ب- فساد التسمية

الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ب- فساد التسمية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

ب- فساد التسمية - الأقوال والأدلة

وقالَ ابنُ القَّطانِ الفاسِي رحمة الله عليه: والمَدخولُ بها ولَم يُسمَّ لها مَهرٌ إنْ وَطئَها كانَ لها مَهرُ نِسائِها، لا وَكسَ وَلا شَطَطَ، ولا تَنازُعَ بيْنَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا أنَّ لكُلِّ مَوطوءةٍ بنِكاحٍ صَحيحٍ ولم يَكنْ سَمَّى لها مَهرًا فلها مَهرُ مِثلِها (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ تَزوَّجَ امرأةً ولم يُقدِّرْ لها مَهرًا صَحَّ النِّكاحُ ووجَبَ لها المَهرُ إذا دخَلَ بها، وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فليسَ لها مَهرٌ، بل لها المُتعةُ بنصِّ القرآنِ (٣).

ب- فسادُ التَّسميةِ:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ تَسميةَ المَهرِ إذا فَسدَتْ -كما لو كانَ مَجهولًا أو حَرامًا كأنْ كانَ خَمرًا أو خِنزيرًا أو ما لا يَصحُّ أنْ يكونَ مَهرًا- ودخَلَ بها أو ماتَ عنها وجَبَ لها مَهرُ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ؛ لأنَّ البُضعَ مُفوَّتٌ بالعَقدِ فلمْ تَقدِرْ على استِرجاعِه، فوجَبَ أنْ تَعدِلَ إلى قِيمتِه وهيَ مَهرُ المِثلِ، لأنها دَخلَتْ في العَقدِ على أنْ يكونَ لها المُسمَّى، فإذا لم يُسمِّ وتَعذَّرَ رُجوعُها إلى بُضعِها رَجعَتْ إلى قِيمتِه، كمَنِ اشْتَرى عَبدًا بثَوبٍ فماتَ في يَدِه ورَدَّ بائِعُه الثَّوبَ بعَيبٍ رجَعَ بقِيمةِ العَبدِ حينَ فاتَ الرُّجوعُ بعَينِه.

(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٢١، ١٢٢٢)، رقم (٢٢٣٣).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (٦٩).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٦٢، ٦٣).

ولأنَّ العِوضَ الأصليَّ في هذا البابِ هو مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ قِيمةُ البُضعِ، وإنَّما يُعدَلُ عنهُ إلى المُسمَّى إذا صَحَّتِ التَّسميةُ وكانَتِ التَّسمِيةُ تَقديرًا لتِلكَ القِيمةِ، فإذا لَم تَصحَّ التَّسميةُ أو تَزلزلَتْ لم يَصحَّ التَّقديرُ، فإذا لَم يَصحَّ التَّقديرُ وجَبَ المَصيرُ إلى الفَرضِ الأصليِّ، ولهذا كانَ المَبيعُ بَيعًا فاسِدًا مَضمونًا بالقِيمةِ في ذَواتِ القيَمِ لا بالثَّمنِ، كذا هذا.

وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ لها نِصفُ مَهرِ المِثلِ عِنْدَ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، وعِندَ الحَنفيةِ يَجبُ لها المُتعةُ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ فلها نِصفُ مَهرِ المِثلِ، وبهذا قالَ الشَّافِعيُّ، وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: لها المُتعةُ؛ لأنهُ لو لم يُسمِّ لها صَداقًا كانَ لها المُتعةُ، فكذلكَ إذا سَمَّى لها تَسميةً فاسِدةً؛ لأنَّ هذهِ التَّسميةَ كعَدَمِها.

وذكَرَ القاضي في «الجامِع» أنهُ لا فَرْقَ بيْنَ مَنْ لَم يُسمِّ لها صَداقًا وبيْنَ مَنْ سَمَّى لها مُحرَّمًا كالخَمرِ أو مَجهولًا كالثَّوبِ، وفي الجَميعِ رِوايتانِ:

إحداهُما: لها المُتعةُ إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارتِفاعَ العَقدِ يُوجبُ رفْعَ ما أوجَبَه مِنْ العِوضِ كالبَيعِ، لكنْ تَركْناهُ في نِصفِ المُسمَّى لتَراضيهِما عليهِ، فكانَ ما تَراضَيَا عليهِ أَولَى، ففي مَهرِ المِثلِ يَبقى على الأصلِ في أنهُ يَرتفعُ وتَجبُ المُتعةُ.

والثَّانيةُ: أنَّ لها نِصفَ مَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ ما أوجَبَه عَقدُ النِّكاحِ يَتنصَّفُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، ومَهرُ المِثلِ قد أوجَبَه العَقدُ فيَتنصَّفُ بهِ كالمُسمَّى،

والخِرَقِيُّ فرَّقَ بيْنَهما، فأوجَبَ في التَّسميةِ الفاسِدةِ نِصفَ مَهرِ المِثلِ، وفي المُفوِّضةِ المُتعةَ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ المُفوِّضةَ رَضيَتْ بلا عِوضٍ وعادَ إليها بُضعُها سَليمًا، وإيجابُ نِصفِ المَهرِ لها لا وجْهَ له؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ لها المُتعةَ، ففي إيجابِ نِصفِ المَهرِ جَمعٌ بيْنَهما أو إسقاطٌ للمُتعةِ المَنصوصِ عليها، وكِلاهُما فاسِدٌ، وأمَّا الَّتي اشتَرطَتْ لنَفسِها مَهرًا فلم ترْضَ إلَّا بعِوضٍ، ولَم يَحصلْ لها العِوضُ الَّذي اشتَرطَتْه، فوجَبَ لها بَدلُ ما فاتَ عليها مِنَ العِوضِ وهوَ مَهرُ المِثلِ، أو نِصفُهُ إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ، ولأنَّ الأصلَ وُجوبُ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ وجَبَ بالعَقدِ، بدَليلِ أنهُ يَستقرُّ بالدُّخولِ والمَوتِ، وإنَّما خُولِفَ هذا في المُفوِّضةِ بالنَّصِّ الوارِدِ فيها، ففِيما عَداها يَبقى على الأصلِ (١).

إلَّا أنَّ المالِكيةَ في المَشهورِ والحَنابلةَ في رِوايةٍ قالُوا بفَسادِ النِّكاحِ إذا كانَ الصَّداقُ ممَّا لا يَجوزُ تَملُّكُه كالخَمرِ والخِنزيرِ والحُرِّ -كما تَقدَّمَ مُفصَّلًا-، إلَّا أنهُم قالُوا: إنِ اطُّلِعَ على ذلكَ قبْلَ الدُّخولِ فُسخَ النِّكاحُ ولا شيءَ لها، وإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ بعْدَ البناءِ فلَها صَداقُ المِثلِ (٢).

(١) «المغني» (٧/ ١٧٠، ١٧١)، ويُنظَر: «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢١)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٣٩٤، ٣٩٦)، و «البيان» (٩/ ٣٧٤، ٣٧٥)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٣، ٣١٤)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و «الديباج» (٣/ ٣١٦، ٣١٧)، و «اختلاف العلماء» للمروزي (١/ ١٨٠)، و «الإفصاح» (٢/ ١٥٢)، و «المبدع» (٧/ ١٤٢)، و «الإنصاف» (٨/ ٢٤٥)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٤٨)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ١٨٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٧).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٥٠، ٣٥١)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢١)، و «مواهب الجليل» (٥/ ١٨٦)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٢٠)، و «الإفصاح» (٢/ ١٥٢).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 93 - 95

ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد