الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ثانيا: الموت
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةثانيًا: الموت:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ أحَدَ الزَّوجَينِ إذا ماتَ قبْلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ فإنَّ المَهرَ يَجبُ كامِلًا للمَرأةِ أو لورَثتِها إنْ كانَتْ هيَ المُتوفَّاةَ إذا كانَ النِّكاحُ صَحيحًا وكانَ مَفروضًا لها؛ لإجماعِ الصَّحابةِ على ذلكَ، ولأنهُ لا يَبطُلُ بهِ النِّكاحُ، بدَليلِ التَّوارُثِ بيْنَهما إجماعًا، وإنَّما هوَ نهايةٌ لهُ، ونهايةُ العَقدِ كاستيفاءِ المَعقودِ عليهِ، بدَليلِ الإجارَةِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الصَّداقَ يَجبُ كلُّهُ بالمَوتِ … ولا أعلَمُ الآنَ فيهِ دَليلًا مَسموعًا إلَّا انعِقادَ الإجماعِ على ذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: بمَوتِ أحَدِ الزَّوجَينِ يَستقرُّ المَهرُ بالاتِّفاقِ (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا التَّأكدُ بمَوتِ أحَدِ الزَّوجَينِ فنَقولُ: لا خِلافَ في أنَّ أحدَ الزَّوجَينِ إذا ماتَ حَتْفَ أنفِهِ قبْلَ الدُّخولِ في نِكاحٍ فيهِ تَسميةٌ أنهُ يَتأكَّدُ المُسمَّى، سَواءٌ كانَتِ المَرأةُ حرَّةً أو أمَةً؛ لأنَّ المَهرَ كانَ واجِبًا بالعَقدِ، والعَقدُ لَم يَنفسخْ بالموتِ بلِ انتَهى نهايتَهُ؛ لأنهُ عَقدٌ للعُمرِ فتَنتَهي نهايتُه عِنْدَ انتِهاءِ العُمرِ، وإذا انتَهى يَتأكَّدُ فيما مَضى ويَتقرَّرُ، بمَنزلةِ الصَّومِ يَتقرَّرُ بمَجيءِ اللَّيلِ فيَتقرَّرُ الواجِبُ، ولأنَّ كُلَّ المَهرِ لَمَّا وجَبَ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٧).
(٢) «جواهر العقود» (٢/ ٣٨).
بنَفسِ العَقدِ صار دَينًا عليهِ، والمَوتُ لم يُعرَفْ مُسقِطًا للدَّينِ في أصولِ الشَّرعِ، فلا يَسقُطُ شيءٌ منهُ بالمَوتِ كسائِرِ الدُّيونِ (١).
وجُمهورُ الفُقهاءِ -على تَفصيلٍ عِندَهم- يَرَونَ أنهُ يَستقرُّ المَهرُ بالمَوتِ، ولو كانَ أحَدُهما قتَلَ نفْسَه أو قتَلَه الآخَرُ، بأنْ قَتلَتِ الزَّوجةُ نَفسَها أو قَتلَتْ زوْجَها، فإنَّ المَهرَ يَستقرُّ بالمَوتِ.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو قتَلَ أحَدُهما الآخَرَ، هل يَستقرُّ المَهرُ به أم لا؟
قالَ الحَنفيةُ: إذا قتَلَ أحَدُ الزَّوجَينِ الآخَرَ أو قَتلَه أجنبيٌّ أو قتَلَ الزَّوجُ نَفسَه أو الزَّوجةُ نَفسَها فإنَّ المَهرَ يَجبُ كامِلًا.
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وكذا إذا قُتِلَ أحدُهُما، سَواءٌ كانَ قتَلَه أجنَبيٌّ أو قتَلَ أحدُهُما صاحِبَه أو قتَلَ الزَّوجُ نَفسَه.
فأمَّا إذا قَتلَتِ المَرأةُ نَفسَها؛ فإنْ كانَتْ حُرَّةً لا يَسقُطُ عنِ الزَّوجِ شيءٌ مِنَ المَهرِ، بل يَتأكدُ المَهرُ عِندَنا … لأنَّ القتلَ إنَّما يَصيرُ تَفويتًا للحقِّ عِنْدَ زُهوقِ الرُّوحِ؛ لأنهُ إنِّما يَصيرُ قَتلًا في حَقِّ المَحلِّ عندَ ذلكَ، والمَهرُ في تلكَ الحالةِ مِلكُ الوَرثةِ، فلا يَحتَملُ السُّقوطَ بفِعلِها، كما إذا قَتلَها زَوجُها أو أجنَبيٌّ.
ثمَّ قالَ: ولأنَّ المَهرَ وَقتَ فواتِ المُبدَلِ على الزَّوجِ مِلكُ المَولى
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٤).
وحَقُّه، والإنسانُ يَملِكُ التصرُّفَ في مِلكِ نَفسِه استِيفاءً وإسقاطًا، فكانَ مُحتمِلًا للسُّقوطِ بتَفويتِ المُبدَلِ دلالةً كما كانَ مُحتمِلاً للسُّقوطِ بالإسقاطِ نَصًّا بالإبراءِ، وهوَ الجَوابُ عمَّا إذا قتَلَها زَوجُها أو أجنَبيٌّ؛ لأنَّه لا حَقَّ للأجنَبيِّ ولا للزَّوجِ في مَهرِها، فلا يَحتمِلُ السُّقوطَ بإسقاطِهما، ولهذا لا يَحتمِلُ السُّقوطَ بإسقاطِهِما نَصًّا، فكيفَ يَحتمِلُ السُّقوطَ مِنْ طَريقِ الدَّلالةِ؟ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَتقرَّرُ الصَّداقُ المُسمَّى على الزَّوجِ بالموتِ لأحدِ الزَّوجَينِ أو لهُما مَعًا قبْلَ الدُّخولِ ولو غيرَ بالغٍ وهي غَيرُ مُطيقةٍ، حتَّى ولو قَتلَتْ نَفسَها كُرهًا في زَوجِها، وسَواءٌ كانَ المَوتُ مُتيقَّنًا أو بحُكمِ الشَّرعِ كالمَفقودِ في بلادِ المُسلمينِ، فإنهُ بعْدَ مُضيِ مُدَّةِ التَّعميرِ يَحكمُ الحاكِمُ بمَوتِهِ.
ولو قَتلَتِ المَرأةُ زوْجَها فتُعامَلُ بنَقيضِ مَقصودِها، ولا يَتكمَّلُ لها صَداقُها على الصَّحيحِ في المَذهَبِ كما استَظهرَهُ العَدَويُّ والدُّسُوقيُّ؛ لاتِّهامِها لِئلَّا يكونَ ذَريعةً لقَتلِ النِّساءِ أزواجَهنَّ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: هَلاكُ المَنكوحةِ بعْدَ الدُّخولِ لا يُسقِطُ شيئًا مِنَ المَهرِ، سَواءٌ هَلكَتْ بمَوتٍ أو قَتلٍ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٩٤).
(٢) «التاج والإكليل» (٢/ ٥٧٩)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٢٦٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ١٤١، ١٤٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ١٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العتق
باب موت سيد المكاتب
باب موت سيد المكاتب
مسألة
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ مُكَاتَبَهُ بِرِضَاهَا فَمَاتَ وَابْنَتُهُ غَيْرُ وَارِثَةٍ إِمَّا لِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا أَوْ لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً فَسَدَ النِّكَاحُ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ مِنْ زَوْجِهَا بَعْضَهُ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ بِمُكَاتَبِهِ إِذَا أَذِنَتْ فِيهِ، لِأَنَّ رِضَا الْوَلِيِّ وَالْمَنْكُوحَةِ بِسُقُوطِ الْكَفَاءَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَبِنْتُهُ غَيْرُ وَارِثَةٍ لِاخْتِلَافِ دِينٍ أَوْ قَتْلٍ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْ مِنْهُ فِي الْحَالَيْنِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ وَارِثَةً بَطَلَ نِكَاحُهُ، لِأَنَّهَا مَلَكَتْ بَعْضَ زَوْجِهَا، وَمِلْكُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مُبْطِلٌ لِنِكَاحِهَا، لِتَنَافِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَعَقْدِ النِّكَاحِ.
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.