نفقة الحواشي (كالإخوة والأعمام والأخوال)

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > نفقة الحواشي (كالإخوة والأعمام والأخوال)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

نفقة الحواشي (كالإخوة والأعمام والأخوال) - الأقوال والأدلة

سَواءٌ كانوا ذُكورًا أو إناثًا، كمَن له أولادٌ ثَلاثةٌ أحَدُهم يَملكُ ثَلاثمائةٍ مَثلًا والآخَرُ مائتَينِ والآخَرُ مِائةً فعَلى صاحِبِ الثَّلاثِمائةٍ نِصفُ النَّفقةِ وصاحِبِ المائتَينِ ثُلثُها وصاحِبِ المِائةِ سُدسُها (١).

نَفقةُ الحَواشِي (كالإخوةِ والأعمامِ والأخوالِ):

الحَواشِي: هُمْ الأقارِبُ الذين لَيسُوا مِنْ عَمودِ النَّسبِ كالإخوةِ والأخَواتِ وأبناءِ الإخوةِ والأعمامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخَالاتِ.

اختَلفَ الفُقهاءُ في نَفقةِ الحَواشِي، هل تَجبُ على الإنسانِ أم لا تَجبُ؟

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ المُنذِرِ إلى أنه لا نَفقةَ إلا على المَولودِينَ والوالِدينَ؛ لأنَّ النبيَّ قالَ لرَجلٍ سَألَه عندِي دِينارٌ قالَ: «أنفِقْه على نَفسِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على زَوجتِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على وَلدِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنفِقْه على خادِمِكَ، قالَ: إنَّ عِندي آخَرَ، قالَ: أنتَ أبصَرُ» (٢)، ولَم يَأمرْه بإنفاقِه على غَيرِ هَؤلاءِ، ولأنَّ الشَّرعَ إنما ورَدَ بنَفقةِ الوالِدينِ والمَولودينَ، ومَن سِواهُم لا يلحَقُ بهِم في الوِلادةِ وأحكامِها، فلا يَصحُّ قِياسُه عليهِم (٣).

(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٢٥٤)، و «مواهب الجليل» (٥/ ٤٦٥)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٠٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٠٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٣٢).
(٢) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٣٣٣٧).
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٦٩، ٧٠)، و «النجم الوهاج» (٨/ ٢٨٠)، و «مغني المحتاج» (٥/ ١٨٢).

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى وُجوبِ نَفقةِ الحَواشِي على تَفصيلٍ عندَهُم.

قالَ الحَنفيةُ: يَجبُ على المُوسرِ نَفقةُ كلِّ ذِي رَحمٍ مَحرَمٍ منه، وهو مَنْ لا يَحلُّ مُناكَحتُه على التأبيدِ مثلَ الإخوةِ والأخَواتِ وأولادِهِما والأعمَامِ والعمَّاتِ والأخوالِ والخالاتِ، فلا نَفقةَ لذِي رَحمٍ مَحرَمٍ مثلَ أولادِهِم، ولا نَفقةَ لمَحرمٍ غيرِ ذِي رَحمٍ كزَوجاتِ الآباءِ والبَنينَ والأصهارِ وآباءِ الأمَّهاتِ والإخوةِ والأخَواتِ مِنْ الرَّضاعةِ وأولادِهِم، ولا بُدَّ أنْ يَكونَ المَحرميةُ بجَهةِ القَرابةِ؛ لأنه لو كانَ قَريبًا محرمًا لا مِنْ جِهتِها كابنِ عَمٍّ إذا كانَ أخًا مِنْ الرَّضاعِ فإنه لا نَفقةَ له.

لقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقِراءتُه مَشهورةٌ مَحمولةٌ على السَّماعِ مِنْ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فيُقيَّدُ به مُطلَقُ النَصِّ إنْ كانَ ذو الرَّحمِ فَقيرًا صَغيرًا مُطلَقًا، أو أُنثى بالِغةً، فَقيرةً أو فَقيرًا، ذكَرًا بالِغًا مَجنونًا أو زَمِنًا أو أعمَى أو لا يُحسِنُ الكَسبَ، أو لكَونِه مِنْ ذَوِي البُيوتاتِ، كِنايةً عن كَونِه شَريفًا عَظيمًا، أي لكَونِه مِنْ أعيانِ النَّاسِ يَلحقُه العارُ بالكَسبِ، أو لكَونِه طالِبَ عِلمٍ لا يَقدرُ على الكَسبِ لاشتِغالِه بالعِلمِ، وهذا إذا كانَ به رُشدٌ.

ويُجبَرُ المُوسرُ على النَّفقةِ لإيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليهِ، وتُقدَّرُ النَّفقةُ بقَدرِ الإرثِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعَلَ العلَّةَ هي الإرثَ، فيُقدَّرُ الوُجوبُ بقَدرِ العلَّةِ، حتى لو كانَ للصَّغيرِ مَثلًا أخَواتٌ مُتفرِّقاتٌ مُوسِراتٌ فنَفقتُه عليهِنَّ أخماسًا كما يَرثْنَ منه أخماسًا، ثَلاثةُ

أخماسِها على الأختِ لأبٍ وأمٍّ، وخُمسُها على الأختِ لأبٍ، وخُمسُها على الأختِ لأمٍّ، فَرضًا ورَدًّا.

ويُعتبَرُ في نَفقةِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ أهليةُ الإرثِ، بأنْ يَكونَ وارثًا في الجُملةِ وإنْ كانَ مَحجوبًا بغَيرِه، لا حَقيقتُه؛ بأنْ يَكونَ مُحرِزًا للمِيراثِ؛ لأنه لا يُعلَمُ إلا بعدَ المَوتِ.

فنَفقةُ فَقيرٍ له خالٌ وابنُ عَمٍّ مُوسرانِ على خالِه؛ لأنه مَحرمٌ، ويُحرِزُ مِيراثَه ابنُ عمِّه؛ لأنه عصَبَتُه؛ وهذا لأنَّ سبَبَ الإرثِ ثابتٌ للخالِ؛ فإنَّ ابنَ العَمِّ لو ماتَ قبلَ الخالِ يُحرِزُ مِيراثَه الخالُ، وإذا استَويَا في المَحرميةِ وأهليَّةِ الإرثِ يُرجَّحُ مَنْ كانَ وارِثًا في الحالِ، فلو كانَ له عَمٌّ وخالٌ أو عَمٌّ وعَمةٌ فالنَّفقةُ على العَمِّ؛ لاستِوائِهما في المَحرميةِ، ويُرجَّحُ العَمُّ بكَونِه وارثًا في الحالِ (١).

وقالَ الحَنابلةُ: تَجبُ نَفقةُ كلِّ مَنْ يَرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ ممَّن سِوى عَمودَي النَّسبِ، سَواءٌ وَرثَه الآخرُ كأخيه، أو لا كعمَّتِه وبنتِ أخيهِ ونَحوهِ كبِنتِ عمَّهِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أوجَبَ النَّفقةَ على الأبِ ثمَّ عطَفَ الوارثَ عليهِ، وذلكَ يَقتضي الاشتِراكَ في الوُجوبِ، ولأنها مُواساةٌ ومَعونةٌ تَختصُّ القَرابةَ، فاختَصتْ بالعَصباتِ كالعَقلِ، وعن كُليبِ بنِ مَنفَعةَ عن جَدِّه أنه أتَى النبيَّ فقالَ: «يا

(١) «الحجة» (٣/ ١٥٢، ١٥٣٦)، و «المبسوط» (٥/ ٢٢٣)، و «أحكام القرآن» (٢/ ١٠٩)، و «بدائع الصنائع» (٤/ ٣٣، ٣٤)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ١٩٧، ١٩٩)، و «مختصر الوقاية» (١/ ٤٤٨، ٤٤٩).

رَسولَ اللهِ مَنْ أبَرُّ؟ قالَ: أمَّكَ وأباكَ وأختَكَ وأخَاكَ ومَولاكَ الذي يَلي ذاكَ حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوصولةٌ» (١).

فتَجبُ النَّفقةُ على الوارِثِ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ، فعَلى هذا يَجبُ عليه نَفقةُ عمَّتِه؛ لأنه يَرثُها بالتَّعصيبِ، ولا يَجبُ عَليها أنْ تُنفقَ عليهِ؛ لأنها لا تَرثُ ابنَ أخيها بفَرضٍ ولا تَعصيبٍ.

وقيلَ: لا تَجبُ النَّفقةُ على العمَّةِ، وقيلَ: أنَّ هذا هو المَذهبُ.

فأما ذَوُو الأرحامِ -وهُم مَنْ ليسَ بذِي فَرضٍ ولا عَصبةٍ- مِنْ غيرِ عَمودَي النَّسبِ كالخالِ والخالةِ فلا نَفقةَ لهُم ولا عَليهِم؛ لعَدمِ النصِّ فيهِم؛ ولأنَّ قَرابتَهم ضَعيفةٌ وإنما يَأخذونَ مالَه، فهُم كسائرِ المُسلمينَ في أنَّ المالَ يُصرَفُ إليهِم إذا لم يَكنْ للمَيتِ وارثٌ؛ بدَليلِ تَقديمِ الردِّ عليهم، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ الوُجوبَ؛ لأنه مِنْ صِلةِ الرَّحمِ وهو عامٌّ.

ويَتلخصُ لوُجوبِ الإنفاقِ عليهِم ثَلاثةُ شُروطٍ:

أحَدُها: أنْ يَكونَ المُنفَقُ عليهِم فُقراءَ لا مالَ لهُم ولا كسْبَ يَستغنونَ به عن إنفاقِ غَيرِهم، والكِسوةُ والسَّكنُ كالنَّفقةِ، وشَرطُه الحُريةُ، فمتَى كانَ أحَدُهما رَقيقًا فلا نَفقةَ.

فإنْ كانَ المُنفَقُ عليهِم مُوسرينَ بمالٍ أو كَسبٍ يَكفيهِم فلا نَفقةَ لهُم؛ لفَقدِ شَرطِه، فإنْ لم يَكفِهم ذلكَ وجَبَ إكمالُها.

والثَّاني: أنْ تَكونَ لمَن تَجبُ عليهِ النَّفقةُ ما يُنفَقُ عليهِم منه فاضِلًا عن

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٥١٤٠).

نَفقةِ نَفسِه وزَوجتِه وقِنِّه، إمَّا مِنْ مالِه وإما مِنْ كَسبِه، فمَن لا يَفضلُ عنه شَيءٌ لا يَجبُ عليه شَيءٌ؛ لأنها وجَبَتْ مُواساةً وليسَ مِنْ أهلِها إذنْ.

الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُنفِقُ وارثًا للمُنفَقِ عليهِ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ إنْ كانَ مِنْ غيرِ عَمودِيِّ النَّسبِ (١).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واختَلفُوا هل يُجبَرُ الوارِثُ على نَفقةِ مَنْ يَرثُه بفَرضٍ أو تَعصيبٍ على نَفقةِ المُوسرينَ؟

فقالَ أبو حَنيفةَ: يُجبَرُ على نَفقةِ كلِّ ذِي رَحمٍ مَحرمٍ، فيَدخلُ فيه الخالةُ والعمَّةُ، ويَخرجُ منه ابنُ العمِّ أو مَنْ يُنسَبُ إليه بالرَّضاعِ.

وقالَ مالِكٌ: لا تَجبُ النَّفقةُ إلا للوالِدينَ الأدنيَينِ ولأولادِ الصُّلبِ.

وقالَ الشافِعيُّ: تَجبُ النَّفقةُ على الأبِ وإنْ عَلا، والابنِ وإنْ سفَلَ، ولا يَتعدَّى عَمودَي النَّسبِ.

وقالَ أحمَدُ: كلُّ شَخصٍ جَرَى بينَهُما مِيراثٌ بفَرضٍ أو تَعصيبٍ مِنْ الطَّرفينِ لَزمَه نَفقةُ الآخَرِ كالأبوَينِ والأولادِ والأخوَةِ والأخَواتِ والعُمومةِ بينَهُم رِوايةً واحِدةً، وإنْ كانَ الإرثُ جارِيًا بينَهُم مِنْ أحَدِ الطَّرفينِ وهُم ذَوُوا الأرحامُ كابنِ الأخِ مع عمَّتِه وابنِ العمِّ مع بنتِ عمِّه فرُويَ عنه أنها يَجبُ، ورُويَ عنه أنها لا تَجبُ (٢).

(١) «المغني» (٨/ ١٧٤)، و «المبدع» (٤/ ٢١٥)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٩٥، ٣٩٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٦٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٧٢، ٦٧٣).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢١٠، ٢١١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه بعدَ قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢]: وفي الآيَةِ دَلالةٌ على وُجوبِ الصِّلةِ والنَّفقةِ وغيرِها لذَوي الأرحامِ الذينَ لا يَرثونَ بفَرضٍ ولا تَعصيبٍ، فإنَّه قد ثبَتَ في الصَّحيحِ عن عائِشةَ في قصَّةِ الإفكِ أنَّ أبا بَكرٍ الصدِّيقَ حلَفَ أنْ لا يُنفِقَ على مِسطَحِ بنِ أثاثَةَ وكانَ أحَدَ الخائضِينَ في الإفكِ في شَأنِ عائِشةَ، وكانَتْ أمُّ مِسطحٍ بنتَ خالةِ أبي بَكرٍ، وقد جعَلَه اللهُ مِنْ ذَوِي القُربى الذينَ نهَى عن تَركِ إيتائِهم، والنَّهيُ يَقتضِى التحريمَ، فإذا لم يَجُزِ الحَلفُ على تركِ الفعلِ كانَ الفعلُ واجِبًا؛ لأنَّ الحَلفَ على تَركِ الجائزِ جائزٌ (١).

ونصَرَ القَولَ بوُجوبِ النَّفقةِ على ذَوِي الأرحامِ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه، حيثُ قالَ: فالنَّفقةُ تُستحَقُّ بشَيئينِ: بالمِيراثِ بكِتابِ اللهِ، وبالرَّحمِ بسُنةِ رَسولِ اللهِ ، وقد تقدَّمَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه حبَسَ عَصَبةَ صَبيٍّ أنْ يُنفِقوا عليهِ وكانوا بَنِي عمِّه، وتقدَّمَ قَولُ زَيدِ بنِ ثابتٍ: إذا كانَ عَمٌّ وأمٌّ فعَلى العمِّ بقَدرِ ميراثِه وعلى الأمِّ بقَدرِ ميراثِها، فإنه لا مُخالِفَ لهُما في الصَّحابةِ ألبتَّةَ، وهو قَولُ جُمهورِ السَّلفِ، وعليهِ يَدلُّ قولُه تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقولُه تعالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]، وقد أوجَبَ النبيُّ العَطيةَ للأقارِبِ وصرَّحَ بأنسابِهم فقالَ: «وأختَكَ وأخاكَ ثمَّ أدناكَ فأدناكَ، حقٌّ واجِبٌ ورَحمٌ مَوصولةٌ».

(١) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٣٥٠).

فإنْ قيلَ: فالمُرادُ بذلكَ البِرُّ والصِّلةُ دونَ الوُجوبِ؟

قيلَ: يَردُّ هذا أنه سُبحانَه أمَرَ به وسمَّاهُ حقًّا وأضافَه إليه بقَولِه: «حَقَّه»، وأخبَرَ النبيُّ بأنه حَقٌّ وأنه واجِبٌ، وبعضُ هذا يُنادِي على الوُجوبِ جِهارًا.

فإنْ قيلَ: المُرادُ بحَقِّه تَركُ قَطيعتِه.

فالجَوابُ مِنْ وَجهينِ:

أحَدُهما: أنْ يُقالَ: فأيُّ قَطيعةٍ أعظَمُ مِنْ أنْ يَراهَ يَتلظَّى جُوعًا وعَطشًا ويَتأذَّى غايةَ الأذَى بالحَرِّ والبَردِّ، ولا يُطعمُه لُقمةً ولا يَسقيهِ جَرعةً، ولا يَكسوهُ ما يَستُرُ عَورتَه ويَقيهِ الحَرَّ والبَردَ ويُسكنُه تحتَ سَقفٍ يُظِلِّه، هذا وهو أخوه ابنُ أمِّه وأبيهِ، أو عمُّه صِنوُ أبيهِ، أو خالَتُه التي هي أمُّه، إنَّما يَجبُ عَليهِ مِنْ ذلكَ ما يَجبُ بَذلُه للأجنَبيِّ البَعيدِ، بأنْ يُعاوِضَه على ذلكَ في الذِّمةِ إلى أنْ يُوسِرَ ثم يَسترجعَ به عليه، وهذا معَ كَونِه في غايةِ اليَسارِ والجِدَةِ وسَعةِ الأموالِ، فإنْ لم تَكنْ هذه قَطيعةً فإنا لا نَدرِي ما هي القَطيعةُ المُحرَّمةُ والصِّلةُ التي أمَرَ اللهُ بها وحرَّمَ الجَنةَ على قاطِعِها.

الوَجهُ الثَّاني: أنْ يقالَ: فما هذهِ الصِّلةُ الواجِبةُ التي نادَتْ عليها النُّصوصُ وبالغَتْ في إيجابِها وذمَّتْ قاطِعَها، فأيُّ قَدرٍ زائِدٍ فيها على حَقِّ الأجنَبيِّ حتى تَعقلَه القُلوبُ وتُخبِرَ به الألسِنةُ وتَعملَ به الجَوارحُ؟! أهوَ السَّلامُ عليهِ إذا لَقيَه وعِيادتُه إذا مَرِضَ وتَشميتُه إذا عطَسَ وإجابتُه إذا دَعاهُ؟! وإنَّكم لا تُوجِبونَ شَيئًا مِنْ ذلكَ إلا ما يَجبُ نَظيرُه للأجنَبيِّ على

الأجنَبيِّ، وإنْ كانَتْ هذهِ الصِّلةُ ترْكَ ضَربِه وسَبِّه وأذاهُ والإزراءِ به ونَحوِ ذلكَ، فهذا حَقٌّ يَجبُ لكلِّ مُسلمٍ على كلِّ مُسلمٍ، بل للذِّميِّ البَعيدِ على المُسلمِ، فما خُصوصيةُ صِلةِ الرَّحمِ الواجِبةُ؟ ولهذا كانَ بعضُ فُضَلاءِ المُتأخِّرينَ يَقولُ: «أعيَانِي أنْ أَعرفَ صِلةَ الرَّحمِ الواجِبةَ»، ولمَّا أورَدَ الناسُ هذا على أصحابِ مالكِ وقالُوا لهُم: «ما معنَى صِلةِ الرَّحمِ عندَكُم؟» صنَّفَ بَعضُهم في صِلةِ الرَّحمِ كِتابًا كَبيرًا، وأوعَبَ فيه مِنْ الآثارِ المَرفوعةِ والمَوقوفةِ، وذكَرَ جِنسَ الصِّلةِ وأنواعَها وأقسامَها، ومعَ هذا فلَم يَتخلصْ مِنْ هذا الإلزامِ؛ فإنَّ الصِّلةَ مَعروفةٌ يَعرِفُها الخاصُّ والعامُّ، والآثارُ فيها أشهَرُ مِنْ العِلمِ، ولكنْ ما الصِّلةُ التي تَختصُّ بها الرَّحمُ وتَجبُ له الرَّحمةُ ولا يُشارِكُه فيها الأجنَبيُّ؟ فلا يُمكِنُكم أنْ تُعيِّنوا وُجوبَ شَيءٍ إلا وكانَتِ النَّفقةُ أوجَبَ منه، ولا يُمكنُكم أنْ تَذكُروا مُسقِطًا لوُجوبِ النَّفقةِ إلا وكانَ ما عَدَاها أَولى بالسُّقوطِ منه، والنبيُّ قد قرَنَ حَقَّ الأخِ والأختِ بالأبِ والأمِ فقالَ: «أمَّكَ وأباكَ وأختَكَ وأخاكَ ثمَّ أدناكَ فأدناكَ»، فما الذي نسَخَ هذا؟ وما الذي جعَلَ أوَّلَه للوُجوبِ وآخِرَه للاستِحبابِ؟ وإذا عُرفَ هذا فليسَ مِنْ بِرِّ الوالدَينِ أنْ يدَعَ الرَّجلُ أباهُ يَكنِسُ الكُنُفَ ويُكارِي على الحُمُرِ ويُوقِدَ في أتُّونِ الحمَّامِ ويَحملَ للناسِ على رأسِه ما يَتقوَّتُ بأجرَتِه وهو في غايَةِ الغِنى واليَسارِ وسَعةِ ذاتِ اليَدِ، وليسَ مِنْ بِرِّ أمِّه أنْ يدَعَها تَخدمُ الناسَ وتَغسلُ ثِيابَهم وتَسقي لهُم الماءَ ونحوَ ذلكَ ولا يَصونُها بما يُنفقُه عليها ويُقولُ: «الأبَوانِ مُكتسِبانِ صَحيحانِ وليسَا بزَمِنَينِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب العتق
باب من يعتق بالملك وفيه ذكر عتق السائبة ولا ولاء إلا لمعتق

باب من يعتق بالملك وفيه ذكر عتق السائبة ولا ولاء إلا لمعتق

مسألة

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَنْ مَلَكَ أَحَدًا مِنْ آَبَائِهِ أَوْ أُمَّهَاتِهِ أَوْ أَجْدَادِهِ أَوْ جداته أو ولده بَنِيْهِ أَوْ بَنَاتِهِ عَتَقَ بَعْدَ مِلْكِهِ بَعُدَ مِنْهُ الْوَلَدُ أَوْ قَرُبَ الْمَوْلُودُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ سِوَى مَنْ سَمَّيْتُ بِحَالٍ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ وَقَالَ دَاوُدٌ: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْمِلْكِ، وَيُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ إِلَّا الْوَالِدُ يُؤْخَذُ بِعِتْقِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يُجْزِئُ وَلَد وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهِ فَيُعْتِقَهُ " فَخُصَّ الْوَالِدُ مِنْ بَيْنِهِمْ بِوُجُوبِ ابْتِيَاعِهِ، وَاسْتِئْنَافِ عِتْقِهِ بَعْدَ مِلْكِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ أَحَدٌ.

وِدَلِيلُنَا عَلَيْهِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} الأنبياء: ٢٦ .

فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانُوا عِبَادًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونُوا أَوْلَادًا، فَانْتَفَى بِذَلِكَ اسْتِقْرَارُ مِلْكٍ عَلَى وَلَدٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 456 - 463

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله