ثالثا: الخلوة

الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ثالثا: الخلوة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 53 دقيقة قراءة

ثالثا: الخلوة - الأقوال والأدلة

ثالثًا: الخلوةُ: (١)

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عقَدَ الرَّجلُ على المَرأةِ عَقدًا صَحيحًا وخَلا بها خَلوةً صَحِيحةً مِنْ غَيرِ مانعٍ شَرعيٍّ أو طَبْعيٍّ ثمَّ طلَّقَها، هل يَجبُ عليهِ المَهرُ كامِلًا؟ أم يَكونُ لها نِصفُ المَهرِ فقطْ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ والقُرطبيُّ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرأةٍ وخَلا بها خلوةً صَحيحةً مِنْ غَيرِ مانِعٍ شَرعيٍّ أو طَبْعيٍّ -كما سيأتي عندَ الحَنفيةِ- ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ عليهِ المَهرُ كامِلًا إنْ كانَ سَمَّاه، أو كَمالُ مَهرِ المِثلِ إنْ لم يكنْ في النِّكاحِ تَسميةٌ، ووَجبَتْ عليها العِدَّةُ وإنْ لم يطَأَ، وهو قولُ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ (٢) وزيدٍ (٢ (٣) وابنِ عُمرَ (٤).

رُويَ عَنْ زُرارةَ بنِ أَوفى قالَ: «قَضى الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ المَهدِيُّونَ أنَّ مَنْ أغلَقَ بابًا أو أَرخَى سِترًا فقَدْ وجَبَ المَهرُ ووَجبَتِ العِدَّةُ» (٤ (٥)، وهذهِ

(١) (١٧/ ١٤٣، ١٤٤)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ١٩٨، ١٩٩)، و «القوانين الفقهية» ص (١٣٦)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ١٧٠)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٤٨٠)، و «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٢، ١٤٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣٣٢، ٣٣٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٧٩)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ١٠٦)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ٤٠٥)، و «الديباج» (٣/ ٣٢٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٦٩٦٠).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠٨٦٦).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٦٩٦٦).
(٥) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٠٨٧٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٦٦٩٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٧٦٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٢٦١).

قَضايا اشتَهرَتْ ولَم يُخالِفْهم أحَدٌ في عَصرِهم، فكانَ كالإجماعِ.

ولِمَا رُويَ عَنِ النَّبِيِّ : «مَنْ كشَفَ خِمارَ امرَأةٍ ونظَرَ إليها فقدْ وجَبَ الصَّداقُ، دخَلَ بها أو لمْ يَدخُلْ» (١).

ولقَولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١]، نهَى الزَّوجَ عَنْ أخذِ شيءٍ مِمَّا ساقَ إليها مِنَ المَهرِ عِنْدَ الطَّلاقِ، وأبانَ عَنْ مَعنَى النَّهي لوُجودِ الخَلوةِ، كذا قالَ الفَرَّاءُ: إنَّ الإفضاءَ هو الخَلوةُ، دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ، ومَأخَذُ اللَّفظِ دَليلٌ على أنَّ المُرادَ منهُ الخَلوةُ الصَّحيحةُ؛ لأنَّ الإفضاءَ مَأخوذٌ مِنْ الفَضاءِ مِنَ الأرضِ، وهو المَوضِعُ الَّذي لا نَباتَ فيهِ ولا بِناءَ فيهِ ولا حاجِزَ يَمنَعُ عَنْ إدراكِ ما فيهِ، فكانَ المُرادُ منهُ الخلوةَ على هذا الوجهِ، وهيَ الَّتي لا حائِلَ فيها ولا مانِعَ مِنَ الاستِمتاعِ عَمَلًا بمُقتَضى اللَّفظِ، فظاهِرُ النَّصِّ يَقتَضي أنْ لا يَسقطَ شيءٌ منهُ بالطَّلاقِ، إلَّا أنَّ سُقوطَ النِّصفِ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ الخَلوةِ في نكاحٍ فيهِ تَسميةٌ وإقامةَ المُتعةِ مَقامَ نِصفِ مَهرِ المثلِ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيه ثبَتَ بدليلٍ آخَرَ، فبَقيَ حالُ ما بعْدَ الخَلوةِ على ظاهِرِ النَّصِّ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٨٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٢٦٤).

ولأنَّ المَهرَ قد وجَبَ بنَفسِ العَقدِ، فمتَى صارَ مِلكًا لها بنَفسِ العَقدِ فالمِلكُ الثَّابِتُ لإنسانٍ لا يَجوزُ أنْ يَزولَ إلَّا بإزالةِ المالكِ أو بعَجزِه عنِ الانتِفاعِ بالمَملوكِ حَقيقةً، إمَّا لمَعنًى يَرجِعُ إلى المالكِ أو لمَعنًى يَرجعُ إلى المَحلِّ، ولم يُوجَدْ شيءٌ مِنْ ذلكَ، فلا يَزولُ إلَّا عندَ الطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ الخَلوةِ، وسُقوطُ النِّصفِ بإسقاطِ الشَّرعِ غيرُ مَعقولِ المَعنى إلَّا بالطَّلاقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ فعلُ الزَّوجِ، والمهرُ مِلكُها، والإنسانُ لا يَملكُ إسقاطَ حَقِّ الغيرِ عن نَفسِه.

ولأنها سَلَّمتْ نفْسَها التَّسليمَ الواجِبَ عليها، فاستَقرَّ صَداقُها؛ لأنَّ التَّسليمَ المُستحَقَّ وُجِدَ مِنْ جِهتِها، فيَستقرُّ بهِ البَدلُ كما لو وَطِئَها، أو كما لو أَجَّرتْ دارَها أو باعَتْها وسَلَّمتْها.

ولأنَّ الغالِبَ عندَ إغلاقِ البابِ وإرخاءِ السِّتْرِ على المرأةِ وُقوعُ الجِماعِ، فأُقيمَتِ المَّظنَّةُ مَقامَ الْمَئِنَّةِ؛ لِمَا جُبلَتْ عليهِ النُّفوسُ في تلكَ الحالةِ مِنْ عَدمِ الصَّبْرِ عنِ الوِقاعِ غالِبًا؛ لغَلبةِ الشَّهوةِ وتَوفُّرِ الدَّاعيةِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩١، ٢٩٤)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٢١، ٣٢٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٨، ٣٤)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٣٣١، ٣٣٢)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ١٤٢)، و «البحر الرائق» (٣/ ١٦٢، ١٦٣)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ١٠٢)، و «المغني» (٧/ ١٩١)، و «الكافي» (٣/ ٩٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٣٤)، و «المبدع» (٨/ ١٠٧، ١٠٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٨، ١٦٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٠٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٩، ٢٠)، و «فتح الباري» (٩/ ٤٩٥).

ثُمَّ تَفسيرُ الخَلوةِ الصَّحيحةِ عِنْدَ الحنفيَّةِ: أنْ لا يكونَ هُناكَ مانِعٌ مِنَ الوَطءِ، لا حَقيقيٌّ ولا شَرعيٌّ ولا طَبْعيٌّ.

فالمانِعُ الحَقيقيُّ هو:

١ - أنْ لا يكونَ أحَدُهما مَريضًا مرَضًا يَمنعُ الجِماعَ.

٢ - أو صَغِيرًا لا يُجامِعُ مِثلُه.

٣ - أو صَغيرةً لا يُجامَعُ مِثلُها.

٤ - أو كانَتِ المَرأةُ رَتْقاءَ أو قَرْناءَ؛ لأنَّ الرَّتْقَ والقَرْنَ يَمنعانِ مِنْ الوَطءِ.

٥ - وأنْ لا يكونَ مَجبوبًا عِنْدَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ الجَبَّ يَمنَعُ مِنَ الوَطءِ، فيَمنَعُ صِحةَ الخَلوةِ كالقَرْنِ والرَّتْقِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: تَصحُّ خَلوةُ المَجبوبِ؛ لأنهُ يُتصوَّرُ منهُ السَّحْقُ والإيلادُ بهذا الطَّريقِ؛ لأنَّ امرأتَه لو جاءَتْ بوَلدٍ يَثبُتُ النَّسبُ منهُ بالإجماعِ.

وأمَّا المانِعُ الشَّرعيُّ فهوَ:

١ - أنْ يكونَ أحَدُهما صائِمًا صَومَ رَمَضانَ، وفي صَومِ غَيرِ رَمضانَ رِوايَتانِ.

٢ - أو مُحرِمًا بحَجَّةِ فَريضةٍ أو نَفلٍ، أو بعُمرَةٍ.

٣ - أو تكونَ المَرأةُ حائِضًا أو نُفَساءَ.

لأنَّ كلَّ ذلكَ مُحرِّمٌ للوَطءِ، فكانَ مانِعًا مِنَ الوَطءِ شَرعًا، والحَيضُ

والنِّفاسُ يَمنَعانِ مِنهُ طَبعًا أيضًا؛ لأنهُما أذًى، والطَّبعُ السَّليمُ يَنفرُ عنِ استِعمالِ الأذَى.

وأمَّا المانِعُ الطَّبعيُّ فهوَ:

أنْ يكونَ مَعَهما ثالِثٌ؛ لأنَّ الإنسانَ يَكرَهُ أنْ يُجامِعَ امرَأتَه بحَضرةِ ثالِثٍ، ويَستَحي فيَنقبِضُ عَنْ الوَطءِ بمَشهَدٍ منهُ، وسواءٌ كانَ الثَّالثُ بصيرًا أو أعمَى، يَقظانَ أو نائِمًا، بالِغًا أو صَبيًّا بعْدَ أنْ كانَ عاقِلًا، رَجلًا أو امرأةً أجنبيَّةً أو مَنكوحَتَه؛ لأنَّ الأعمَى إنْ كانَ لا يُبصِرُ فيُحِسُّ، والنَّائِمُ يُحتمَلُ أنْ يَستيقِظَ ساعةً فساعةً، فيَنقبِضُ الإنسانُ عَنْ الوَطءِ معَ حُضورِه، والصَّبيُّ العاقِلُ بمَنزِلةِ الرَّجلِ، يَحتشِمُ الإنسانُ منهُ كما يَحتشِمُ مِنْ الرَّجلِ، وإذا لم يكنْ عاقِلًا فهوَ مُلحَقٌ بالبَهائِمِ لا يَمتنِعُ الإنسانُ عنِ الوَطءِ لمَكانِه ولا يَلتفِتُ إليهِ، والإنسانُ يَحتشِمُ مِنْ المرأةِ الأجنَبيَّةِ ويَستَحي، وكذا لا يَحلُّ لها النَّظرُ إليهما فيَنقبِضانِ لمَكانِها، وإذا كانَ هُناكَ مَنكوحةٌ لهُ أُخرَى أو تَزوَّجَ امرَأتَينِ فخَلا بهِما فلا يَحلُّ لها النَّظرُ إليهما فيَنقبِضُ عنها، وقد قالُوا: إنه لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُجامِعَ امرَأتَه بمَشهَدِ امرأةٍ أُخرَى.

ولا خَلوةَ في المَسجِدِ والطَّريقِ والصَّحراءِ وعلى سَطحٍ لا حِجابَ عليهِ؛ لأنَّ المَسجِدَ يَجمَعُ النَّاسَ للصَّلاةِ ولا يُؤمَنُ مِنْ الدُّخولِ عليهِ ساعةً فساعةً، وكذا الوَطءُ في المَسجِدِ حَرامٌ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والطَّريقُ مَمَرُّ النَّاسِ لا تَخلُو عَنهم عادةً، وذلكَ يُوجِبُ الانقِباضَ فيَمنعُ الوطءَ، وكذا الصَّحراءُ والسَّطحُ مِنْ

غَيرِ حِجابٍ؛ لأنَّ الإنسانَ يَنقبِضُ عنِ الوَطءِ في مِثلِه؛ لاحتِمالِ أنْ يَحصلَ هُناكَ ثالثٌ أو يَنظُرَ إليهِ أحدٌ، مَعلومٌ ذلكَ بالعادةِ.

ولو خَلا بها في حَجَلَةٍ أو قُبَّةٍ فأرخَى السِّتْرَ عليهِ فهو خَلوةٌ صَحيحةٌ؛ لأنَّ ذلكَ في مَعنى البَيتِ.

ولا خَلوةَ في النِّكاحِ الفاسِدِ؛ لأنَّ الوَطءَ فيهِ حَرامٌ، فكانَ المانِعُ الشَّرعيُّ قائِمًا، ولأنَّ الخَلوةَ مِمَّا يَتأكَّدُ بهِ المَهرُ، وتأكُّدُه بعْدَ وُجوبِه يكونُ، ولا يَجبُ بالنِّكاحِ الفاسِدِ شيءٌ، فلا يُتصوَّرُ التَّأكدُ.

ثمَّ في كلِّ مَوضِعٍ صَحَّتِ الخَلوةُ وتأكَّدُ المَهرُ وَجبَتِ العدَّةُ؛ لأنَّ الخَلوةَ الصَّحيحةَ لمَّا أوجَبَتْ كَمالَ المَهرِ فلَأنْ تُوجِبَ العدَّةَ أَولَى؛ لأنَّ المَهرَ خالِصُ حَقِّ العَبدِ، وفي العدَّةِ حَقُّ اللهِ تعالَى، فيُحْتاطُ فيها، وفي كُلِّ مَوضِعٍ فَسدَتْ فيه الخَلوةُ لا يَجبُ كَمالُ المَهرِ، وهلْ تَجبُ العدَّةُ؟ يُنظَرُ في ذلكَ:

إنْ كانَ الفَسادُ لمانِعٍ حَقيقيٍّ لا تَجبُ؛ لأنهُ لا يُتصوَّرُ الوَطءُ مَع وُجودِ المانِعِ الحَقيقيِّ منهُ.

وإنْ كانَ المانِعُ شَرعيًّا أو طَبْعيًّا تَجبُ؛ لأنَّ الوَطءَ معَ وُجودِ هذا النَّوعِ مِنْ المانعِ مُمكِنٌ، فيُتَّهمانِ في الوطءِ، فتَجبُ العدَّةُ عِنْدَ الطَّلاقِ احتِياطًا (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩١، ٢٩٤)، و «الاختيار» (٣/ ١٢٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٢١، ٣٢٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٨، ٣٤).

وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وسَواءٌ خَلا بها وهُمَا مُحرِمانِ أو صائِمانِ أو حائضٌ أو سالِمانِ مِنْ هذهِ الأشياءِ).

اختَلفتِ الرِّوايةُ عَنْ أحمدَ فيما إذا خَلا بها وبهِما أو بأحَدِهما مانِعٌ مِنْ الوَطءِ، كالإحرامِ والصِّيامِ والحَيضِ والنِّفاسِ، أو مانِعٌ حَقيقيٌّ كالجَبِّ والعُنَّةِ أو الرَّتْقِ في المَرأَةِ، فعَنهُ: أنَّ الصَّداقَ يَستقرُّ بكُلِّ حالٍ، وبهِ قالَ عَطاءٌ وابنُ أبي لَيلَى والثَّوريُّ؛ لعُمومِ ما ذكَرْناه مِنْ الإجماعِ.

وقالَ عُمرُ في العِنِّينِ: «يُؤجَّلُ سَنةً، فإنْ هو غَشِيَها، وإلَّا أَخذَتِ الصَّداقَ كامِلًا وفُرِّقَ بيْنَهما وعليها العدَّةُ».

ولأنَّ التَّسليمَ المُستحَقَّ عليها قَدْ وُجِدَ، وإنِّما الحَيضُ والإحرامُ والرَّتْقُ مِنْ غَيرِ جِهتِها، فلا يُؤثِّرُ في المَهرِ كما لا يُؤثِّرُ في إسقاطِ النَّفقةِ.

ورُويَ أنهُ لا يَكمُلُ به الصَّداقُ، وهو قولُ شُرَيحٍ وأبي ثَورٍ؛ لأنهُ لم يَتمكَّنْ مِنْ تَسلُّمِها، فلم تَستحِقَّ عليهِ مَهرًا بمَنعِها، كما لو مَنعَتْ تَسليمَ نَفسِها إليه، يُحقِّقُه أنَّ المَنعَ مِنْ التَّسليمِ لا فَرْقَ بيْنَ كونِه مِنْ أجنَبيٍّ أو مِنْ العاقِدِ كالإجارةِ.

وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالثةٌ: إنْ كانَا صائِمَينِ صَومَ رَمضانَ لم يَكمُلِ الصَّداقُ، فإنْ كانَ غيْرَه كَملَ.

قالَ أبو داوُدَ: وسَمعْتُ أحمَدَ وسُئلَ عن رَجلٍ دخَلَ على أهلِهِ وهُمَا صائِمانِ في غَيرِ رَمضانَ فأغلَقَ البابَ وأرخَى السِّتْرَ؟ قالَ: وجَبَ الصَّداقُ،

قيلَ لأحمَدَ: فشَهرُ رَمضانَ؟ قالَ: شَهرُ رَمضانَ خِلافٌ لهذا، قيلَ له: فكانَ مُسافِرًا في رَمضانَ، قالَ: هذا مُفطِرٌ، يَعني وجَبَ الصَّداقُ، وهذا يَدلُّ على أنه متى كانَ المانِعُ مُتأكَّدًا كالإحرامِ وصَومِ رَمضانَ لم يَكمُلِ الصَّداقُ.

وقالَ القاضِي: إنْ كانَ المانِعُ لا يَمنَعُ دَواعيَ الوطءِ كالجَبِّ والعُنَّةِ والرَّتْقِ والمَرضِ والحيضِ والنِّفاسِ وجَبَ الصَّداقُ، وإنْ كانَ يَمنعُ دَواعيَه كالإحرامِ وصيامِ الفَرضِ فعلى رِوايتَينِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ المانِعُ مِنْ جِهَتِها لم يَستقِرَّ الصَّداقُ، وإنْ كانَ مِنْ جِهتِه صِيامُ فرضٍ أو إحرامٌ لم يَستقِرَّ الصَّداقُ، وإنْ كانَ جَبًّا أو عُنَّةً كَملَ الصَّداقُ؛ لأنَّ المانِعَ مِنْ جِهتِه وذلكَ لا يَمنعُ وُجودَ التَّسليمِ المُستحَقِّ مِنها فكَملَ حَقُّها، كما يَلزمُ الصَّغيرَ نَفقةُ امرأتِه إذا سَلَّمتْ نفْسَها إليه.

فَصلٌ: وإنْ خَلا بها وهيَ صَغيرةٌ لا يُمكِنُ وَطؤُها أو كانَتْ كَبيرةً فمَنعَتْه نفْسَها أو كانَ أعمَى فلمْ يَعلمْ بدُخولِها عليهِ لم يَكمُلْ صَداقُها، نَصَّ عليهِ أحمَدُ في المَكفوفِ يَتزوَّجُ المرأةَ فأُدخِلتْ عليهِ فأُرخيَ السِّتْرُ وأُغلقَ البابُ، فإنْ كانَ لا يَعلمُ بدُخولِها عليهِ فلها نِصفُ الصَّداقِ، وأَومَأَ إلى أنها إذا نَشزَتْ عليهِ أو مَنعَتْه نفْسَها لا يَكمُلُ صَداقُها، وذكَرَه ابنُ حامدٍ.

وذلكَ لأنهُ لَم يُوجَدِ التَّمكينُ مِنْ جِهتِها، فأشبَهَ ما لو لم يَخْلُ بها، وكذلكَ إنْ خَلا بها وهوَ طِفلٌ لا يَتمكَّنُ مِنْ الوَطءِ لم يَكمُلِ الصَّداقُ؛ لأنهُ في مَعنَى الصَّغيرةِ في عَدمِ التَّمكينِ مِنْ الوَطءِ.

فصلٌ: والخَلوةُ في النِّكاحِ الفاسِدِ لا يَجبُ بها شيءٌ مِنْ المَهرِ؛ لأنَّ الصَّداقَ لَم يَجبْ بالعَقدِ، وإنما يُوجِبُه الوَطءُ، ولَم يُوجَدْ، ولذلكَ لا يَتنصَّفُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، فأشبَهَ ذلكَ الخَلوةَ بالأجنبيَّةِ.

وقد رُوِيَ عن أحمَدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الخَلوةَ فيهِ كالخَلوةِ في الصَّحيحِ؛ لأنَّ الابتِداءَ بالخَلوةِ فيهِ كالابتِداءِ بذلكَ في النِّكاحِ الصَّحيحِ، فيَتقرَّرُ بهِ المَهرُ كالصَّحيحِ، والأُولَى أَولَى (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الخَلوةَ لا تُوجِبُ كَمالَ المَهرِ، فإذا خَلا بزَوجتِه ولَم يُجامِعْها ثمَّ طَلَّقَها ولَم تَدَّعِ أنهُ وَطئَها وجَبَ نِصفُ المَهرِ فقطْ، ولا يَجبُ عليها العدَّةُ، وسواءٌ استَمتعَ بها بمُعانَقةٍ أو تَقبيلٍ أم لا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فأخبَرَ تعالَى أنها تَستحقُّ بالطَّلاقِ قبْلَ المَسِيسِ نِصفَ ما فُرِضَ لها، وأوجَبَ العدَّةَ بالمَسيسِ، ولا تُعرَفُ الخَلوةُ دونَ وَطءٍ مَسيسًا.

والمَسيسُ عِبارةٌ عنِ الوطءِ لثَلاثةِ مَعانٍ:

أحَدُها: أنهُ مَرويٌّ في التَّفسيرِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهما.

(١) «المغني» (٧/ ١٩١، ١٩٣)، و «الكافي» (٣/ ٩٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٤٣٤)، و «المبدع» (٨/ ١٠٧، ١٠٨)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٦٨، ١٦٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٦٥)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٠٥)، و «منار السبيل» (٣/ ١٩، ٢٠).

والثَّاني: أنَّ المَسيسَ كِنايةٌ لِمَا يُستقبَحُ صَريحُه، وليسَتِ الخَلوةُ مُستقبَحةَ التَّصريحِ فيُكنَّى عنها، والوَطءُ مُستقبَحٌ فكُنِّيَ بالمَسيسِ عنه.

والثَّالثُ: أنَّ المَسيسَ لا يَتعلَّقُ بهِ على المَذهبَينِ كَمالُ المَهرِ؛ لأنهُ لو خَلا بها مِنْ غَيرِ مَسيسٍ كَملَ عِندَهمُ المَهرُ، ولو وَطئَها مِنْ غَيرِ خَلوةٍ كَملَ عليهِ المَهرُ، ولو مَسَّها مِنْ غَيرِ خَلوةٍ ولا وَطءٍ لم يَكمُلِ المَهرُ، فكانَ حَمْلُ المَسيسِ على الوطءِ الَّذي يَتعلَّقُ بهِ الحُكمُ أَولَى مِنْ حَملِه على غيرِه، وإذا كانَ كذلكَ فقَدْ جعلَ الطَّلاقَ قبْلَ المَسيسِ الَّذي هوَ الوَطءُ مُوجِبًا لاستِحقاقِ نِصفِ المهرِ.

ومِن طَريقِ القِياسِ: أنهُ طلاقٌ قبْلَ الإصابةِ، فوجَبَ أنْ لا يَكمُلَ بهِ المهرُ كالطَّلاقِ قبْلَ الخَلوةِ، ولأنها خَلوةٌ خَلَتْ عن الإصابةِ، فوجَبَ أنْ لا يَكمُلَ بها المَهرُ، كالخَلوةِ إذا كانَ أحدُهُما مُحرِمًا أو صائِمًا فَرضًا، ولأنَّ ما لا يُوجِبُ الغُسلَ لا يُوجِبُ كَمالَ المهرِ، كالقُبلةِ مِنْ غيرِ خَلوةٍ، ولأنَّ الخَلوةَ لمَّا لم يَقُمْ في حَقِّها مَقامُ الإصابةِ لم يَقُمْ في حَقِّه مَقامُ الإصابةِ كالنَّظرِ، وبَيانُ ذلكَ أنهُ لو خَلا بها لم يَسقُطْ بها حقُّ الإيلاءِ والعُنَّةِ، ولأنَّ ما لا يَثبتُ بهِ حقُّ التَّسليمِ في أحدِ جَنْبِي العَقدِ لم يَثبتُ بهِ حقُّ التَّسليمِ في الجَنَبةِ الأُخرَى، قياسًا على تَسليمِ المَبيعِ والمُؤاجَرِ إذا كانَ دونَ قَبضِهما حائلٌ، ولأنَّ للوَطءِ أحكامًا تَختَصُّ بهِ، مِنْ وُجوبِ الحَدِّ والغُسلِ وثُبوتِ الإحصانِ والإحلالِ للزَّوجِ الأولِ وسُقوطِ العُنَّةِ وحُكمِ الإيلاءِ وإفسادِ العِبادةِ ووُجوبِ الكفَّارةِ واستِحقاقِ المَهرِ في النِّكاحِ الفاسِدِ وكَمالِه في

الصِّحيحِ ووُجوبِ العِّدةِ فيهما، فلمَّا انتَفى عنِ الخَلوةِ جَميعُ هذهِ الأحكامِ سِوى تَكميلِ المَهرِ والعدَّةِ انتَفى عنها هذانِ؛ اعتِبارًا بسائرِ الأحكامِ.

وتَحريرُه قِياسًا: أنهُ حُكمٌ مِنْ أحكامِ الوطءِ، فوجَبَ أنْ يَنتفيَ عَنْ الخَلوةِ؛ قِياسًا على ما ذكَرْنا.

ولأنَّ كلَّ ما لا يَجبُ بهِ المَهرُ في النِّكاحِ الفاسِدِ لم يَستقرَّ في النِّكاحِ الصَّحيحِ، أصلُه اللَّمسُ لغَيرِ لذَّةٍ (١).

إلا أنَّ المالكيَّةَ والشَّافِعيةَ اختَلفُوا في مَوضِعَينِ:

المَوضِعُ الأولُ: إنْ طالَتِ الخَلوةُ:

اختَلفَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ فيما لو خَلا بها وطالَتِ المُدَّةُ، هل يَجبُ المَهرُ كامِلًا أم لا؟

فقالَ المالِكيةُ: إذا أقامَتِ الزَّوجةُ عِنْدَ زَوجِها سَنةً أو نَحوَها بعْدَ الدُّخولِ عليها -أي الخَلوةِ- ولم يَطأْها واتَّفقَا على عَدمِ الوَطءِ وجَبَ لها

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٦٣، ٣٦٥)، رقم (١١٩٩)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٥٢١، ٥٢٢)، و «الكافي» (١/ ٢٥٤)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٠، ٢٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤٢، ١٤٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٧، ١٨)، و «حاشية الصاوي» (٥/ ٩٣، ٩٥)، و «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٤٠، ٥٤٣)، و «البيان» (٩/ ٤٠١، ٤٠٣)، و «النجم الوهاج» (٧/ ٣١٢، ٣١٣)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٣٦٩)، و «تحفة المحتاج» (٩/ ٨٠، ٨١)، و «الديباج» (٣/ ٣١٦).

الصَّداقُ كامِلًا؛ لأنَّ الإقامةَ المَذكورةَ نَزلَتْ مَنزِلةَ الوطءِ، بشَرطِ كَونِه بالِغًا وهيَ مُطيقةٌ.

وقيلَ: إنَّما يَتحدَّدُ ذلكَ بالعُرفِ، فما كانَ طويلًا يَتقرَّرُ بهِ الصَّداقُ، وما لا فلا.

وقيلَ: أنهُ ليسَ لها إلَّا نِصفُ الصَّداقِ فقطْ وإنْ طالَتِ المدَّةُ (١).

وأما الشَّافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رضي الله عنه: وسواءٌ في هذا أغلَقَ عليها بابًا أو أَرخَى سِتْرًا أو لم يُغلِقْه أو طالَ مَقامُه مَعها أو لم يَطُلْ، لا تَجبُ عليها العدَّةُ ولا يَكمُلُ لها المَهرُ إذا طَلُقَتْ إلَّا بالوَطءِ نَفسِه (٢).

وقالَ الماوَرْديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافعيُّ: «وسواءٌ طالَ مَقامَهُ مَعها أو قَصرَ لا يَجبُ المَهرُ والعدَّةُ إلَّا بالمَسيسِ نَفسِه»، قالَ المُزَنِيُّ رحمة الله عليه: قدْ جاءَ عنِ ابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ مَعنَى ما قالَ الشَّافعيُّ، وهو ظاهِرُ القُرآنِ.

قالَ الماوَرديُّ: وهذا إنِّما قالَهُ الشَّافعيُّ رَدًّا على مالِكٍ، فإنهُ زعَمَ أنَّ الخَلوةَ إنْ كانَتْ في بَيتِ الزَّوجِ فالقَولُ مَعها قَولُ مُدَّعي الإصابةِ، وإنْ كانَتْ في بَيتِ الزَّوجةِ فإنْ طالَتْ حتَّى زالَتِ الحِشمةُ بيْنَهما فالقَولُ قَولُ مُدَّعي الإصابةِ مِنهُما، وإنْ قصُرَتْ ولَم تَزُلِ الحِشمةُ بيْنَهما فالقَولُ قولُ مُنكِرِها؛

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٧٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٧)، و «حاشية الصاوي» (٥/ ٩٣، ٩٥).
(٢) «الأم» (٥/ ٢٤٧).

استِدلالًا بأنه عُرفُ الحُكَّامِ بالمَدينةِ، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الخَلوةَ إنْ أَوجبَتْ كَمالَ المَهرِ استَوى حُكمُ طَويلِها وقَصيرِها، وأنْ تكونَ في بَيتِهِ أو بَيتِها كالإصابةِ، وإنْ لم تُوجِبْ كَمالَ المَهرِ كانَتْ في جَميعِ أحوالِها كذلكَ، وقد تكونُ الإصابةُ في قَليلِ الخَلوةِ ولا تكونُ في كَبيرِها، وقَد تكونُ الإصابةُ في خَلوةِ بَيتِها ولا تكونُ في خَلوةِ بَيتِه، فلَم يكنْ لهذا التَّفصِيلِ مَعنًى يُوجِبُه، ولا تَعليلٌ يَقتضِيه، ولا أصلٌ يَرجِعُ إليهِ، وفِعلُ حُكَّامِ المَدينةِ ليسَ بحُجةٍ إذا لم يَقتَرِنْ بدليلٍ (١).

المَوضِعُ الثَّاني: فيما لوِ ادَّعَتْ أنهُ وَطئَها وأنكَرَ:

قالَ المالِكيةُ: إذا حَصلَتِ الخَلوةُ فادَّعَتْ أنهُ وَطئَها فأنكرَ الوَطءَ فإنها تُصدَّقُ بيَمينِها إنْ خَلا بها خَلوةَ الاهتِداءِ -أي: خَلا بيْنَه وبيْنَها، مَأخوذةٌ مِنْ الهُدوءِ والسُّكونِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ الزَّوجَينِ سَكَنَ للآخَرِ واطْمأنَّ إليهِ، وخَلوةُ الاهتِداءِ هي المَعروفةُ بإرخاءِ السُّتورِ- ولَو كانَ مانِعٌ شَرعِيٌّ مِنْ الوَطءِ، كما لو كانَتْ صائِمةً أو مُحرِمةً أو مُعتكِفةً أَوْ حائِضًا أو نُفَساءَ؛ لأنَّ ذلكَ مِمَّا لا يُمكِنُ الإشهادُ عليهِ والتَّوثيقُ بإحضارِ البَيِّنةِ فيهِ، والأصولُ مَوضوعةٌ على أنَّ ما تَعلَّقَ بالزَّوجةِ مِمَّا هذهِ سَبيلُه أنَّ القَولَ قَولُها في حُصولِه؛ لأنَّ الضَّرورةَ تَدعو إلى ائتِمانِها عليهِ، وإنْ آلَ إلى إسقاطِ حَقِّ الزَّوجِ وإيجابِ شَيءٍ عليهِ كالعِدَّةِ، ولأنَّ التَّمكينَ إذا حصَلَ ووقَعَ الاختِلافُ في الفِعلِ فالقَولُ قَولُ مُدَّعي إثباتِهِ دُونَ نافِيهِ، كالعِنِّينِ إذا أمكنَ

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٤٤).

مِنْ زَوجتِه وادَّعى أنه أصابَ وأنكَرتْ، ولأنَّ العُرفَ شاهِدٌ بما تَدَّعيهِ؛ لأنَّ الغالِبَ مِنْ حالِ الرَّجلِ إذا خَلا بزَوجةٍ جَديدةٍ وكانَ صَحيحًا سَليمَ الحَواسِّ أنهُ يَطأُ، فكانَ القَولُ قولَ مَنْ يَشهدُ لهُ العُرفُ، ولأنَّ المُتَداعِيَينِ إذا قَوِيَ سَببُ أحدِهِما بشَهادةِ العُرفِ لهُ أو لغَيرِ ذلكَ مِمَّا يقوى على خَصمِه فإنَّ اليَمينَ في جِهتِه، أصلُهُ صاحِبُ البَيِّنةِ.

وسواءٌ كانَتْ ثيِّبًا أو بِكرًا، أو سَواءٌ كانَ الزَّوجُ صالِحًا أم لا، وتَحلفُ على ما ادَّعتْهُ إنْ كانَتْ كَبيرةً أو سَفيهةً؛ لأنَّ هذا أمرٌ لا يَعلمُه وَليُّها، فإنْ حلَفَتْ أخذَتِ الصَّداقَ كامِلًا، وإنْ نكَلَتْ حلَفَ الزَّوجُ، فإنْ نكَلَ غَرمَ المَهرَ كامِلًا.

وأمَّا إنْ كانَتْ صَغيرةً فإنهُ يَحلفُ الزَّوجُ لرَدِّ دَعواها ويَغرمُ نِصفَ الصَّداقِ، فإذا بَلغَتْ حلَفَتْ إنْ شاءَتْ وأخذَتْ بَقيَّةَ الصَّداقِ، فإنْ نكَلَتْ فليسَ لها تَحليفُ الزَّوجِ ثانيةً.

وأمَّا إنْ نكَلَ الزَّوجُ فإنهُ يَغرمُ جَميعَ الصَّداقِ، وليسَ لهُ تَحليفُها إذا بَلغَتْ، وإنما لَزِمَ الجَميعُ بنُكولِه؛ لأنَّ الخَلوةَ بمَنزلةِ شاهِدٍ ونُكولُه بمَنزلةِ شاهِدٍ آخَرَ، وذلكَ كافٍ في الأموالِ، ولو ماتَتِ الزَّوجةُ الصَّغيرةُ قبْلَ البُلوغِ وَرثَ عنها وحلَفَ وارِثُها ما كانَتْ تَحلِفُه.

وتُصدَّقُ أيضًا في دَعوى نَفيِ الوَطءِ في خَلوةِ الاهتِداءِ إذا وافَقَها الزَّوجُ على النَّفيِ، وإلَّا فهُو قَولُه (١).

(١) قالَ القَاضي عبدُ الوَهابِ في «المعونة» (١/ ٥٨٥، ٥٨٦): إذا حَصلتِ الخَلوةُ فادَّعتِ الوطءَ فأنكرَهُ الزَّوجُ، ففيها ثلاثُ رِواياتٍ:
إحداها: أنَّ القولَ قَولُها جُملةً مِنْ غَيرِ تَفصيلٍ.
والأُخرى: أنهُ إنْ كانَ ذلكَ في مَنزلِها فالقولُ قولُه معَ يَمينِه ما لم يَكنْ دُخولَ بناءٍ، وإنْ كانَ في مَنزلهِ فالقَولُ قَولُها معَ يَمينِها.
والثَّالثةُ: أنها إنْ كانَتْ ثيِّبًا فالقَولُ قَولُها مع يَمينِها، وإن كانَتْ بِكرًا نَظَرَ إليها النِّساءُ، فإنْ رَأَيْنَ أثرَ افتِضاضٍ صُدِّقَتْ عليهِ، وإنْ لم يَرَيْنَ لم يكنْ لها إلَّا نِصفُ الصَّداقِ.
فوَجهُ الأُولى: أنها قد فَعلَتْ ما يَلزمُها مِنْ التَّسليمِ والتَّمكينِ مِنْ الاستِمتاعِ، فليسَتْ بمَنسوبةٍ إلى تَفريطٍ بتَركِ التَّوثُّقِ بالإشهادِ إذْ لا يُمكِنُها ذلكَ، فلو لم تُصدَّقْ عليهِ لأدَّى إلى أنْ لا يَثبتَ على أحدٍ صَداقٍ بوطءٍ إلَّا باعتِرافِه، وفي ذلكَ إضاعةُ المُهورِ وأعواضِ الاستِمتاعِ.
ووَجهُ الثَّانيةِ: أنَّ النِّزاعَ في التَّداعِي يُرجَعُ فيهِ إلى مَنْ يَشهدُ لهُ العُرفُ مِنَ المُتداعِينَ، فالعُرفُ جارٍ بأنَّ الرَّجلَ يَنقبضُ في غَيرِ بَيتِه إذا كانَ زائِرًا غيرَ مُطمَئنٍ ولا يَنبسطُ، وأنه يَستحِي مِنْ اطِّلاعِ أهلِها ومَن هوَ في دارِها، فكانَ القولُ قولَه في أنه لم يَطأْ بشهادةِ العُرفِ لهُ، وبخلافِ هذا إذا بنَى بها؛ لأنهُ إذا تَوطَّنَ واطْمأنَّ في بَيتهِ أو بَيتِ أهلِها انبَسطَ وزالَ الاستِيحاشُ والانقِباضُ عنه، فكانَ القَولُ قولَها أنه وَطِئَها، فكذلكَ إذا خلَا بها في بَيتهِ فالقُولُ قَولُها؛ لأنَّ العُرفَ يَصيرُ معها؛ لأنَّ الإنسانَ يَنبسطُ في بَيتهِ ولا يَنقبضُ، والعادةُ إقدامُه على الوَطءِ، ولأنهُ لا يَتوقَّفُ عنهُ، فصُدِّقَتْ عليهِ.
ووجهُ الثَّالثةِ: أنهُ إذا وُجِدَ سَبيلٌ إلى اليَقينِ كانَ أَولَى مِنْ الظَّنِّ والعَملِ على ظاهرٍ لا يُعرَفُ صِدقُه، وذلكَ مُمكِنٌ في البِكرِ على ما ذكَرْناه مِنِ اختِبارِها بنَظرِ النِّساءِ إليها، وجازَ ذلك للضَّرورةِ كالعُيوبِ، ولَمَّا لم يُمكِنْ في الثِّيبِ رُجِعَ إلى قولِها، وكلُّ مَنْ حُكِمَ بقَولِه فلا بدَّ مِنْ يَمينِه.

وصُدِّقَ الزَّائرُ مِنهُما في الوَطءِ وعَدمِه، فإذا زارَها في بَيتِها وقالَتْ: «أصابَني» وقالَ هوَ: «ما أصبْتُها» فالقُولُ قَولُه؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الرَّجلَ لا يَنشطُ في غَيرِ بَيتِه، وإنْ زارَتْه في بَيتِه وقالَتْ: «أصابَني» وقالَ هوَ:

«ما أصبْتُها» فالقُولُ قَولُها، بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا؛ لأنَّ العادةَ أنَّ الرَّجلَ يَنشطُ في بَيتِه.

وكذلكَ إذا كانَتْ زائِرةً وادَّعتْ عدَمَ الوَطءِ وكَذَّبها، فإنْ كانَ كلٌّ مِنهُما زائِرًا -أي زارَا غيْرَهما- فيُصدَّقُ الزَّوجُ، وأمَّا إنِ اختَليَا في بَيتٍ ليسَ بهِ أحدٌ فتُصدَّقُ المَرأةُ؛ لأنهُ يَنشطُ فيهِ.

وإذا اختَلَى بزَوجتِه خَلوةَ اهتِداءٍ أو خَلوةَ زيارةٍ أو لَم تُعلَمْ بيْنَهما خَلوةٌ وأقَرَّ أنهُ وَطِئَها وقالَتْ هيَ: «لم يَطأْنِي» فإنهُ يُؤاخَذُ بإقرارِهِ ويَلزمُه جَميعُ الصَّداقِ إنْ كانَتِ المَرأةُ سَفيهةٌ أو أمَةً أو صَغيرةً.

وأمَّا إذا أقَرَّ الزَّوجُ أنهُ أصابَ زَوجتَه الرَّشيدةَ وقالَتْ: ما أصابَنِي واستَمرَّتْ على إنكارِها لذلكَ ففِيهِ تأوِيلانِ (١).

وأمَّا الشَّافعيَّةُ: فقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فلا يَخلُو حالُ الزَّوجَينِ إذا خَلَوا مِنْ أربعةِ أحوالٍ:

إحداهُنَّ: أنْ يَتَّفقا على الإصابةِ، فيَكمُلُ المَهرُ وتَجِبُ العدَّةُ وتُستحَقُّ الرَّجْعةُ إجماعًا على الأقاوِيلِ كُلِّها.

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٥٢١، ٥٢٢)، و «الكافي» (١/ ٢٥٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٦٥)، رقم (٢٠٠٠)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٥٨٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٠، ٢٦٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤٢، ١٤٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٧، ١٨)، و «حاشية الصاوي» (٥/ ٩٣، ٩٥).

والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَتَّفقا على عَدمِ الإصابةِ، فعلَى قَولِ الشَّافِعيِّ في الجديدِ و «الإملاء» لا يَكمُلُ المَهرُ ولا تَجبُ العدَّةُ ولا تُستحَقُّ الرَّجعةُ.

فعلَى هذا: لو جاءَتْ بوَلدٍ لستَّةِ أشهرٍ فصاعِدًا مِنْ وَقتِ العَقدِ وقَدِ اتَّفقَا على أنَّ الإصابَةَ بيْنَهما لَحِقَ به الوَلدُ؛ لأنها فِراشٌ، وفي استِكمالِ المَهرِ على الجَديدِ و «الإملاء» وَجهانِ: أحدُهُما: يُستكمَلُ المَهرُ؛ لأنَّ حُدوثَ الوَلدِ دليلٌ على تَقدُّمِ الإصابةِ.

والوَجهُ الثَّاني: أنهُ لا يُستكمَلُ المَهرُ ولا يكونُ لها إلَّا نِصفُه؛ لجَوازِ أنْ يكونَ قد استَدخلَتْ مَنيَّهُ فعَلِقَتْ منهُ مِنْ غَيرِ إصابةٍ.

فأمَّا على قَولِه في القَديمِ ففِيه وَجهانِ لأصحابِنا:

أحدُهُما: أنَّ المَهرَ كامِلٌ والعدَّةَ واجِبةٌ والرَّجعةَ مُستحَقَّةٌ؛ اعتِبارًا بحُكمِ الخَلوةِ.

والوَجهُ الثَّاني -وهو قَولُ أبي عَليّ بنِ أبي هُريرةَ-: أنهُ لا يُكمَلُ المَهرُ ولا تَجبُ العدَّةُ ولا تُستحَقُّ الرَّجعةُ؛ اعتِبارًا بعَدمِ الإصابةِ.

والحالُ الثَّالثةُ: أنْ تَدَّعي الزَّوجةُ الإصابةَ ويُنكِرَها الزَّوجُ، فقَد وَجبَتْ عليها العدَّةُ بإقرارِها على الأقاوِيلِ كلِّها، إلَّا على أحَدِ وَجْهَي قَولِه في القَديمِ، فأمَّا استِكمالُ المَهرِ فعلى قَولِه في القَديمِ قدِ استَكملَتْه بلا يَمينٍ.

وعلى قَولِه فِي «الإملاء»: لا تَستَكملُه إلَّا بيَمينٍ؛ لأنهُ يَجعَلُ الخَلوةَ يَدًا.

وعلى قَولِه في الجَديدِ: القَولُ قَولُ الزَّوجِ معَ يَمينِه، وليسَ لها مِنَ المَهرِ إلَّا نِصفُه.

فإنَّ أقامَتِ الزَّوجَةُ البَيِّنةَ على إقرارِ الزَّوجِ بالإصابةِ سُمعَتِ البَيِّنةُ بشاهِدٍ وامرأتَينِ، وشاهِدٍ ويَمينٍ؛ لأنها بَيِّنةٌ لإثباتِ مالٍ.

والحالُ الرَّابعةُ: أنْ يَدَّعي الزَّوجُ الإصابةَ وتُنكِرَها الزَّوجةُ، فهذهِ الدَّعوى مِنهُ إنِّما هي لوُجوبِ العدَّةِ واستِحقاقِ الرَّجعةِ، فعلَى قَولِه في القَديمِ: القَولُ قولُ الزَّوجِ بلا يَمينٍ، وعلى قَولِه في «الإملاء»: القَولُ قَولُه معَ يَمينِه، ويُحكَمُ بوُجوبِ العدَّةِ عليها، وباستِحقاقِ الرَّجعةِ لهُ، وعلى قَولِه في الجَديدِ: القَولُ قولُ الزَّوجةِ معَ يَمينِها، ولا عِدَّةَ عليها ولا رَجعةَ لهُ.

فأمَّا المَهرُ فقدِ استَكملَتْه على قَولهِ في القَديمِ، فأمَّا في الجَديدِ و «الإملاء» فليسَ لها إلَّا نِصفُه، لَكنْ إنْ كانَ المَهرُ في يَدِها فليسَ للزَّوجِ استِرجاعُ نِصفِه؛ لأنهُ لا يدَّعِيه، وإنْ كانَ في يدِ الزَّوجِ فليسَ لها أنْ تُطالِبَه إلَّا بنِصفِه؛ لأنها تُنكِرُ استِحقاقَ جَميعِه، فلو أقامَ الزَّوجُ البَيِّنةَ على إقرارِها بالإصابةِ لتَثبُتَ لهُ الرَّجعةُ والعِدَّةُ سُمعَتْ بشاهِدَينِ عَدلَينِ، ولم تُسمَعْ بشاهِدٍ وامرأتَينِ؛ لأنها على غَيرِ مالٍ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه مُبيِّنًا سَببَ اختِلافِ العُلماءِ في هذهِ المَسألةِ: واختَلفُوا هل مِنْ شَرطِ وُجوبِه -أي المَهرِ- معَ الدُّخولِ

(١) «الحاوي الكبير» (٩/ ٥٤٤، ٥٤٥)، ويُنظَر: «الأم» (٥/ ٢٤٧).

المَسيسُ؟ أم ليسَ ذلكَ مِنْ شَرطِه بل يَجبُ بالدُّخولِ والخَلوةِ وهو الَّذي يَعنُونَ بإرخاءِ السُّتورِ؟

فقالَ مالِكٌ والشَّافعيُّ وداوُدُ: لا يَجبُ بإرخاءِ السُّتورِ إلَّا نِصفُ المَهرِ ما لم يَكنِ المَسيسُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجبُ المَهرُ بالخَلوةِ نَفسِها إلَّا أنْ يكونَ مُحرِمًا أو مَريضًا أو صائِمًا في رَمضانَ أو كانَتِ المَرأةُ حائِضًا.

وقالَ ابنُ أبي لَيلَى: يَجبُ المَهرُ كلُّهُ بالدُّخولِ، ولَم يَشتَرِطْ في ذلكَ شَيئًا.

وسَببُ اختِلافِهم في ذلكَ مُعارَضةُ حُكمِ الصَّحابةِ في ذلكَ لظاهِرِ الكتابِ، وذلكَ أنهُ نَصَّ تبارك وتعالى في المَدخولِ بها المَنكوحةِ أنهُ ليسَ يَجوزُ أنْ يُؤخَذَ مِنْ صَداقِها شيءٌ في قَولِه تعالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ونَصَّ في المُطلَّقةِ قبْلَ المَسيسِ أنَّ لها نِصفَ الصَّداقِ فقالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا نَصٌّ كما تَرى في حُكمِ كلِّ واحِدةٍ مِنْ هاتَينِ الحالَتَينِ، أعني قبْلَ المَسيسِ وبعْدَ المَسيسِ، ولا وَسَطَ بيْنَهما، فوجَبَ بهذا إيجابًا ظاهِرًا أنَّ الصَّداقَ لا يَجبُ إلَّا بالمَسيسِ، والمَسيسُ هَاهُنا الظَّاهِرُ مِنْ أمرِهِ أنهُ الجِماعُ، وقَد يُحتَملُ أنْ يُحمَلَ على أصلِهِ في اللُّغةِ وهوَ المَسُّ، ولَعلَّ هذا هوَ الَّذي تَأوَّلَتِ

الصَّحابةُ، ولذلكَ قالَ مالكٌ في العِنِّينِ المُؤجَّلِ: إنهُ قدْ وجَبَ لها الصَّداقُ عليهِ إذا وقَعَ الطَّلاقُ لطُولِ مُقامِهِ مَعها، فجَعلَ لهُ دُونَ الجِماعِ تأثِيرًا في إيجابِ الصَّداقِ.

وأمَّا الأحكامُ الوارِدةُ في ذلكَ عَنِ الصَّحابةِ فهوَ «أنَّ مَنْ أغلَقَ بابًا أو أرخَى سِترًا فقدْ وجَبَ عليهِ الصَّداقُ»، لَم يُختَلفْ عليهِم في ذلكَ فيما حَكَمُوا.

واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في فَرعٍ، وهو إذا اختَلفَا في المَسيسِ، أعنِي القائلِينَ باشتِراطِ المَسيسِ، وذلكَ مِثلَ أنْ تَدَّعِي هيَ المَسيسَ ويُنكِرَ هو، فالمَشهورُ عَنْ مالِكٍ أنَّ القولَ قَولُها.

وقيلَ: إنْ كانَ دُخولَ بناءٍ صُدِّقَتْ، وإنْ كانَ دُخولَ زيارةٍ لَم تُصدَّقْ.

وقيلَ: إنْ كانَتْ بِكرًا نظَرَ إليها النِّساءُ، فيَتحصَّلُ فيها في المَذهبِ ثلاثةُ أقوالٍ.

وقالَ الشَّافعيُّ وأهلُ الظَّاهِرِ: القَولُ قَولُه؛ وذلكَ لأنهُ مُدَّعًى عليهِ.

ومالِكٌ ليسَ يَعتبِرُ في وُجوبِ اليَمينِ على المُدَّعَى عليهِ مِنْ جِهةِ ما هوَ مُدَّعًى عليهِ، بل مِنْ جِهةِ ما هوَ أقوَى شُبهةً في الأكثَرِ، ولذلكَ يَجعَلُ القولَ في مَواضِعَ كثيرةٍ قَولَ المُدَّعي إذ كانَ أقوَى شُبهةً.

وهذا الخِلافُ يَرجِعُ إلى: هل إيجابُ اليَمينِ على المُدَّعَى عليهِ مُعلَّلٌ أو غَيرُ مُعلَّلٍ؟ وكذلكَ القَولُ في وُجوبِ البَيِّنةِ على المُدَّعِي (١).

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٧، ١٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 46 - 65

ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله