَ أو أسلَمَ أحَدُ أجدادِهُ الأقرَبينَ أقدَمَ مِنه في الإسلامِ، فمَن أسلَمَ بنَفسِه ليسَ كفُؤًا لِمَنْ لها أبٌ أو أكثرُ في الإسلامِ، ومَن لهُ أبَوانِ في الإسلامِ ليسَ كفُؤًا لِمَنْ لها ثلاثةُ آباءٍ فيه (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: المَنصِبُ -وهو النَّسبُ- مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ، فلا يكونُ العَجَميُّ -وهو مَنْ ليسَ مِنْ العرَبِ- كفُؤًا لعَربيةٍ؛ لقَولِ عُمرَ رضي الله عنه: «لَأمنَعَنَّ تَزوُّجَ ذاتِ الأحسابِ إلا مِنْ الأكفَاءِ» (٣)، ولأنَّ النِّكاحَ مَقصودُه

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البزار (٤٦٥)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٩/ ٦٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٧١٧)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٥٨١)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١٢٥، ١٢٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٦، ٢٧٧)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٥٣، ٦٥٥)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٧٨٥).

حُسنُ الأُلفةِ، فإذا كانَتِ المَرأةُ أعلى مَنصِبًا اشتَغلَتْ عن الرَّجلِ فلا يَتمُّ بهِ المَقصودُ.

ولِمَا رَواهُ أبُو إسحاقَ الهَمْدانِيُّ عَنْ أبِي لَيلى الكِنديِّ قالَ: خرَجَ سَلمانُ رضي الله عنه في ثلاثةَ عشَرَ رَجلًا مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ في سَفرٍ، فلمَّا حَضرتِ الصَّلاةُ قالوا: تَقدَّمْ يا أبا عَبدِ اللهِ فأنتَ أعلَمُنا وأسَنُّنا، فقالَ: إنَّ اللهَ ﷿ قدْ فضَّلَكمْ علينا يا مَعشرَ العَربِ، تأمُّونا ولا نَأمُّكُم، وتَنكِحُونَ نِساءَنا ولا نَنكِحُ نِساءَكمْ، فتَقدَّمَ رَجلٌ مِنْ القَومِ فصلَّى بهم أربعًا، فلمَّا انصَرفَ قالَ لهُ سَلمانُ: صلَّيتَ أربعًا، كُنَّا إلى الرُّخصةِ أحوَجَ» (١).

ولأنَّ العَربَ يَعتدُّونَ الكَفاءةَ في النَّسبِ، ويَأنَفونَ مِنْ نِكاحِ المَوالي، ويَرَونَ ذلكَ نَقصًا وعارًا.

والعَربُ بَعضُهم لبَعضٍ أكْفَاءٌ، وسائرِ النَّاسِ بَعضُهم لبَعضٍ أكْفاءٌ؛ لأنَّ المِقدادَ بنَ الأسَودِ الكِنديَّ تَزوَّجَ ضُباعةَ ابنَةَ الزُّبيرِ عمِّ النبيِّ ، وزوَّجَ أبو بكرٍ أختَه الأشعَثَ بنَ قَيسٍ الكِنديَّ، وزوَّجَ عَليٌّ ابنتَه أمَّ كَلثوم عُمرَ بنَ الخطَّابِ (٢).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠٣٢٩)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٥٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥٢٢٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٦، ٢٧)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٣٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ٧٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ١٥٢)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٨٥)، و «منار السبيل» (٢/ ٥٧٠).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ النَّسبَ ليسَ مِنْ خِصالِ الكَفاءةِ.

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ كانَتْ ثيِّبًا فخطَبَ الخاطِبُ إليها نفْسَها فأَبى والِدُها أو وليُّها أنْ يزوِّجَها، فرَفعَتْ ذلكَ إلى السُّلطانِ وهوَ دُونَها في الحَسَبِ والشَّرفِ، إلا أنه كُفءٌ في الدِّينِ فرَضيَتْ بهِ وأَبى الوَليُّ؟ (قالَ): يُزوِّجُها السُّلطانُ ولا يُنظرُ إلى قَولِ الأبِ والوَليِّ إذا رَضيَتْ بهِ وكانَ كفُؤًا في دِينِه، قالَ: وهذا قولُ مالكٍ.

(قُلتُ): أرأَيتَ إنْ كانَ كُفؤًا في الدِّينِ ولمْ يكنْ كفُؤًا لها في المالِ فرَضيَتْ بهِ وأَبى الوَليُّ أنْ يَرضى، أيُزوِّجُها منه السُّلطانُ أم لا؟ (قالَ): ما سَمِعتُ مِنْ مالكٍ في هذا شَيئًا، إلَّا أنِّي سَألتُ مالِكًا عن نِكاحِ المَوالي في العَربِ فقالَ: لا بَأسَ بذلكَ، ألَا تَرى إلى ما قالَ اللهُ في كِتابهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ رَضيَتْ بعَبدٍ وهيَ امرأةٌ مِنْ العربِ وأَبى الأبُ أو الوَليُّ أنْ يُزوِّجِها وهيَ ثيِّبٌ، أيُزوِّجُها منه السُّلطانُ أم لا؟ (قالَ): لم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيهِ شَيئًا إلَّا ما أخبَرتُكَ، (قالَ): ولقدْ قيلَ لمالِكٍ: إنَّ بعضَ هؤلاءِ القَومِ فرَّقُوا بيْنَ عَربيةٍ ومَولًى، فأعظَمَ ذلكَ إعظامًا شَديدًا، أهلُ الإسلامِ كلُّهم بَعضُهمْ لبَعضٍ أكفَاءٌ؛ لقَولِ اللهِ في التَّنزيلِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١).

(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ١٦٣، ١٦٤).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 116 - 120

ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده