الحالة الأولى: إذا بذلت زوجة الغائب نفسها لزوجها قبل غيبته

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > الحالة الأولى: إذا بذلت زوجة الغائب نفسها لزوجها قبل غيبته

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الحالة الأولى: إذا بذلت زوجة الغائب نفسها لزوجها قبل غيبته - الأقوال والأدلة

الحالةُ الأُولى: إذا بذَلَتْ زَوجةُ الغائبِ نفسَها لزَوجِها قبلَ غَيبتِه:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الزوجةَ إذا بذَلَتْ نفسَها لزَوجِها وسلَّمَتْ نفسَها إليه تَسليمًا تامًّا وهو حاضِرٌ وامتَنعَ مِنْ تَسلُّمِها ثمَّ غابَ فإنه يَجبُ عليه نَفقتُها، ولا يَسقطُ ذلكَ بغَيبتِه (١).

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لو كانَ الزَّوجُ غائبًا فطلَبَتِ المرأةُ مِنْ القاضِي أنْ يَفرضَ لها عليهِ نَفقةً لم يَفرضْ وإنْ كانَ القاضِي عالِمًا بالزَّوجيةِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ الآخِرِ، وهو قَولُ شُريحٍ، وقد كانَ أبو حَنيفةَ أولًا يَقولُ -وهو قَولُ إبراهيمَ النخَعيِّ-: أنَّ هذا ليسَ بشَرطٍ، ويَفرضُ القاضِي النَّفقةَ على الغائِبِ.

وحُجةُ هذا القولِ ما روينَا عن رَسولِ اللهِ أنه قالَ لهِندَ امرأةِ أبي سُفيانَ: «خُذِي مِنْ مالِ أبي سُفيانَ ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمَعروفِ»، وذلكَ مِنْ النبيِّ كانَ فَرضًا للنَّفقةِ على أبي سُفيانَ وكانَ غائبًا.

وحُجةُ القَولِ الأخيرِ أنَّ الفرضَ مِنْ القاضي على الغائِبِ قَضاءٌ عليهِ، وقد صَحَّ مِنْ أصلِنا أنَّ القَضاءَ على الغائِبِ لا يَجوزُ إلا أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ ولم يُوجَدْ.

(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٦٢)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤٤٤)، و «اللباب» (٢/ ١٦٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٦٠٤).

وأما الحَديثُ فلا حُجةَ له فيه؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ إنما قالَ لهِندَ على سَبيلِ الفتوَى لا على طَريقِ القَضاءِ؛ بدَليلِ أنه لم يُقدِّرْ لها ما تَأخذُه مِنْ مالِ أبي سُفيانَ، وفَرضُ النَّفقةِ مِنْ القاضي تَقديرُها، فإذا لم تُقدَّرْ لم تَكنْ فَرضًا، فلَم تَكنْ قَضاءً، تَحقيقُه أنَّ مَنْ يُجوِّزُ القَضاءَ على الغائِبِ فإنما يُجوِّزُه إذا كانَ غائبًا غَيبةَ سَفرٍ، فأما إذا كانَ في المِصرِ فإنه لا يَجوزُ بالإجماعِ؛ لأنه لا يُعَدُّ غائبًا، وأبو سُفيانَ لم يَكنْ مُسافرًا، فدَلَّ أنَّ ذلكَ كانَ إعانةً لا قَضاءً.

فإنْ لم يَكنِ القاضي عالِمًا بالزَّوجيةِ فسَألَتِ القاضِي أنْ يَسمعَ بيِّنتَها بالزَّوجيةِ ويَفرضَ على الغائبِ قالَ أبو يُوسفَ: لا يَسمعُها ولا يَفرضُ، وقالَ زُفرُ: يَسمعُ ويَفرضُ لها وتَستدينُ عليهِ، فإذا حضَرَ الزوجُ وأنكَرَ يَأمرُها بإعادةِ البيِّنةِ في وَجهِه، فإنْ فعَلَتْ نفَذَ الفَرضُ وصحَّتِ الاستدانةُ، وإنْ لم يَفعلْ لم يَنفذْ ولم يَصحَّ …

هذا إذا كانَ الزَّوجُ غائبًا ولم يَكنْ له مالٌ حاضرٌ، فأما إذا كانَ له مالٌ حاضِرٌ فإنْ كانَ المالُ في يَدِها وهو مِنْ جِنسِ النَّفقةِ فلها أنْ تُنفِقَ على نفسِها منه بغَيرِ أمرِ القاضي؛ لحَديثِ أبي سُفيانَ، فلو طلَبَتِ المَرأةُ مِنْ القاضي فرْضَ النَّفقةِ في ذلكَ المالِ وعَلِمَ القاضي بالزوجيَّةِ وبالمالِ فرَضَ لها النَّفقةَ؛ لأنَّ لها أنْ تَأخذَه فتُنفقَ على نفسِها مِنْ غيرِ فَرضِ القاضي، فلَم يَكنِ الفَرضُ مِنْ القاضي في هذهِ الصورةِ قَضاءً، بل كانَ إعانةً لها على استيفاءِ

حقِّها، وإنْ كانَ في يدِ مُودَعِه أو مُضاربِه أو كانَ له دَينٌ على غيرِه فإنْ كانَ صاحِبُ اليدِ مُقِرًّا بالوَديعةِ والزوجيةِ أو كانَ مَنْ عليه الدَّينُ مقِرًّا بالدَّينِ والزوجيةِ أو كانَ القاضِي عالِمًا بذلكَ فرَضَ لها في ذلك المالِ نَفقتَها في قولِ أصحابِنا الثَّلاثةِ، وقالَ زُفرُ: لا يَفرضُ.

وَجهُ قَولِه أنَّ هذا قَضاءٌ على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ؛ إذ المُودَعُ ليسَ بخَصمٍ عن الزَّوجِ، وكذا المَديونُ، فلا يَجوزُ.

ولنا: أنَّ صاحِبَ اليدِ وهو المُودَعُ إذا أقَرَّ بالوَديعةِ والزوجيةِ أو أقَرَّ المَديونُ بالدَّينِ والزَّوجيةِ فقدْ أقَرَّ أنَّ لها حَقَّ الأخذِ والاستيفاءِ؛ لأنَّ للزَّوجةِ أنْ تَمدَّ يدَها إلى مالِ زَوجِها فتَأخذَ كِفايتَها منه؛ لحَديثِ امرأةِ أبي سُفيانَ، فلَم يَكنِ القاضي فرَضَ لها النَّفقةَ في ذلكَ المالِ قضاءً، بل كانَ إعانةً لها على أخذِ حقِّها، وله على إحياءُ زَوجتِه، فكانَ له ذلكَ، وإنْ جحَدَ أحدَ الأمرَينِ ولا عِلمَ للقاضي به لم يَسمعِ البيِّنةَ ولم يَفرضْ؛ لأنَّ سَماعَ البيِّنةِ والفرضَ يكونُ قَضاءً على الغائبِ مِنْ غيرِ خَصمٍ حاضرٍ؛ لأنه إنْ أنكَرَ الزَّوجيةَ لا يُمكنُها إقامةُ البيِّنةِ على الزَّوجيةِ؛ لأنَّ المودَعَ ليسَ بخَصمٍ عنه في الزَّوجيةِ، وإنْ أنكَرَ الوَديعةَ أو الدَّينَ لا يُمكنُها إقامةُ البيِّنةِ على الوَديعةِ والدَّينِ؛ لأنها ليسَتْ بخَصمٍ عن زَوجِها في إثباتِ حُقوقِه، فكانَ سَماعُ البيِّنةِ على ذلكَ قَضاءً على الغائبِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ عنه خَصمٌ حاضِرٌ، وذلكَ غيرُ جائزٍ عندَنا.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في العدة وما يتعلق بها]
[فصل في مسائل زوجة المفقود وما يناسبها]

(فَصْلٌ) وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ: الرَّفْعُ: لِلْقَاضِي، وَالْوَالِي، وَوَالِي الْمَاءِ، وَإِلَّا فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ

ــ

منح الجليل

الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (الْحَمَّامَ) ابْنُ نَاجِي اُخْتُلِفَ فِي دُخُولِهَا الْحَمَّامِ فَقِيلَ لَا تَدْخُلُهُ أَصْلًا ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ ضَرُورَةٍ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَدْخُلُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ (وَلَا تُطْلِي جَسَدَهَا) بِنَوْرَةٍ (وَلَا تَكْتَحِلُ) وَلَوْ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (إلَّا) اكْتِحَالُهَا (لِضَرُورَةٍ) فَيَجُوزُ اكْتِحَالُهَا بِغَيْرِ طِيبٍ بَلْ (وَإِنْ بِطِيبٍ) وَجَوَّزَ الطِّخِّيخِيُّ رُجُوعَ الِاسْتِثْنَاءِ لِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَطَلْيِ الْجَسَدِ أَيْضًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي السَّابِقِ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ هُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّهُ نَصٌّ وَمُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ فَيُؤَيِّدُ تَقْرِيرَ الطِّخِّيخِيِّ أَيْضًا وَتَكْتَحِلُ لِلضَّرُورَةِ لَيْلًا (وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا) إنْ كَانَ بِطِيبٍ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الْأَبِيُّ.

فَصَلِّ فِي مَسَائِل زَوْجَة الْمَفْقُود وَمَا يُنَاسِبهَا

(فَصْلٌ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 361 - 363

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده