المسألة الثانية: إذا لم تقدر على أخذ ماله ولا الحاكم

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > المسألة الثانية: إذا لم تقدر على أخذ ماله ولا الحاكم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: إذا لم تقدر على أخذ ماله ولا الحاكم - الأقوال والأدلة

المسألةُ الثَّانيةُ: إذا لم تَقدرْ على أخذِ مالِه ولا الحاكِمُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عجَزَتِ الزوجةُ عن أخذِ شَيءٍ مِنْ مالِه، أو الحاكِمُ إذا عجَزَ عن أخذِ شَيءٍ مِنْ مالِه بأنْ غيَّبَ مالَه وصبَرَ على الحَبسِ ولم يَقدِرِ الحاكمُ له على مالٍ يَأخذُه، أو لم يَقدرْ على أخذِ النَّفقةِ مِنْ مالِ الغائبِ، هل يَثبتُ لها الفَسخُ أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والقاضِي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا غيَّبَ مالَه وصبَرَ على الحَبسِ ولم يَقدِرِ الحاكِمُ له على مالٍ يَأخذُه أو لم يَقدرْ على أخذِ النَّفقةِ مِنْ مالِ الغائِبِ فإنها لا تَملكُ الفَسخَ؛ لأنَّ الفَسخَ في المُعسرِ لعَيبِ الإعسارِ، ولم يُوجَدْ هاهُنا، ولأنَّ المُوسرَ في مَظنةِ إمكانِ الأخذِ مِنْ مالِه، وإذا امتَنعَ في يَومٍ فربَّما لا يَمتنعُ مِنْ الغَدِ، بخِلافِ المُعسرِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزوجَ إذا غيَّبَ مالَه وصبَرَ على الحَبسِ ولم يَقدرِ الحاكِمُ له على مالٍ

(١) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٦١، ٦٢)، و «الاختيار» (٤/ ٦)، و «اللباب» (٢/ ١٨٦)، و «الحاوي الكبير» (١١/ ٤٥٧)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٦٧، ٢٦٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٧٥)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «الديباج» (٣/ ٦٣٥)، و «المغني» (٨/ ١٦٤).

يَأخذُه أو لم يَقدرْ على أخذِ النَّفقةِ مِنْ مالِ الغائبِ فلَها الخِيارُ في الفَسخِ؛ لِما رَواهُ نافعٍ عن ابن عُمرَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه كتَبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رِجالٍ غابوا عن نِسائِهم يَأمرُهم أنْ يَأخذُوهُم أنْ يُنفِقوا أو يُطلِّقوا، فإنْ طلَّقُوا بَعَثوا بنَفقةِ ما حَبَسوا» (١)، وهذا إجبارٌ على الطَّلاقِ عندَ الامتِناعِ مِنْ الإنفاقِ.

ولأنَّ الإنفاقَ عَليها مِنْ مالِه يَتعذرُ، فكانَ لها الخِيارُ كحالِ الإعسارِ، بل هذا أَولى بالفَسخِ؛ فإنه إذا جازَ الفَسخُ على المَعذورِ فعَلى غيرِه أَولى، ولأنَّ في الصبْرِ ضَررًا أمكَنَ إزالتُه بالفَسخِ، فوجَبَتْ إزالتُه، ولأنه نَوعُ تَعذُّرٍ يُجوِّزُ الفَسخَ، فلَم يَفترقِ الحالُ بينَ المُوسرِ والمُعسرِ، كما إذا أدَّى ثمَنَ المَبيعِ فإنه لا فرْقَ في جَوازِ الفَسخِ بينَ أنْ يكونَ المُشتري مُعسرًا وبينَ أنْ يَهربَ قبلَ أداءِ الثَّمنِ، وعَيبُ الإعسارِ إنما جوَّزَ الفسخَ لتعذُّرِ الإنفاقِ؛ بدَليلِ أنه لو اقتَرضَ ما يُنْفِقُ عليها أو تبَرَّعَ له إنسانٌ بدَفعِ ما يَنفقُه لم تَملكِ الفَسخَ.

وقولُهم: إنه يُحتملُ أنْ يُنفقَ فيما بعدَ هذا.

قُلنا: وكَذلكَ المُعسرُ يُحتملُ أنْ يُغنيَه اللهُ، وأنْ يَقترضَ أو يُعطَى ما يُنفقُه، فاستَويَا (٢).

(١) صَحيحٌ: رواه الشافعي في «مسنده» (١/ ٢٦٧)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٢٣٤٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٤٨٤).
(٢) «المهذب» (٢/ ١٦٣)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٦٧، ٢٦٨)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٧٥)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٢٤٥، ٢٤٦)، و «الديباج» (٣/ ٦٣٥)، و «المغني» (٨/ ١٦٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٦٩، ٦٧١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٦٢، ٥٦٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب النفقات)
(باب الرجل لا يجد نفقة من كتابين)

(باب الرجل لا يجد نفقة من كتابين)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " لَمَّا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَعُولَهَا احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا وَيَمْنَعَهَا حَقَّهَا وَلَا يُخَلِّيَهَا تَتَزَوَّجُ مَنْ يُغْنِيهَا وَأَنْ تخير بين مقامها معه وفراقه وكتب عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا وهذا يشبه ما وصفت. وسئل ابن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما قيل له فسنة؟ قال سنة والذي يشبه قول ابن المسيب سنة أن يكون سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِنَفَقَةِ الْمُوسِرِ وَهِيَ مُدَّانِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ وَهِيَ مُدٌّ فَلَا يُوجِبُ لِلزَّوْجَةِ خِيَارًا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي الْأَقْدَارِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إِعْسَارُهُ بِنَفَقَةِ الْمُعْسِرِ وَهِيَ مُدٌّ حَتَّى عَجَزَ عَنْهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ تَسْتَحِقُّ بِهِ الزَّوْجَةُ خِيَارَ الْفَسْخِ أَمْ لَا. فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ بَيْنَ مُقَامِهَا مَعَهُ عَلَى إِعْسَارِهِ لِتَكُونَ النَّفَقَةُ دَيْنًا لَهَا عَلَيْهِ تَرْجِعُ بِهَا إِذَا أَيْسَرَ وَبَيْنَ فَسْخِ نِكَاحِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَمِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 404 - 405

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله