نفقة الزوجة المريضة

الإسلام > النكاح والأسرة > حكم النفقة > نفقة الزوجة المريضة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

نفقة الزوجة المريضة - الأقوال والأدلة

وجعَلَ اللقَّانِيُّ الأمورَ الثلاثةَ المَذكورةَ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ للمَرأةِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها ودَعَتْ للدُّخولِ، لكنَّه لم يَعضدْه بنَقلٍ، والظاهِرُ ما في «التَّوضِيح» (١).

نَفقةُ الزَّوجةِ المريضةِ:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ النَّفقةَ تَجبُ للزوجةِ المَريضةِ، سَواءٌ كانَ ذلكَ قبلَ النُّقلةِ أو بعدَها عندَ الحَنفيةِ، وسَواءٌ أمكَنَه جِماعُها أم لا.

قالَ الحَنفيةُ: لو مَرضَتِ الزوجةُ في مَنزلِ الزوجِ فلَها النَّفقةُ؛ لأنها مُسلِّمةٌ لنفسِها، والمَنعُ مِنْ قِبلِ اللهِ تعالَى، فلا يُؤثِّرُ في سُقوطِ نَفقتِها.

ولأنَّ الاحتِباسَ قائمٌ؛ فإنه يَستأنسُ بها ويَمسُّها وتَحفظُ البَيتَ، والمانعُ إنما هو لعارِضٍ كالحَيضِ.

وعن أبي يُوسفَ: إذا سلَّمَتْ نفسَها ثم مَرضَتْ فلها النَّفقةُ؛ لتَحقُّقِ التَّسليمِ.

وإنْ مَرضَتْ ثم سلَّمَتْ نفسَها لا تَجبُ النَّفقةُ؛ لأنَّ التَّسليمَ لم يَصحَّ.

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولو كانَتِ المَرأةُ مَريضةً قبلَ النُّقلةِ مَرضًا يَمنعُ مِنْ الجِماعِ فنُقلَتْ وهي مَريضةٌ فلها النَّفقةُ بعدَ النقلَةِ، وقَبلَها أيضًا إذا

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٤٧٨)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨٣، ١٨٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٠٢، ٤٠٣).

طلَبَتِ النَّفقةَ فلَم يَنقلْها الزوجُ وهي لا تَمتنعُ مِنْ النُّقلةِ لو طالَبَها الزوجُ وإنْ كانَتْ تَمتنعُ فلا نَفقةَ لها كالصَّحيحةِ، كذا ذكرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ.

ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنه لا نَفقةَ لها قبلَ النُّقلةِ، فإذا نُقلَتْ وهي مَريضةٌ فله أنْ يَردَّها.

وجهُ رِوايةِ أبي يُوسفَ أنه لم يُوجَدِ التسليمُ؛ إذ هو تَخليةٌ وتَمكينٌ، ولا يَتحققُ ذلكَ مع المانعِ وهو تَبوُّءُ المَحلِّ، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ كالصَّغيرةِ التي لا تَحتملُ الوَطءَ، وإذا سلَّمَتْ نفْسَها وهي مَريضةٌ له أنْ يَردَّها؛ لأنَّ التسليمَ الذي أوجَبَه العَقدُ -وهو التَّسليمُ المُمكِّنُ مِنْ الوَطءِ- لمَّا لم يُوجَدْ كانَ له أنْ لا يَقبلَ التَّسليمَ الذي لم يُوجِبْه العقدُ، وهكذا قالَ أبو يُوسفَ في الصَّغيرةِ التي لم يُجامَعْ مثلُها أنَّ له أنْ يَردَّها؛ لِما قُلنا.

وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ التسليمَ في حَقِّ التَّمكينِ مِنْ الوَطءِ إنْ لم يُوجَدْ فقدْ وُجدَ في حقِّ التمكينِ مِنْ الاستمتاعِ، وهذا يَكفي لوُجوبِ النَّفقةِ كما في الحائضِ والنُّفساءِ والصائِمةِ صومَ رَمضانَ، وإذا امتَنعَتْ فلَم يُوجَدْ منها التسليمُ رَأسًا، فلا تَستحقُّ النَّفقةَ.

وقالَ أبو يُوسفَ: إذا كانَتِ المَريضةُ تُؤنِسُه ويَنتفعُ بها في غيرِ الجِماعِ فإنْ شاءَ رَدَّها وإنْ شاءَ أمسَكَها، فإنْ أمسَكَها فلها النَّفقةُ، وإنْ رَدَّها فلا نَفقةَ لها؛ لِما ذكَرْنا في الصَّغيرةِ.

وإنْ نُقلَتْ وهي صَحيحةٌ ثم مَرضَتْ في بَيتِ الزَّوجِ مَرضًا لا تَستطيعُ معَه الجِماعَ لم تَبطلْ نَفقتُها بلا خِلافٍ؛ لأنَّ التسليمَ المُطلَقَ -وهو التسليمُ المُمكِّنُ مِنْ الوَطءِ والاستمتاعِ- قد حصَلَ بالانتقالِ؛ لأنها كانَتْ صَحيحةً، كذا الانتِقالُ، ثم قَصُرَ التَّسليمُ لعارِضٍ يَحتملُ الزوالَ، فأشبَهَ الحيضَ، أو نقولُ: التَّسليمُ المُستحَقُّ بالعَقدِ في حقِّ المَريضةِ التي لا تَحتملُ الجِماعَ قبلَ الانتقالِ وبعدَه هو التسليمُ في حقِّ الاستِمتاعِ لا في حَقِّ الوطءِ، كما في حَقِّ الحائضِ.

وكذا إذا نقَلَها ثمَّ ذهَبَ عَقلُها فصارَتْ مَعتوهةً مَغلوبةً أو كَبرتْ فطَعنَتْ في السنِّ حتى لا يَستطيعُ زَوجُها جِماعَها أو أصابَها بَلاءٌ فلها النَّفقةُ؛ لِما قُلنا (١).

وقالَ المالِكية: تَجبُ النَّفقةُ على الزَّوجةِ المَريضةِ بعدَ الدخولِ.

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: والحاصِلُ أنه في «التَّوضِيح» جعَلَ السلامةَ مِنْ المَرضِ وبُلوغَ الزوجِ وإطاقَةَ الزوجةِ للوَطءِ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ لغيرِ المَدخولِ بها التي دَعَتْ للدُّخولِ، فإنِ اختَلَّ منها شَرطٌ فلا تَجبُ النَّفقةُ لها.

وأما المَدخولُ بها فتَجبُ لها النَّفقةُ مِنْ غيرِ شَرطٍ.

وجعَلَ اللقَّانِيُّ الأمورَ الثلاثةَ المَذكورةَ شُروطًا في وُجوبِ النَّفقةِ للمَرأةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٥٤، ٥٨)، و «البحر الرائق» (٤/ ١٩٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٥٧٨).

مُطلَقًا، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها ودَعَتْ للدُّخولِ، لكنَّه لم يَعضدْه بنَقلٍ، والظاهِرُ ما في «التَّوضِيح» (١).

وقالَ الشافِعيةُ: تَجبُ النَّفقةُ للمَريضةِ والرَّتقاءِ والمُضناةِ التي لا تَحتملُ الجِماعَ، سَواءٌ حدَثَتْ هذهِ الأحوالُ بعدَ التسليمِ أم قارنَتْه؛ لأنها أعذارٌ دائِمةٌ، وقد سلَّمَتْ التَّسليمِ المُمكنِ وتمكَّنَ مِنْ الاستِمتاعِ بها مِنْ بَعضِ الوُجوهِ، وكذا حُكمُ أيامِ الحَيضِ والنفاسِ (٢).

وقالَ الحَنابلةُ: إنْ سلَّمَتْ نفسَها وهي ممَّن يَتعذَّرُ وَطؤهُا لرَتقٍ أو حَيضٍ أو نِفاسٍ، أو لكَونِها نَضوةَ الخَلقِ -أي هَزيلةً- لا يُمكِنُه وطؤُها لذلكَ أو لمَرضِها لَزمَتْه نَفقتُها أيضًا، وإنْ حدَثَ بها شَيءٌ مِنْ ذلكَ لم تَسقطْ نَفقتُها؛ لأنَّ الاستمتاعَ مُمكنٌ ولا تَفريطَ مِنْ جِهتِها وإنْ منَعَ مِنْ الوَطءِ.

لكنْ لو امتَنعَتْ مِنْ التَّسليمِ وهي صَحيحةٌ ثم حدَثَ لها مَرضٌ فبذَلَتْه - أي التَّسلِيم- فلا نَفقةَ لها ما دامَتْ مَريضةً؛ عُقوبةً عليها بمَنعِها نفسَها في حالةِ التمكُّنِ مِنْ الاستِمتاعِ بها فيها وبَذلِها في ضِدِّها (٣).

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٤٧٨)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٢٢٩)، و «شرح مختصر خليل» (٤/ ١٨٣، ١٨٤)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٤٠٢، ٤٠٣).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ٦٤).
(٣) «المغني» (٧/ ٢٠٠)، و «المبدع» (٨/ ٢٠٠)، و «الإنصاف» (٩/ ٣٧٦)، و «كشاف القناع» (٥/ ٥٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٦٦٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب النفقات
١٣٩٠ - مسألة؛ قال: (وليس على العبد نفقة ولده، حرة كانت الزوجة أو أمة)

المُعْسِرِينَ، والباقى تجبُ فيه نفقةُ المُعْسِرِينَ؛ لأنَّ النَّفقةَ ممَّا يتَبَعَّضُ، وما يتَبعَّضُ بَعَّضْناه في حَقِّ المُعْتَق بعضُه كالميراثِ والدِّياتِ، ومالا يتَبَعَّضُ، فهو فيه كالعَبْدِ، ولأنَّ الحُرِّيَّةَ إمَّا شَرْطٌ فيه، أو سَبَبٌ له، ولم يَكْمُلْ. وهذا اخْتِيَارُ المُزَنِيِّ. وقال الشافعيُّ: حُكْمُه حكمُ القِنِّ في الجَمِيعِ، إلْحاقًا لأحَدِ الحُكْمَيْنِ بالآخَرِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ بنِصْفِه الحُرِّ مِلْكًا تامًّا، ولهذا يُورَثُ عنه، ويُكَفِّرُ بالإِطْعامِ، ويجبُ فيه نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ، فوَجَبَ أن تتَبَعَّضَ نفَقَتُه؛ لأنَّها من جُمْلةِ الأحْكامِ القابلةِ للتَّبْعِيضِ، فأمَّا نفَقةُ أقَارِبِه، فيَلْزَمُه منها بقَدْرِ مِيراثِه؛ لأنَّ النَّفقةَ تَنْبَنِى على المِيراثِ. وعندَ المُزَنِيِّ, تَلْزَمُه كلُّها؛ لأنَّها لا تتَبَعَّضُ. وعند الشافعيِّ، لا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ حُكْمَه حكمُ العَبِيدِ. وقد سَبَقَ الكلامُ في هذا.

١٣٩٠ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ وَلَدِه، حُرَّةً كَانَتِ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً)

أما إذا كانتْ زوجةُ العَبْدِ حُرّةً، فولَدُها أحرارٌ؛ لأنَّ الولَدَ يَتْبَعُ الأُمَّ في الرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، ليس على العَبْدِ نفقةُ أقارِبِه الأحْرَارِ ؛ لأنَّ نفَقَتَهُم تجبُ على سَبِيلِ المُوَاساةِ، وليس هو من أهْلِها. وأمَّا إذا كانتْ زَوْجَتُه مَمْلوكةً، فولَدُها عَبِيدٌ لسيِّدِها؛ لأنَّهم يَتْبَعُونها، فتكونُ نفقَتُهم على سَيِّدِهم.

فصل: وحُكْمُ المُكاتَبِ، في نَفقةِ الزَّوْجاتِ والأولادِ والأقارِبِ، حكمُ العَبْدِ القِنِّ؛ لأنَّه عبدٌ ما بَقِىَ عليه دِرْهَمٌ، إلَّا أنَّه إذا كانتْ له زَوجةٌ أنْفَقَ عليها من كَسْبِه؛ لأنَّ نفَقَةَ الزَّوجةِ واجبةٌ بحُكْمِ المُعاوَضةِ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، ولذلك وجَبَتْ على العَبْدِ،

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب النفقات)
(باب قدر النفقة)

(باب قدر النفقة)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " عَلَيْهِ النَّفَقَةُ نَفَقَتَانِ نَفَقَةُ الْمُوسِعِ وَنَفَقَةُ الْمُقْتِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عليه رزقه}

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: نَفَقَاتُ الزَّوْجَاتِ مُقَدَّرَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا حَالُ الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا تَقَدَّرَتْ بِمُدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا تَقَدَّرَتْ بِمُدٍّ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا تَقَدَّرَتْ بِمُدٍّ وَنِصْفٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 351 - 354

ارجع إلى حكم النفقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده