الإسلام > النكاح والأسرة > تفسير مهر المثل > ج- فساد النكاح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةفلا خِلافَ عِنْدَ الجَميعِ أنهُ يَجبُ مَهرُ المِثلِ إذا دخَلَ بها، وإنَّما اختَلفُوا إذا طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ كما تَقدَّمَ.
ج- فَسادُ النِّكاحِ:
ذهَبَ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ إلى أنَّ النَّكاحَ إذا كانَ فاسِدًا كنِكاحِ المُتعةِ أو الشِّغارِ أو لعَدمِ وُجودِ وَليٍّ أو شُهودٍ أو لأيِّ سَببٍ آخَرَ وفُسِخَ قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها مُطلَقًا.
وذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنهُ إذا دخَلَ بها في النِّكاحِ الفاسِدِ وجَبَ لها المَهرُ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجبُ المَهرُ للمَنكوحةِ نِكاحًا صَحيحًا والمَوطوءةِ في نِكاحٍ فاسِدٍ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه (١).
إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا هل يَجبُ مَهرُ المِثلِ؟ أم يَجبُ المُسمَّى إنْ كانَ؟ وهل مَهرُ المِثلِ يَكونُ بالِغًا ما بلَغَ؟ أم بشَرطِ أنْ لا يَزيدَ عنِ المُسمَّى؟
قالَ الحَنفيَّةُ: التَّسميةُ لا تَصحُّ في النِّكاحِ الفاسِدِ، حتَّى لا يَلزمُ المُسمَّى؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بنِكاحٍ، إلَّا أنهُ إذا وُجدَ الدُّخولُ يَجبُ مَهرُ المِثلِ، لكنْ بالوَطءِ لا بالعَقدِ (٢).
(١) «المغني» (٧/ ٢٠٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٨٧).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا النِّكاحُ الفاسِدُ فلا حُكمَ لهُ قبْلَ الدُّخولِ، وأمَّا بعْدَ الدُّخولِ فيَتعلَّقُ بهِ أحكامٌ:
مِنها ثُبوتُ النَّسبِ، ومِنها وُجوبُ العِدَّةِ، وهوَ حُكمُ الدُّخولِ في الحَقيقةِ.
ومِنها وُجوبُ المَهرِ، والأصلُ فيهِ أنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ ليسَ بنِكاحٍ حَقيقةً؛ لانعِدامِ مَحلِّهِ -أعني محَلَّ حُكمِه- وهوَ المِلكُ؛ لأنَّ المِلكَ يَثبتُ في المَنافعِ، ومَنافعُ البُضعِ مُلحَقةٌ بالأجزاءِ، والحُرُّ بجَميعِ أجزائِهِ ليسَ مَحَلًّا للمِلكِ؛ لأنَّ الحُرِّيةَ خُلوصٌ، والمِلكُ يُنافي الخُلوصَ، ولأنَّ المِلكَ في الآدَميِّ لا يَثبتُ إلَّا بالرِّقِّ، والحُرِّيةُ تُنافي الرِّقَّ، إلَّا أنَّ الشَّرعَ أسقَطَ اعتِبارَ المُنافي في النِّكاحِ الصَّحيحِ؛ لحاجَةِ النَّاسِ إلى ذلكَ، وفي النِّكاحِ الفاسِدِ بعْدَ الدُّخولِ؛ لحاجَةِ النَّاكِحِ إلى دَرءِ الحَدِّ وصِيانةِ مائِهِ عنِ الضَّياعِ بثَباتِ النَّسبِ ووُجوب العدَّةِ، وصيانةُ البُضعِ المُحتَرَمِ عنِ الاستِعمالِ مِنْ غَيرِ غَرامةٍ ولا عُقوبةٍ تُوجِبُ المَهرَ، فجُعلَ مُنعقِدًا في حَقِّ المَنافعِ المُستَوفاةِ لهذهِ الضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ قبْلَ استِيفاءِ المَنافعِ وهو ما قبْلَ الدُّخولِ، فلا يُجعَلُ مُنعقِدًا قبْلَه.
ثمَّ الدَّليلُ على وُجوبِ مَهرِ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ ما رُويَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ أَنكَحَتْ نفْسَها بغَيرِ إذنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ دخَلَ بها فلَها مَهرُ مِثلِها» (١)، جعَلَ ﷺ لها مَهرَ المِثلِ فيما لهُ حُكمُ النِّكاحِ الفاسِدِ وعَلَّقَه بالدُّخولِ، فدَلَّ أنَّ وُجوبَه مُتعلِّقٌ بهِ، ثمَّ اختُلفَ في تَقديرِ هذا المَهرِ وهوَ المُسمَّى بالعُقْرِ:
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ بلَفظٍ قَريبٍ.
قالَ أصحابُنا الثَّلاثةُ: يَجبُ الأقلُّ مِنْ مَهرِ مِثلِها ومِن المُسمَّى.
وقالَ زُفرُ: يَجبُ مَهرُ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ، وكذا هذا الخِلافُ في الإجارةِ الفاسِدَةِ.
وَجهُ قَولِ زُفرَ: أنَّ المَنافِعَ تَتقوَّمُ بالعَقدِ الصَّحيحِ والفاسِدِ جَميعًا كالأَعيانِ، فيَلزمُ إظهارُ أثَرِ التَّقوُّمِ، وذلكَ بإيجابِ مَهرِ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ؛ لأنَّه قِيمةُ مَنافعِ البُضعِ، وإنَّما العُدولُ إلى المُسمَّى عِنْدَ صحَّةِ التَّسميةِ، ولَم تَصحَّ، لهذا المَعنَى أَوجَبْنا كَمالَ القيمةِ في العَقدِ الفاسِدِ، كذا ههُنا.
ولنا: أنَّ العاقدَينِ ما قَوَّمَا المَنافعَ بأكثَرَ مِنْ المُسمَّى، فلا تَتقوَّمُ بأكثَرَ مِنْ المُسمَّى، فحَصلَتِ الزِّيادةُ مُستَوفاةً مِنْ غيرِ عَقدٍ، فلَم تكنْ لها قِيمةٌ، إلَّا أنَّ مَهرَ المِثلِ إذا كانَ أقَلَّ مِنَ المُسمَّى لا يَبلُغُ بهِ المُسمَّى؛ لأنها رَضيَتْ بذلكَ القَدْرِ لرِضاها بمَهرِ مِثلِها (١).
وقالَ المالِكيةُ: النِّكاحُ الفاسِدُ -ولا يكونُ فَسادُه إلَّا لعَقدِه، أو لعَقدِه وصَداقِه مَعًا- سواءٌ كانَ مُتَّفَقًا على فَسادِه أو مُختلَفًا فيهِ: إمَّا أنْ يُفسَخَ قبْلَ البِناءِ أو يُفسخَ بعْدَه، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يكونَ هُناكَ مُسمَّى أو لا يكونُ.
فإنْ فُسخَ بعْدَ البِناءِ وكانَ هُناكَ مُسمًّى صَحيحٌ فالمُسمَّى واجِبٌ للمَرأةِ إنْ كانَ حَلالًا.
وإنْ لم يَكنْ فيهِ مُسمًّى كصَريحِ الشِّغارِ أو كانَ المُسمَّى حَرامًا كخَمرٍ فيَجبُ عليهِ صَداقُ المِثلِ باعتِبار يَومِ الوَطءِ؛ لأنهُ يَومُ الاستِيفاءِ، لا يَوم العَقدِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٣٥).
وإنْ فُسخَ قبْلَ البناءِ سقَطَ كلٌّ مِنَ المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ ولو مُختلَفًا فيهِ، فكُلُّ نِكاحٍ فُسخَ قبْلَ الدُّخولِ فلا شيءَ فيهِ، كانَ مُتَّفَقًا على فَسادِه أو مُختلَفًا فيهِ، كانَ الفَسادُ لعَقدِه أو لصَداقِه أو لهُمَا، فليسَ الفَسخُ قبْلَ الدُّخولِ مِثلَ الطَّلاقِ قبْلَ البناءِ في النِّكاحِ الصَّحيحِ.
وكذا بالمَوتِ قبْلَ الدُّخولِ إنْ فسَدَ لصَداقِه مُطلَقًا، سواءٌ كانَ مُتَّفَقًا على الفَسادِ بهِ كالخَمرِ، أو مُختلَفًا فيهِ كالآبِقِ، أو فسَدَ لعَقدِهِ واتُّفقَ عليهِ كنِكاحِ المُتعةِ ونِكاحِ المَرأةِ على عمَّتِها أو خالَتِها، أو اختُلفَ فيهِ وأثَّرَ خَلَلًا في الصَّداقِ كالمُحلِّلِ أو على حُرِّيةِ ولَدِ الأمَةِ أو على أنْ لا ميراثَ بيْنَهما.
فإنْ كانَ مُختلَفًا فيهِ ولَم يُؤثِّرْ فيهِ كنِكاحِ المُحرِمِ ففيهِ الصَّداقُ (١).
وقالَ الشَّافِعيةُ: الوَطءُ في النِّكاحِ الفاسِد يُوجِبُ مَهرَ المِثلِ باعتِبارِ يَومِ الوَطءِ كالوَطءِ بالشُّبهةِ، ولا يُعتبَرُ يَومَ العَقدِ؛ إذْ لا حُرمةَ للعَقدِ الفاسِدِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا افتَرَقا في النِّكاحِ الفاسِدِ المُختلَفِ فيهِ قبْلَ الدُّخولِ والخَلوةِ بطَلاقٍ أو مَوتٍ أو غَيرِهما كاختِلافِ دِينٍ ورَضاعٍ فلا مَهرَ ولا مُتعةَ، سواءٌ طلَّقَها أو ماتَ عنها؛ لأنَّ العَقدَ الفاسِدَ وُجودُه كعَدمِه.
وإنِ افتَرَقا بعْدَ الدُّخولِ في النِّكاحِ الفاسِدِ أو الخَلوةِ أو ما يُقرِّرُ الصَّداقَ
(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٨١)، و «الذخيرة» (٤/ ٣٧٠)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١٩٧، ١٩٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٥)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٥٨٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٥/ ١٤٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٢١٠).
يَجبُ المُسمَّى لها في العَقدِ؛ قِياسًا على الصَّحيحِ، وفي بَعضِ ألفاظِ حَديثِ عائِشةَ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّما امرَأةٍ نُكحَتْ بغَيرِ إذنِ وليِّها فنِكاحُها باطِلٌ مَرَّتَينِ، ولها ما أَعطاها بما أَصابَ» (١).
ويَجبُ مَهرُ المِثلِ لمَن وُطِئَتْ في نِكاحٍ باطِلٍ مُجمَعٍ على بُطلانِه كنِكاحِ خامِسةٍ أو مُعتدَّةٍ، ولو كانَ الوَطءُ مِنْ مَجنونٍ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يَجبُ لها بالخَلوةِ شيءٌ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ لها المَهرَ بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها، يَعني أصابَها أو لَم يُصِبْها، والمَنصوصُ عَنْ أحمَدَ أنَّ المَّهرَ يَستقرُّ بالخَلوةِ قِياسًا على العَقدِ الصَّحيحِ، وبِناءً على أنَّ الواجِبَ المُسمَّى بالعَقدِ، وقَد ذَكَرْنا ذلكَ.
فَصلٌ: ولا حَدَّ في الوَطءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، سَواءٌ اعتَقدَا حِلَّهُ أو حُرمتَه، وعَن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنهُ يَجبُ بالوَطءِ في النِّكاحِ بلا وَليٍّ إذا اعتَقدَا حُرمَتَه، وهوَ اختيارُ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ أصحابِ الشَّافعيِّ؛ لِمَا رَوى الدَّارَقُطنيُّ بإسنادِهِ عَنْ أبي هُرَيرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا تُزوِّجُ المَرأةُ المَرأةَ، ولا تُزوِّجُ المَرأةُ نفْسَها، إنَّ الزَّانيَةَ هيَ الَّتي تُزوِّجُ نفْسَها»، وبإسنادِهِ
(١) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٠٧٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٩)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٠٤)، و «كشاف القناع» (٥/ ١٧٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٢٧٩)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٢٣)، و «الروض المربع» (٢/ ٣٣٣، ٣٣٤).
عَنِ الشَّعبيِّ قالَ: ما كانَ أحَدٌ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أشَدَّ في النِّكاحِ بغَيرِ وَلِيٍّ مِنْ عَليٍّ رضي الله عنه، كانَ يَضرِبُ فيهِ.
ورَوى الشَّالَنْجيُّ بإسنادِهِ عَنْ عِكرِمةَ بنِ خالِدٍ أنَّ الطَّريقَ جَمَعَتْ رَكْبًا فيهِ امرأةٌ ثَيِّبٌ، فخطَبَها رَجلٌ، فأنكَحَها رَجلٌ وهوَ غَيرُ وَليٍّ بصَداقٍ وشُهودٍ، فلمَّا قَدِمُوا على عُمرَ رضي الله عنه رُفِعَ إليهِ أمرُهُما، ففرَّقَ بيْنَهما وجلَدَ النَّاكحَ والمُنكِحَ.
ولَنا: أنَّ هذا مُختلَفٌ في إباحَتِه، فَلم يَجبْ بهِ الحَدُّ كالنِّكاحِ بغَيرِ شُهودٍ، ولأنَّ الحَدَّ يُدرَأُ بالشُّبُهاتِ، والاختِلافُ فيهِ أَقوى الشُّبهاتِ، وتَسميتُها زانيَةً يَجوزُ بدَليلِ أنهُ سَمَّاها بذلكَ بمُجرَّدِ العَقدِ، وعُمَرُ جلَدَهما أَدَبًا وتَعزيرًا، ولذلكَ جلَدَ المُنكِحَ ولَم يَجلِدِ المَرأةَ، وجَلَدَهما بمُجرَّدِ العَقدِ معَ اعتِقادِهما حِلَّه، وكذلكَ حَديثُ عليٍّ، علَى أنَّ حَديثَ عليٍّ حُجَّةٌ على مَنْ أوجَبَ الحَدَّ فيهِ؛ فإنَّ عَليًّا أشَدُّ الناسِ فيهِ، وقدِ انتَهى الأمرُ إلى الجَلدِ، فدَلَّ على أنَّ سائِرَ النَّاسِ والصَّحابةِ لَم يَرَوْا فيهِ جَلدًا.
فإنْ قيلَ: فَقد أوجَبْتُم الحَدَّ على شارِبِ النَّبيذِ معَ الاختِلافِ فيهِ.
قُلنا: هوَ مُفارِقٌ لمَسألَتِنا، بدَليلِ أنَّا نَحُدُّ مَنْ اعتَقدَ حِلَّه، ولأنَّ يَسيرَ النَّبيذِ يَدعو إلى كَثرةِ المُتَّفَقِ على تَحريمِه، وهذا المُختَلفُ فيهِ يُغنِي عنِ الزِّنَى المُجمَعِ على تَحريمِه، فافتَرَقا.
فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ مَنْ اعتَقدَ حِلَّهُ ليسَ عليهِ إثمٌ ولا أدَبٌ؛ لأنهُ مِنْ
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب النكاح]
[فصل أحكام الصداق]
فَصْلٌ) الصَّدَاق تَعْرِيفه الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ: كَعَبْدٍ تَخْتَارُهُ هِيَ؛ لَا هُوَ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ أَحْكَام الصَّدَاق
فَصْلٌ)
(فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّدَاقِ) وَأَخَّرَهُ لِيَتَفَرَّغَ لِطُولِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (الصَّدَاقُ) أَيْ الْمَالُ الْمُلْتَزَمُ لِلْمَخْطُوبَةِ لِمِلْكِ عِصْمَتِهَا بِفَتْحِ الصَّادِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَيُقَالُ لَهُ صَدُقَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ} النساء: ٤ مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجَيْنِ فِي مُوَافَقَةِ الشَّرْعِ، وَيُسَمَّى مَهْرًا وَطَوْلًا بِفَتْحِ الطَّاءِ وَأُجْرَةً وَنَفَقَةً وَنِحْلَةً بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ رُكْنٍ فِي صَحِيحِ النِّكَاحِ وَإِسْقَاطُهُ مُنَافٍ لَهُ فَإِمْكَانُ لُزُومِهِ شَرْطٌ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ بِلُزُومِهِ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ فَلَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الْأَصْلِيَّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ رُكْنٌ يُرَدُّ بِعَدَمِهِ فِي نِكَاحِ تَفْوِيضٍ وَقَعَ فِيهِ طَلَاقٌ أَوْ مَوْتٌ قَبْلَ الْبِنَاء لِأَنَّ رُكْنَ الْعَامِّ رُكْنٌ لِلْخَاصِّ، وَفِيهَا لَوْ اسْتَثْنَى مَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ مَهْرَهَا صَحَّ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَبَطَلَ فِي التَّفْوِيضِ قَبْلَ فَرْضِهِ إذْ لَيْسَ بِمَالٍ لَهَا فَيَشْرِطُهُ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب النكاح
فصل بيان ما يتأكد به المهر
إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى فَلَمْ يَكُنْ الرَّدُّ مُفِيدًا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ فَكَانَ سَفَهًا فَلَا يَثْبُتُ لَهَا حَقُّ الرَّدِّ، وَكَذَلِكَ الْخُلْعُ وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ لِمَا قُلْنَا: بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا لِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَهَلْ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ فِي الْمَهْرِ؟ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَيْبُ يَسِيرًا لَا يَثْبُتُ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا يَثْبُتُ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي بَدَلِ الْخُلْعِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَلَى مَالٍ أَنَّهُ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ الْيَسِيرِ وَالْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، وَهَهُنَا لَا يَنْفَسِخُ وَإِذَا لَمْ يَنْفَسِخْ فَيَقْبِضُ مِثْلَهُ فَرُبَّمَا يَجِدُ فِيهِ عَيْبًا يَسِيرًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ عَيْبٍ عَادَةً فَيَرُدُّهُ ثُمَّ يَقْبِضُ مِثْلَهُ فَيُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى فَلَا يُفِيدُ الرَّدُّ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالرَّدِّ فَكَانَ الرَّدُّ مُفِيدًا؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِدْرَاكًا لِلْفَائِتِ وَهُوَ صِفَةُ السَّلَامَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ، وَالْعَيْبُ إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُعْرَفُ الْفَوَاتُ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ لَا يَخْلُو عَنْهُ فَمِنْ مُقَوِّمٍ يُقَوِّمُهُ بِدُونِ الْعَيْبِ بِأَلْفٍ، وَمِنْ…
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب النكاح
الباب الثاني في موجبات صحة النكاح
الْبَابُ الثَّانِي فِي مُوجِبَاتِ صِحَّةِ النِّكَاحِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي كيْفِيَّة عقد النكاح الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ كَيْفِيَّةُ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ النكاح
ِ وَهَذَا الْبَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:
الرُّكْنُ الْأَوَّلِ: فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ هَذَا الْعَقْدِ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ هَذَا الْعَقْدِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فِي الْكَيْفِيَّةِ: وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ فِي مَوَاضِعَ: فِي كَيْفِيَّةِ الْإِذْنِ الْمُنْعَقِدِ بِهِ، وَمَنِ الْمُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي لُزُومِ هَذَا الْعَقْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ عَقْدُهُ عَلَى الْخِيَارِ؟ أَمْ لَا يَجُوزُ؟ وَهَلْ إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَزِمَ ذَلِكَ الْعَقْدُ؟ أَمْ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ الْفَوْرُ؟
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: الْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالثَّيِّبِ مِنَ النِّسَاءِ بِالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْأَبْكَارِ الْمُسْتَأْذَنَاتِ وَاقِعٌ بِالسُّكُوتِ، أَعْنِي الرِّضَا. وَأَمَّا الرَّدُّ فَبِاللَّفْظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِذْنَ الْبِكْرِ إِذَا كَانَ الْمُنْكِحُ غَيْرَ أَبٍ وَلَا جَدٍّ بِالنُّطْقِ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ إِذْنَهَا بِالصَّمْتِ لِلثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» .
ارجع إلى تفسير مهر المثل للاطلاع على جميع المسائل.