ما يترتب على تخلف الكفاءة

الإسلام > النكاح والأسرة > الكفاءة المعتبرة في النكاح > ما يترتب على تخلف الكفاءة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

ما يترتب على تخلف الكفاءة - الأقوال والأدلة

وقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: ولا تُعتبَرُ الكَفاءةُ عِندَنا في السَّلامةِ مِنَ العُيوبِ التي يُفسَخُ بهَا البَيعُ، كالجُذامِ والجُنونِ والبَرَصِ والبَخَرِ والدَّفرِ (١).

وذهَبَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه إلى أنَّ الكَفاءةَ إنَّما تَكونُ في الدِّينِ فقطْ.

قالَ رحمة الله عليه: فالَّذي يَقتضِيهِ حُكمُه اعتِبارُ الدِّينِ في الكَفاءةِ أصلًا وكَمالًا، فلا تُزوَّجُ مُسلِمةٌ بكافرٍ، ولا عَفيفةٌ بفاجِرٍ، ولم يَعتبِرِ القُرآنُ والسُّنةُ في الكَفاءةِ أمرًا وراءَ ذلكَ، فإنه حرَّمَ على المُسلمةِ نِكاحَ الزَّاني الخَبيثِ، ولمْ يَعتبِرْ نَسبًا ولا صِناعةً ولا غِنًى ولا حُريةً، فجوَّزَ للعبدِ القِنِّ نِكاحَ الحُرَّةِ النَّسيبةِ الغَنيةِ إذا كانَ عَفيفًا مُسلِمًا، وجوَّزَ لغَيرِ القُرشيِّينَ نِكاحَ القُرشيَّاتِ، ولغَيرِ الهاشِميِّينَ نكاحَ الهاشِميِّاتِ، وللفقَراءِ نِكاحَ المُوسِراتِ (٢).

ما يَترتَّبُ على تَخلُّفِ الكَفاءةِ:

الكَفاءةُ -كما تَقدَّمَ- تَختلِفُ مِنْ مَذهبٍ لآخَرَ، إلا أنَّ الكَفاءةَ إذا تَخلَّفتْ عندَ مَنْ يَشترطُونَها لصحَّةِ النكاحِ (وهُمُ الحَنابلةُ في روايةٍ مُرجَّحةٍ في المَذهبِ) فإنَّ النكاحَ يَكونُ باطِلًا أو فاسِدًا.

أمَّا مَنْ لا يَعتبِرونَ الكَفاءةَ لصحَّةِ النكاحِ (وهُمُ الجُمهورُ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ) فيَرَونَ أنَّ الكَفاءةَ حقٌّ للمَرأةِ وللأولياءِ، فيَجوزُ ترْكُها إذا رَضيَا جَميعًا بتَركِها ويَصحُّ النكاحُ.

(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٩٥)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٤٣).
(٢) «زاد المعاد» (٥/ ١٥٩، ١٦٠).

إلا أنهمُ اختَلفُوا فيما لو رَضِيَ الوَليُّ بتخلُّفِ الكَفاءةِ ولَم تَرضَ المَرأةُ، هل لها أنْ تَفسخَ النكاحَ أم لا؟ أو رَضيَتِ المرأةُ بمَن ليسَ بكُفؤٍ وتَزوَّجتْ ولم يَرضَ الوَليُّ؛ هل يَحِقُّ لهُ فسخُ النكاحِ أم لا؟

على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.

قالَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ: إذا زَوَّجتِ المرأةُ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ فلِلأولياءِ أنْ يُفرِّقوا بينَهُما دفْعًا للعارِ عن أنفُسِهم؛ لأنَّ الحَقَّ الثَّابتَ لها غَيرُ الحَقِّ الثابتِ للأولياءِ؛ لأنَّ الثابتَ لها صِيانةُ نفْسِها عَنْ ذلِّ الاستِفراشِ، وللأولياءِ صِيانةُ نسَبِهم عن أنْ يُنسَبَ إليهِم بالمُصاهَرةِ مَنْ لا يُكافِئُهم، وأحَدُهما غيرُ الآخَرِ، فلمْ يكنْ إسقاطُ أحَدِهما مُوجِبًا سُقوطَ الآخَرِ، ألَا تَرى أنه قد يَثبتُ الخِيارُ لها في مَوضعٍ لا يَثبتُ للأولياءِ.

وسواءٌ كانَ الوَليُّ ذا رَحمٍ مُحرَّمٍ أو لا كابنِ العَمِّ، ولا تكونُ هذهِ الفُرقةُ إلا عندَ الحاكمِ؛ لأنه مُجتهَدٌ فيهِ.

وسُكوتُ الوَليِّ عنِ المُطالَبةِ بالتَّفريقِ لا يُبطلُ حَقَّه في الفَسخِ وإنْ طالَ الزَّمانُ حتَّى تَلدَ، فإنْ وَلدَتْ مِنهُ لم يَبقَ لهم أنْ يُفرِّقوا؛ كَي لا يَضيعَ الولَدُ عمَّن يُربِّيهِ؛ لأنَّ السُّكوتَ عنِ الحَقِّ المُتأكِّدِ لا يُبطلُه؛ لاحتِمالِ تأخُّرِه إلى وَقت يَختارُ فيهِ الخُصومةَ.

وما لم يَقضِ القاضي بيْنَهما فحُكمُ الطَّلاقِ والظِّهارِ والإيلاءِ والمِيراثِ قائمٌ بينَهما، والفُرقةُ تَكونُ فَسخًا لا طَلاقًا؛ لأنَّ الطَّلاقَ تَصرُّفٌ في النِّكاحِ، وهذا فَسخٌ لِأصلِ النِّكاحِ.

فإنْ لَم يَكنِ الزوجُ دخَلَ بها فلا شيءَ لها، وإنْ دخَلَ بها أو خَلا بها خَلوةً صَحيحةً لزِمَه كلُّ المُسمَّى ونَفقةُ العدَّةِ وعليها العدَّةُ.

وإذا زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ وجهَّزَها وَليُّها وقبَضَ مهْرَها فليسَ لهُ حَقُّ الفَسخِ بعدَ ذلكَ؛ لأنَّ ذلكَ تَقريرٌ لحُكمِ العَقدِ، كما إذا زوَّجَها فمَكَّنتِ الزَّوجَ مِنْ نفْسِها لا يَكونُ لها حقُّ الفَسخِ بعدَ ذلكَ.

وإذا تَزوَّجتِ المَرأةُ غيرَ كُفءٍ فرَضيَ بهِ أحَدُ الأولياءِ جازَ ذلكَ، ولا يكونُ لمَن هو مِثلُه في الولايةِ أو أبعَدُ منه أنْ يَنقضَهُ، إلا أنْ يكونَ أقرَبَ منه، فحِينئذٍ له المُطالَبةُ بالتَّفريقِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.

وقالَ أبو يُوسفَ: إذا رَضيَ أحَدُ الوَليَّينَ بغيرِ كُفءٍ فللوَليِّ الذي هو مِثلُه أنْ لا يَرضَى به.

ولو أسقَطَ بَعضُ الأولياءِ حقَّه مِنْ الكَفاءةِ سقَطَ حَقُّ الباقِينَ إذا رَضيَتْ بذلكَ المَرأةُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.

وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَسقطُ حقُّ مَنْ لَم يَرضَ.

ورَوى الحَسنُ عن أبِي حَنيفةَ: إذا تزوَّجتْ بغَيرِ كفْءٍ لَم يَجُزْ، وقيلَ: عَليهِ الفَتوى، قالَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخسيُّ: وهوَ أحوَطُ، فليسَ كُلُّ وَليٍّ يُحسِنُ المُرافَعةَ إلى القاضِي، ولا كُلُّ قاضٍ يَعدِلُ، فكانَ الأحوطَ سدُّ هذا البابِ.

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: أمَّا على الرِّوايةِ المُختارةِ للفَتوى لا يَصحُّ العَقدُ أصلًا إذا كانَتْ زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ.

وهل للمَرأةِ إذا زَوَّجتْ نفْسَها مِنْ غيرِ كُفءٍ أنْ تَمنعَ نفْسَها مِنْ أنْ يَطأَها؟ مُختارُ الفَقيهِ أبي اللَّيثِ: نَعم، قالَ في «التَّجنِيس»: هذا وإنْ كانَ خِلافَ ظاهرِ الجَوابِ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ المَرأةِ أنْ تقولَ: إنَّما تزوَّجتُكَ على رَجاءِ أنْ يُجيزَ الوَليُّ، وعسَى لا يَرضى، فيُفرَّقُ فيَصيرُ هذا وَطأً بشُبهةٍ (١).

وقالَ المالِكيةُ: للمَرأةِ وللوليِّ معًا تَركُ الكَفاءةِ وتَزويجُها مِنْ فاسِقٍ سِكِّيرٍ يُؤمَنُ عَليها منهُ؛ وذلكَ لأنَّ الحَقَّ لهُمَا في الكَفاءةِ، فإذا أسقَطَا حَقَّهما مِنها وزوَّجَها مِنْ فاسِقٍ كانَ النِّكاحُ صَحيحًا على المُعتمَدِ.

فإنْ لَم يَرضَيَا معًا فالقَولُ لمَنِ امتَنعَ مِنهُما، وعلى الحاكمِ مَنعُ مَنْ رَضيَ مِنهُما وإنْ رَضيَتْ لحَقِّ اللهِ حِفظًا للنُّفوسِ.

وقيلَ: إنَّ تَزويجَ الفاسِقِ غَيرُ صَحيحٍ ويَتعيَّنُ فَسخُه، ورجَّحَهُ جماعةٌ.

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: وحاصِلُ ما في المَسألةِ أنَّ ظاهرَ ما نقَلَه الحطَّابُ وغَيرُه واستظهَرَه الشَّيخُ ابنُ رَحالٍ مَنعُ تَزويجِها مِنْ الفاسِقِ ابتِداءً وإنْ كانَ يُؤمَنُ عَليها مِنهُ، وأنه ليسَ لها ولا للوَليِّ الرِّضا به، وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّ مُخالَطةَ الفاسقِ مَمنُوعةٌ وهجرَهُ واجبٌ شَرعًا، فكيفَ بخُلطةِ النِّكاح؟!

(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ٢٩٤)، ويُنظَر: «المبسوط» (٥/ ٢٦، ٢٧)، و «الهداية» (١/ ٢٠١)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٥)، و «العناية» (٤/ ٤٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٠٥، ٣٠٦)، و «اللباب» (٢/ ٣٢).

فإذا وقَعَ ونزَلَ وتزوَّجَها فَفي العَقدِ ثَلاثةُ أقوالٍ:

أحَدُها: لُزومُ فَسخِه؛ لفَسادِه، وهو ظاهِرُ اللَّخميِّ وابنِ بَشيرٍ وابنِ فرحُونَ وابنِ سَلْمونَ.

الثَّاني: أنه صَحيحٌ، وشهَّرَه الفاكهانِيُّ.

الثالثُ لأصبَغَ: إنْ كانَ لا يُؤمَنُ منه رَدَّه الإمامُ وإنْ رَضيَتْ بهِ …

والَّذي قَرَّرهُ شَيخُنا أنَّ المُعتمَدَ القَولُ بالصِّحةِ كما شَهَّرهُ الفاكهانِيُّ (١).

وقالَ الحطَّابُ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ بَشيرٍ: والمَطلوبُ مِنْ الزَّوجِ أنْ يَكون كُفؤًا في دِينهِ بلا خِلافٍ، وإنْ كانَ فاسِقًا فلا خِلافَ مَنصوصٌ أنَّ تَزويجَ الأبِ مِنْ الفاسِقِ لا يَصحُّ، وكذا غَيرُه مِنْ الأولياءِ، فإنْ وقَعَ وجَبَ للزَّوجةِ ولِمَن قامَ لها فَسخُه.

وكانَ بَعضُ أشياخِنا يَهربُ مِنْ الفَتوى في هذا، ويَرى أنه يُؤدِّي إلى فَسخِ كَثيرٍ مِنْ الأنكحةِ.

ابنُ عَبدِ السَّلامِ: وقَولُ ابنِ بَشيرٍ وإنْ وقَعَ يَحتملُ أنْ يَكونَ داخِلًا في غيرِ المُختلَفِ فيهِ، وهو ظاهِرٌ، ويَحتملُ أنْ يَكونَ ابتِداءَ كَلامٍ وتَأسيسَ مَسألةٍ معَ عَدمِ التعرُّضِ لنَفيِ الخِلافِ. انتَهى مِنْ «التَّوضِيح».

وهذا ليسَ بظاهرٍ لقَولِه أولًا: لا خِلافَ أنه لا يَصحُّ، وإنْ كانَ كذلكَ فهوَ فاسِدٌ.

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٣/ ٥٨، ٥٩)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٧)، و «منح الجليل» (٣/ ٣٢٤).

وقالَ ابنُ سَلْمونَ: قالَ ابنُ بَشيرٍ: لا خِلافَ مَنصوصٌ أنَّ للزوجةِ ولمَن قامَ لها فَسخُ نكاحِ الفاسِقِ.

وسُئلَ ابنُ زَرْبٍ عَنْ وليَّةٍ لقومٍ نكَحَها رَجلٌ مِنْ أهلِ الشَّرِّ والفَسادِ وأنكَرَ ذلكَ أولياؤُها عليها وذَهبوا إلى فَسخِ النِّكاحِ وكانَ قَدْ بَنَى بها، فقالَ: لا سَبيلَ إلى حَلِّ النكاحِ إنْ كانَ قدْ دخَلَ بها، قيلَ له: فلو لم يَدخلْ بها؟ فوقَفَ وقالَ: الذي لا يُشَكُّ فيه أنه إذا دخَلَ لَم يُفسخْ، والكَفاءةُ حقٌّ للزوجةِ وللأولياءِ، فإذا تَركوها جازَ.

ووقَعَ لأصبَغَ في «النَّوادِر» أنه إذا زوَّجَ الأبُ ابنَتَه البِكرَ مِنْ رَجلٍ سِكِّيرٍ فاسِقٍ لا يُؤمَنُ عليها لم يجُزْ، ولْيَردَّه الإمامُ وإنْ رَضيَتْ هي به.

وذكَرَ ابنُ أبي زَمَنِينَ عن بَعضِ المُوثَّقينَ أنه قالَ: لا بُدَّ أنْ تَثبتَ الكَفاءةُ في الثيِّبِ كالبِكرِ، حَكاهُ عنهُ ابنُ فَتْحونَ، وحكى أنَّ القاضي أبا الوليدِ كانَ يَأخذُ بهذا القَولِ ويُكلِّفُ إثباتَ الكَفاءةِ عندَه ويقولُ: إنْ كانَتْ تَملكُ نفْسَها فإنها إذا دَعَتْ إلى غيرِ كُفءٍ لا يَلزمُني أنْ أُعينَها على ذلكَ. اه.

وفي أحكامِ ابن سَهلٍ ذكَرَ فَتوَى ابنِ زَرْبٍ وأنها في صَفَرَ سنَةَ سَبْعٍ وسَبعينَ وثلاثِمائةٍ، وذكَرَ كَلامَ أصبغَ في «النَّوادِر»، وزادَ في آخِرِه في الوَصيِّ ونحوِه في آخِرِ نَوازلِه. اه.

وفي «تَفسِير القُرطبيِّ» في أولِ سُورَةِ النُّورِ قالَ ابنُ خُوَيزِ مَنْدادٍ: مَنْ كانَ مَعروفًا بالزنا أو بغيرِه مِنَ الفُسوقِ مُعلِنًا بهِ فتَزوجَ إلى أهلِ بَيتِ ستْرٍ وغَرَّهُم مِنْ نفْسِه فلهُم الخِيارُ في البقاءِ معَه وفراقِه، وذلكَ كَعَيبٍ مِنَ العُيوبِ،

واحتَجَّ بقَولِه عليه الصلاة والسلام: «لا يَنْكِحُ الزَّاني المَجلودُ إلا مِثلَه» (١)، قالَ ابنُ خُوَيزِ مَندادٍ: وإنما ذكَرَ المَجلودَ لاشتهارِه بالفِسقِ، وهو الذي يَجبُ أنْ يُفرَّقَ بيْنَه وبيْنَ غيرِهِ، فأمَّا مَنْ لم يَشتهرْ بالفُسوقِ فلا. اه.

وفي «المَسائِل المَلقوطَة» قالَ ابنُ بَشيرٍ: لا خِلافَ مَنصوصٌ أنه للزوجةِ ولِمَن قامَ لها فَسخُ نكاحِ الفاسِقِ، مُرادُه الفاسِقُ بجَوارِحِه، فزواجُ الوالدِ مِنَ الفاسقِ لا يَصحُّ، وكذلكَ غيرُه مِنْ الأولياءِ.

وفي «التَّبصِرَة»: وإنْ كانَ كَسْبُه حرامًا أو كثيرَ الأَيمانِ بالطلاقِ لم يَكنْ للأبِ أنْ يُزوِّجَ ابنتَهُ منه؛ لأنَّ الغالِبَ على مِثلِ هذا الحِنْثُ والتَّمادي مَعها، فإنْ فعَلَ فرَّقَ الحاكِمُ بيْنَهما، ويُمنَعُ مِنْ تَزويجِها مَنْ يَشرَبُ الخَمرَ؛ لأنه يَدعُوها إلى ذلكَ. انتَهى مِنْ «تَسهِيل الأُمَّهاتِ».

ابنُ الحاجِبِ: وقالَ الفاكهانِيُّ في شَرحِ قَولِ الرِّسالةِ: ولا يَخطُبُ أحدٌ على خِطبةِ أخيهِ، لمَّا ذكَرَ أنه إذا خطَبَها الفاسقُ ركَنَتْ إليهِ، وللصَّالحِ أنْ يَخطبَها وهوَ أحقُّ.

قُلتُ: إنَّما يَجيءُ هذا على أحَدِ القولَينِ أنَّ نِكاحَ الفاسِقِ صَحيحُ، وهوَ المَشهورُ، وإلا فمَتى قُلنا بالقَولِ الآخَرِ فما بيْنَهما صِيغَةُ أفعَلَ، واللهُ أعلَمُ.

وهذا في الفاسِقِ بالجَوارحِ، وأمَّا الفاسقُ بالاعتِقادِ فقالَ ابنُ الحاجِبِ: مالِكٌ لا يُزوِّجُ مِنْ القَدَريَّةِ ولا يُزوَّجونَ، قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: إنه يُفسَخُ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٠٥٢)، والحاكم في «المستدرك» (٢٧٠٠).

وقالَ في «التَّوضِيح»: هذا لمالكٍ في «المُدوَّنة»، ولا يتَأتَّى، هُنا توقَّفُ الشيخُ المُتقدِّمُ في الفاسقِ بجَوارِحِه؛ لأنه يُؤدِّي إلى فَسخِ كَثيرٍ مِنْ الأنكِحةِ، ويُشارِكُ القَدَريَّ مَنْ يُساويهِ في البدعَةِ. اه.

وفي «المَسائِل المَلقوطَة»: قالَ مالِكٌ: لا تُزوَّجُ إلى القَدَريَّةِ، يَعني أنه يُفسَخُ النكاحُ الواقِعُ بيْنَ أهلِ السُّنةِ وبيْنَهم، وهذا على القَولِ بتكفيرِهم، وأمَّا على القَولِ بأنهم فُسَّاقٌ فهُم كالفاسقِ بجَوارحِه وأشدُّ؛ لأنه يَجُرُّها إلى اعتِقادِه ومذهَبِه، ولا يُتزوَّجُ مِنهم ولا يُزوَّجونَ مِنْ نِساءِ أهلِ السُّنةِ.

وقَولُ مالِكٍ في القَدَريَّةِ جارٍ فِيمَن يُساويهِم في البدعَةِ، وفي بَعضِ الرِّواياتِ أنَّ مالِكًا تَلا قولَه تَعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] وهذا يَدلُّ على أنه أرادَ تَكفيرَهُم. اه مِنْ «تَسهيل الأُمَّهاتِ».

تَنبيهٌ: قالَ ابنُ فَرحون في تَبصِرَته في الفَصلِ الذي في بَيانِ ما يَفتقِرُ إلى حُكمِ الحاكِمِ وما لا يَفتقرِ: أنَّ مِنَ الطَّلاقِ الذي يُوقِعُه الحاكِمُ بغيرِ إذنِ المَرأةِ وإنْ كَرهَتْ إيقاعَه نِكاحَها الفاسقَ. اه بالمَعنى.

وظاهِرُه: سواءٌ كانَ فاسِقًا بالجَوارحِ أو بالاعتِقادِ، وظاهِرُ كَلامِهم أنه يُفسَخُ مُطلَقًا بعدَ الدُّخولِ وقبْلَه، فظاهِرُ كَلامِ ابنِ فَرحُون أنه يُفسَخُ بطَلاقٍ؛ لأنه جعَلَه مِنَ الطلاقِ الَّذي يُوقِعُه الحاكِمُ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: الكَفاءةُ حَقٌّ للمرأةِ والوَليِّ، واحِدًا كانَ الوَليُّ أو

(١) «مواهب الجليل» (٥/ ١٠٣، ١٠٥).

جَماعةً مُستَوينَ في دَرجةٍ، فلا بُدَّ مَع رِضاها بغَيرِ الكُفءِ مِنْ رِضا سائرِ الأولياءِ بهِ لا رِضا أحَدِهم؛ لأنَّ لهُم حَقَّا في الكَفاءةِ، فاعتُبِرَ رِضاهُم بتَركِها كالمَرأةِ، بخِلافِ ما إذا زوَّجَها أحَدُهم بكُفءٍ بدُونِ مَهرِ مِثلِها برِضاها دُونَ رِضاهُم فإنه يَصحُّ؛ إذْ لا حقَّ لهُم في المَهرِ ولا عارَ.

ولو زوَّجَها الوَليُّ الأقرَبُ غيْرَ كُفءٍ برِضاها فليسَ للأبعدِ مِنْ الأولياءِ الاعتِراضُ؛ إذْ لا حقَّ لهُ الآنَ في التَّزويجِ.

وإنْ زوَّجَ الأبُ أو الجَدُّ البِكرَ بالإجبَارِ -الصَّغيرةَ أو البالِغةَ- أو الثَّيبَ بإذنٍ مِنها مُطلَقٍ عَنْ التَّقييدِ بكُفءٍ أو بغَيرِه مِنْ غيرِ كُفءٍ لم يَصحَّ التزويجُ؛ لعَدمِ رِضاها بهِ، والتَّزويجُ باطِلٌ في الأظهَرِ؛ لأنه على خِلافِ الغِبطةِ؛ لأنَّ وَليَّ المالِ لا يَصحُّ تَصرُّفُه بغيرِ الغِبطةِ، فوَليُّ البُضعِ أَولى.

ومُقابِلُ الأظهَرِ: يَصحُّ، وللبالِغةِ الخِيارُ في الحالِ، ولِلصَّغيرةِ الخِيارُ إذا بلَغَتْ.

ويَجرِي الخِلافُ في تَزويجِ غَيرِ المُجبِرِ إذا أَذنَتْ في التَّزويجِ مُطلَقًا عَنِ التَّقييدِ بكُفءٍ أو بغَيرِه.

ويُستَثنَى ممَّا ذُكِرَ ما لَو كانَ عَدمُ الكَفاءةِ لجَبِّ أو عُنَّةٍ، فيَصحُّ تَزويجُها مِنَ المَجبوبِ والعِنِّينِ برِضاها وإنْ لَم يَرضَ الوَليُّ.

ولو طَلبَتْ مَنْ لا وَليَّ لها خاصًّا أنْ يُزوِّجَها السُّلطانُ أو نائِبُه بغَيرِ كُفءٍ ففعَلَ لَم يَصحَّ تَزويجُهُ بهِ في الأصحِّ؛ لأنه نائِبٌ المُسلِمينَ، ولهُم حَظٌّ في الكَفاءةِ.

ومُقابِلُ الأصحِّ: يَصحُّ كالوليِّ الخاصِّ، بخِلافِ ما لَو زوَّجَ السُّلطانُ لغَيبةِ الوَليِّ أو عَضلِه، فلا تُزوَّجُ إلا مِنْ كُفءٍ قَطعًا.

ولو كانَ لها وَليٌّ ولكنْ زوَّجَها السُّلطانُ لغَيبتِه أو عَضلِه أو إحرامِه فلا تُزوَّجُ إلا مِنْ كفءٍ قَطعًا؛ لأنه نائِبٌ عنه في التصرُّفِ، فلا يَصحُّ ذلكَ معَ عَدمِ إذنِه.

ولو كانَ الوَليُّ حاضِرًا وفيه مانِعٌ مِنْ فِسقٍ ونَحوِه وليسَ بعْدَه إلَّا السُّلطانُ فزوَّجَ السُّلطانُ مِنْ غيرِ كُفءٍ برضاها فظاهِرُ إطلاقِهِم طَردُ الوجهَينِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: الكَفاءةُ في النكاحِ حقٌّ للمَرأةِ وللأولِياءِ كِلِّهم القَريبِ والبَعيدِ، حتَّى مَنْ يَحدُثُ مِنهم بعدَ العَقدِ؛ لتَساوِيهم في لُحوقِ العارِ بفَقدِ الكَفاءةِ.

فلَو زُوِّجَتِ المَرأةُ مِنْ غيرِ كُفءٍ جازَ لها أنْ تَفسخَ النكاحَ ولو مُتَراخِيًا؛ لأنهُ لنَقصٍ في المَعقودِ عليهِ، أشبَهَ خِيارَ العَيبِ، ما لَم تَرضَ بقَولٍ أو فِعلٍ كأنْ مَكَّنتْه عالِمةً بأنه غيرُ كفءٍ.

وكذا لأوليائِها الفَسخُ؛ لتَساوِيهم في لُحوقِ العارِ بفَقدِ الكَفاءةِ.

ولو رَضيَتِ المَرأةُ أو رَضيَ بَعضُهم فلِمَن لَم يَرضَ الفَسخُ، ويَملكُه

(١) «البيان» (٩/ ١٩٧)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٧٢٠، ٧٢١)، و «أسنى المطالب» (٣/ ١٩٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ١١٧، ١١٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٧٣، ٢٧٥)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٦٤٥، ٦٤٩)، و «الديباج» (٣/ ٢٢٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل الكفاءة في الدين

عَنْهُ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يُوسُفَ عَنْ الْكُفْءِ، فَقَالَ: الَّذِي يَمْلِكُ الْمَهْرَ، وَالنَّفَقَةَ، فَقُلْت، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَهْرَ دُونَ النَّفَقَةِ، فَقَالَ: لَا يَكُونُ كُفْئًا، فَقُلْتُ، فَإِنْ مَلَكَ النَّفَقَةَ دُونَ الْمَهْرِ، فَقَالَ: يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى الْمَهْرِ بِقُدْرَةِ أَبِيهِ عَادَةً، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى وَلَدِ الْغَنِيِّ إذَا كَانَ صَغِيرًا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِمَالِ أَبِيهِ، وَلَا يُعَدُّ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ بِغِنَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَتَحَمَّلُ الْمَهْرَ الَّذِي عَلَى ابْنِهِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ عَادَةً.

وَقَالَ: بَعْضُهُمْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُفْئًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَالِ إلَّا قَدْرَ النَّفَقَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَهْرَ تَجْرِي فِيهِ الْمُسَامَحَةُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى وَقْتِ الْيَسَارِ، وَالْمَالُ يَغْدُو، وَيَرُوحُ، وَحَاجَةُ الْمَعِيشَةِ تَنْدَفِعُ بِالنَّفَقَةِ.

فَصْلٌ الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ

(فَصْلٌ) :

وَمِنْهَا الدِّينُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ حَتَّى لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ فَاسِقٍ كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّفَاخُرَ بِالدِّينِ أَحَقُّ مِنْ التَّفَاخُرِ بِالنَّسَبِ، وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَالتَّعْيِيرُ بِالْفِسْقِ أَشَدُّ وُجُوهِ التَّعْيِيرِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 134 - 143

ارجع إلى الكفاءة المعتبرة في النكاح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده