هل يلحق المختلعة طلاق أو ظهار أو إيلاء؟

الإسلام > النكاح والأسرة > خيار الشرط في الخلع > هل يلحق المختلعة طلاق أو ظهار أو إيلاء؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 32 دقيقة قراءة

هل يلحق المختلعة طلاق أو ظهار أو إيلاء؟ - الأقوال والأدلة

الَّذي أجابَتْ عليهِ، فخرَجَ عنْ أنْ يكونَ خُلعًا، وإذا خرَجَ عنْ أنْ يكونَ خُلعًا ثَبتتِ الرَّجعةُ.

ودليلُنا على الشَّافعيِّ في قَولِه: «إنَّ الرَّجعةَ ثابتةٌ والعوضَ غَيرُ مُستحَقٍّ» هو أنَّ العِوضَ إذا حصَلَ في مُقابَلتِه مُعوَّضٌ تَصحُّ المُعاوَضةُ عليهِ صَحَّ ولم يَمتنعْ، وقَد رضيَتِ المَرأةُ أنْ يكونَ العِوضُ في مُقابلتِه نُقصانُ عَددِ الطَّلاقِ، فخرَجَ عن أنْ يكونَ خُلعًا (١).

وذهَبَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ الزَّوجَ لو شرَطَ الرَّجعةَ في الخُلعِ فإنَّ الشَّرطَ صحيحٌ.

قالَ رحمة الله عليه: ولو شرَطَ الرَّجعةَ في الخُلعِ فقِياسُ المَذهبِ صحَّةُ هذا الشَّرطِ، كما لو بذَلَتْ له مالًا على أنْ تَملكَ أمْرَها، فإنَّ الإمامَ أحمدَ نصَّ على جَوازِ ذلكَ؛ لأنَّ الأصلَ جَوازُ الشَّرطِ في العُقودِ (٢).

هل يَلحقُ المختلِعةَ طلاقٌ أو ظِهارٌ أو إيلاءٌ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في المُختلِعةِ؛ هل يَلحقُها طلاقٌ أو ظِهارٌ أو إيلاءٌ أو لِعانٌ؟ أم لا يَلحقُها شيءٌ مِنْ ذلكَ؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرَّجلَ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٨١، ٣٨٢)، رقم (١٢١١).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٦٦).

إذا خالَعَ امرَأتَه لم يَلحقْها طلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا إيلاءٌ ولا لِعانٌ، سواءٌ قُلنا الخُلعُ طلاقٌ أو فَسخٌ، وسواءٌ طلَّقَها في العدَّةِ أو في غيرِها، وسواءٌ طلَّقَها بالصَّريحِ أو بالكِنايةِ معَ النِّيةِ.

لِمَا رَوى عَطاءٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ أنهُما قالَا في المُختلِعةِ يُطلِّقُها زَوجُها قالا: «لا يَلزمُها طلاقٌ؛ لأنه طلَّقَ ما لا يَملِكُ» (١).

ولأنها فُرقةٌ لم يَملكْ رَجعتَها، فلم يَلحقْها طلاقٌ كالأجنبيَّةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَلحقُها طلاقُه إذا أوقَعَه بعِوضٍ لم يَلحقْها بغيرِ عِوضٍ كالمطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ أو بعْدَ انقضاءِ العدَّةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يطلِّقُ باللَّفظِ الَّذي يَعمُّ به النِّساءَ فكذلكَ لا يَلحقُها الطَّلاقُ مع التَّعيُّنِ، أصلُه الأمَةُ، ولأنها أجنبيَّةٌ منه؛ بدَليلِ انتِفاءِ خصائِصِ النِّكاحِ عنها كالإيلاءِ والظِّهارِ والنَّفقةِ بالزَّوجيةِ، ولأنَّ كلَّ مَنْ طلَّقَها بقَولِه: «أنتِ خَليةٌ، أو بَرِيَّةٌ، وحرامٌ» لم يَلحقْها بأيِّ لَفظٍ كانَ، فهي كالأجنبيَّةِ (٢).

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: فخالَفَنا بَعضُ النَّاسِ في المُختلِعةِ فقالَ:

(١) رواه الشافعي في «الأم» (٥/ ١١٥).
(٢) «التمهيد» (٢٣/ ٣٧٧)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٨٣)، رقم (١٢١٢)، و «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٠٦)، و «البيان» (١٠/ ٣٦)، و «مسائل الإمام أحمد» (١/ ٤٤٠)، و «المغني» (٧/ ٢٥١)، و «كشاف القناع» (٥/ ٢٤٧)، و «مطالب أولي النهى» (٥/ ٢٩٨).

«إذا طَلُقتْ في العدَّةِ لَحقَها الطَّلاقُ»، فسألْتُه: هَلْ يَروي في قولِه خبَرًا؟ فذكَرَ حَديثًا لا تَقومُ بمِثلِه حجَّةٌ عندَنا ولا عِندَه، فقُلتُ: هذا عندَنا وعِندكَ غيرُ ثابتٍ، قالَ: فقَد قالَ بَعضُ التَّابعينَ عِندكَ لا يَقومُ بهِ حجَّةٌ لو لم يخالِفْهم غَيرُهم قالَ: فما حجَّتُك في أنَّ الطَّلاقَ لا يَلزمُها؟ قلتُ: حجَّتِي فيهِ مِنْ القُرآنِ والأثَرِ والإجماعِ على ما يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لا يَلزمُها.

قالَ: وأينَ الحجَّةُ مِنْ القُرآنِ؟ قُلتُ: قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلى آخِرِ الآيتَينِ، وقالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الآيَة، وقالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآيَة، وقالَ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وقالَ ﷿: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، أفَرأيْتَ لو قذَفَها أيُلاعِنُها؟ أو آلَى منها أيَلزمُه الإيلاءُ؟ أو تَظاهَرَ منها أيَلزمُه الظِّهارُ؟ أو ماتَتْ أيَرثُها؟ أو ماتَ أَترثُه؟ قالَ: لا، قُلتُ: أَلَا إنَّ أحكامَ اللهِ تبارك وتعالى هذهِ الخَمسةِ تَدلُّ على أنها ليسَتْ بزَوجةٍ، قالَ: نَعمْ، قُلتُ: وحُكمُ اللهِ أنه إنَّما تَطلُقُ الزَّوجةُ؛ لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى قالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قالَ: نعَمْ، فقُلتُ له: كِتابُ اللهِ إذا كانَ -كما زَعمْنا وزعمْتَ- يَدلُّ على أنها ليسَتْ بزَوجةٍ وهي خِلافُ قَولكِم.

أخبَرَنا مُسلمُ بنُ خالدٍ عنِ ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ

الزُّبيرِ أنهُما قالا في المُختلِعةِ يُطلِّقُها زَوجُها قالا: «لا يَلزمُها طلاقٌ؛ لأنه طلَّقَ ما لا يَملكُ»، وأنتَ تَزعمُ أنَّكَ لا تُخالفُ واحِدًا مِنْ أصحابِ النَّبيِّ إلَّا إلى قَولٍ مِثلِه، فخالَفْتَ ابنَ عبَّاسٍ وابنَ الزُّبيرِ معًا وآياتٍ مِنْ كِتابِ اللهِ تعالَى ما أدرِي لعلَّ أحَدًا لو قالَ مِثلَ قَولكِ هذا لَقُلتُ لهُ: ما يَحلُّ لكَ أنْ تَتكلَّمَ في العِلمِ وأنتَ تَجهلُ أحكامَ اللهِ، ثمَّ قلْتَ فيها قَولًا لو تَخاطَأْتَ فقُلتَه كنتَ قد أحسَنْتَ الخطَأَ وأنتَ تَنسبُ نفْسَكَ إلى النَّظرِ، قالَ: وما هذا القَولُ؟ قُلتُ: زعمْتَ أنه إنْ قالَ للمُختلِعةِ: «أنتِ بَتَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، وخلِّيةٌ» يَنوي الطَّلاقَ لم يَلزمْها الطَّلاقُ، وهذا يَلزمُ الزَّوجةَ، وأنه إنْ آلَى مِنها أو تَظاهرَ أو قذَفَها لم يَلزمْها ما يَلزمُ الزَّوجةَ، وأنه إنْ قالَ: «كلُّ امرَأةٍ لهُ طالقٌ» ولا يَنوِيها ولا غيْرَها طُلِّقَ نِساؤُه ولم تَطلُقْ هي؛ لأنها ليسَتْ بامرَأةٍ لهُ، ثمَّ قُلتَ: وإنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» طَلُقتْ، فكيفَ يُطلِّقُ غيرَ امرَأتَه؟! (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: المُختلِعةُ لا يَلحقُها طَلاقٌ ولا ظِهارٌ ولا إيلاءٌ ولا لِعانٌ؛ لأنَّه لَم يَجعلْ لها سُكنى ولا نَفقةً، ولا يَتوارثانِ، وجعَلَها بخِلافِ الرَّجعيةِ.

وقولُ أبي حَنيفةَ: «إنها يَلحقُها الطَّلاقُ» خِلافُ أقاوِيلِ الفُقهاءِ (٢).

(١) «الأم» (٥/ ١١٥).
(٢) «التمهيد» (٢٣/ ٣٧٧).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: قالَ الشَّافعيُّ رحمة الله عليه: (ولا يَلحقُ المُختلِعةَ طلاقٌ وإنْ كانَتْ في العدَّةِ، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، وقالَ بعضُ النَّاسِ: يَلحقُها الطَّلاقُ في العدَّةِ واحتَجَّ ببَعضِ التَّابعِينَ، واحتجَّ الشَّافعيُّ عليهِ مِنْ القُرآنِ والإجماعِ بما يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لا يَلحقُها بما ذكَرَ اللهُ بينَ الزَّوجَين مِنْ اللِّعانِ والظِّهارِ والإيلاءِ والمِيراثِ والعدَّةِ بوَفاةِ الزَّوجِ، فدلَّتْ خَمسُ آياتٍ مِنْ كتابِ اللهِ تَعالى على أنها ليسَتْ بزَوجةٍ، وإنَّما جعَلَ اللهُ الطَّلاقَ يقعُ على الزَّوجةِ، فخالَفَ القُرآنَ والأثَرَ والقياسَ، ثمَّ قَولُه في ذلكَ مُتناقِضٌ، فزعَمَ إنْ قالَ لها: «أنتِ خَلِيَّةٌ، أو بَرِيَّةٌ، أو بَتَّةٌ» يَنوي الطَّلاقَ أنه لا يَلحقُها طَلاقٌ، فإنْ قالَ: «كلُّ امَرأةٍ لي طالقٌ» لا يَنويها ولا غيْرَها طُلِّقَ نِساؤُه دُونها، ولو قالَ لها: «أنتِ طَالقٌ طلُقَتْ»، فكيفَ يطلِّقُ غيرَ امرَأتَه؟!).

قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ، إذا خالَعَ زَوجتَه على طَلقةٍ أو طلقتَينِ وبقيَتْ على واحِدةٍ أو اثنتَينِ ثمَّ طلَّقَها في العدَّةِ لم يقَعْ طَلاقُه، سَواءٌ طلَّقَها بصَريحِ الطَّلاقِ أو بكِنايتِه، وسَواءٌ عجَّلَ ذلكَ في العدَّةِ أو بعدَ العدَّةِ، وبهِ قالَ مِنْ الصَّحابةِ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبيرِ، ومِن التَّابعينَ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، ومِن الفُقهاءِ أحمَدُ وإسحاقُ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ طلَّقَها في العدَّةِ بصَريحِ الطَّلاقِ وقَعَ طَلاقُه، وإنْ

طلَّقَها بكِنايةِ الطَّلاقِ -كقَولِه: «أنتِ بائنٌ، أو حَرامٌ»، أو على صِفةٍ كقَولِه: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْها، أو قالَ: «كلُّ نِسائي طوالِقٌ» - لم تُطلَّقْ في هذهِ الأحوالِ الثَّلاثِ.

وقالَ مالِكٌ: إنْ طلَّقَها عَقِيبَ خُلعِه حتَّى اتَّصل طَلاقُه بخُلعِه طُلِّقَتْ، وإنِ انفَصلَ عن خُلعِه لَم تُطلَّقْ.

وقالَ الحسَنُ البَصريُّ: إنْ طلَّقَها في مَجلسِ خُلعِه طلِّقَتْ، وإنْ طلَّقَها في غيرِه لم تطلَّقْ، واستَدلَّ مَنْ نصَرَ قولَ أبي حَنيفةَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يُريدُ الخُلعَ، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فدلَّ على أنَّ الطَّلاقَ بعْدَ الخُلعِ واقِعٌ.

ورَوى أبو يُوسفَ في «أمالِيه» عَنْ النَّبيِّ أنه قالَ: «المُختلِعةُ يَلحقُها الطَّلاقُ ما دامَتْ في العدَّةِ»، ولأنها مُعتدَّةٌ مِنْ طَلاقٍ فوجَبَ أنْ يَلحقَها ما بَقيَ مِنْ عَددِ الطَّلاقِ كالرَّجعيةِ، ولأنَّ الطَّلاقَ كالعتقِ؛ لسَراينِهما وجَوازِ أخذِ العوضِ عليهما، والخُلعُ كالكتابةِ؛ لثُبوتِ العِوضِ فيهما، ثمَّ ثبَتَ أنَّ المُكاتَبَ إذا أُعتقَ صحَّ عِتقُه؛ لبَقايا أحكامِ المِلكِ، وجَبَ إذا طلَّقَتِ المُختلِعةُ أنْ يَصحَّ طَلاقُها؛ لِبَقايا أحكامِ النِّكاحِ، ولأنَّ المُختلِعةَ كالمُتظاهَرِ منها؛ لِتَحريمِها وبقايا أحكامِ نِكاحِها، فلمَّا صَحَّ طلاقُ المُتظاهَرِ منها وجَبَ أنْ يَصحَّ طلاقُ المُختلِعةِ.

ودَليلُنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فجعَلَ التَّسريحَ لِمَنْ له الإمساكُ، فلمَّا لم يَكنْ لزَوجِ المُختلِعةِ إمساكُها لم يَكنْ بهِ تَسريحُها وطَلاقُها، ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنه مَرويٌّ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وعبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، وليسَ لهُما مُخالِفٌ، ولأنَّ الطَّلاقَ إذا لم يَرفعْ نِكاحًا ولم يُسقِطْ رَجعةً كانَ مُطَّرِحًا كالمُطلَّقةِ بعدَ العدَّةِ، ولأنها امرَأةٌ لا تَحلُّ لهُ إلَّا بنكاحٍ جَديدٍ، فلمْ يَلحقْها طلاقُه كالأجنبيَّةِ.

فإنْ قيلَ: الأجنبيَّةُ ليسَ بيْنَها وبينَهُ شيءٌ مِنْ أحكامِ النِّكاحِ، فلمْ يَلحقْها الطَّلاقُ، والمُختلِعةُ يَجري عليها مِنْ أحكامِ النِّكاحِ وُجوبُ العِدَّةِ واستِحقاقُ السُّكنى ولُحوقُ النَّسبِ، فجازَ أنْ يَلحقَها الطَّلاقُ.

فالجَوابُ عنهُ: أنَّ وُجوبَ العدَّةِ ولُحوقَ النَّسبِ مِنْ أحكامِ الوطءِ دُونَ النِّكاحِ، ألَا تَرى لو طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ لَم تَعتدَّ، ولو طلَّقَها عَقبَ نِكاحِه فقالَ: «قد قَبلْتُ نكاحِها هي طالِقٌ» لم يُلحقْ بهِ الوَلدُ، ولو وطِئَها بشُبهةٍ مِنْ غيرِ نكاحِ وجبَتْ عليها العدَّةُ ولُحِقَ بهِ الوَلدُ، فدلَّ على أنَّ العدَّةَ ولُحوقَ النَّسبِ مِنْ أحكامِ الوَطءِ دُونَ النِّكاحِ، وليسَ كذلكَ الطَّلاقُ؛ لأنه مِنْ أحكامِ النِّكاحِ دُونَ الوَطءِ … (١).

(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٦، ١٧).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يَقعُ بالمُعتدَّةِ مِنْ الخُلعِ طَلاقٌ ولو واجَهَها بهِ).

وجُملةُ ذلكَ أنَّ المُختلِعةَ لا يَلحقُها طَلاقٌ بحالٍ، وبهِ قالَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ الزُّبيرِ وعِكرمةُ وجابرُ بنُ زيدٍ والحسَنُ والشَّعبيُّ ومالكٌ والشَّافعيُّ وإسحاقُ وأبو ثورٍ، وحُكيَ عن أبي حَنيفةَ أنه يَلحقُها الطَّلاقُ الصَّريحُ المعيَّنُ دونَ الكِنايةِ والطَّلاقِ المُرسَلِ، وهو أنْ يقولَ: «كلُّ امرأةٍ لي طالقٌ»، ورُويَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وشُرَيحٍ وطاوُسٍ والنَّخَعيِّ والزُّهريِّ والحكَمِ وحَمَّادٍ والثَّوريِّ؛ لِمَا رُويَ عنِ النَّبيِ أنه قالَ: «المُختلِعةُ يَلحقُها الطَّلاقُ ما دامَتْ في العدَّةِ».

ولنا: أنه قَولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبيرِ، ولا نَعرفُ لهُما مُخالِفًا في عصْرِهما، ولأنها لا تَحلُّ له إلَّا بنِكاحٍ جَديدٍ، فلم يَلحقْها طَلاقُه كالمُطلَّقةِ قبلَ الدُّخولِ أو المُنقضيةِ عدَّتُها، ولأنه لا يَملكُ بُضعَها، فلم يَلحقْها طلاقُه كالأجنبيَّةِ، ولأنها لا يَقعُ بها الطَّلاقُ المُرسَلُ ولا تَطلُقُ بالكِنايةِ، فلم يَلحقْها الصَّريحُ المعيَّنُ كما قبلَ الدُّخولِ، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يواجِهَها به فيقولَ: «أنتِ طالِقٌ»، أو لا يُواجِهَها به مثلَ أنْ يقولَ: «فلانَةُ طالِقٌ»، وحَديثُهم لا نَعرفُ له أصلًا ولا ذكَرَه أصحابُ السُّننِ (١).

(١) «المغني» (٧/ ٢٥١).

وذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ المُختلِعةَ يَلحقُها صَريحُ الطلاق؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يَعنِي الخُلعَ، ثمَّ قالَ تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] والفاءُ للتَّعقيبِ، فهو نَصٌّ على وُقوعِ الثَّالثةِ بعدَ الخُلعِ مرَّتينِ.

ولِما رُويَ مَرفوعًا: «المُختلِعةُ يَلحقُها صَريحُ الطَّلاقِ ما دامَتْ في العدَّةِ» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ، ولأنها بالخُلعِ والإبانةِ لم تَخرجْ مِنْ أنْ تكونَ مَحلًّا للطَّلاقِ؛ لأنَّ حُكمَ الطَّلاقِ إنْ كانَ ما يُنبئُ عنهُ اللَّفظُ لُغةً -وهو الانطِلاقُ والتَّخلِّي وزَوالُ القَيدِ- فهي مَحلٌّ لذلكَ؛ لأنها مُقيَّدةٌ في حالِ العدَّةِ؛ لأنها مَمنوعةٌ عن الخُروجِ والبُروزِ والتَّزوجِ بزَوجٍ آخَرَ، والقَيدُ هو المَنعُ، وإنْ كانَ ما لا يُنبئُ عَنه اللَّفظُ لُغةً -وهو زَوالُ حلِّ المَحلِّيةِ شَرعًا- فحِلُّ المحلِّيةِ قائِمٌ؛ لأنَّه لا يَزولُ إلَّا بالطَّلقاتِ الثَّلاثِ ولم تُوجَدْ، فكانَتِ المُبانةُ والمُختلِعةُ محلَّينِ للطَّلاقِ.

ولو قالَ لها الكِناياتِ الَّتي يقَعُ بها الرَّجعيُّ مثلَ: «اعتَدَّي، استَبْرئِي رَحِمَكِ، أنتِ واحِدةٌ» يَنوي الطَّلاقَ يَقعُ عليها طَلقةٌ بائِنةٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ خِلافًا لمُحمدٍ (٢).

(١) قالَ ابنُ الجَوزيِّ في «التَّحقيق في أحاديثِ الخِلافِ» (٢/ ٢٩٥): هذا حَديثٌ مَوضوعٌ لا أصلَ لهُ.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٦٧)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٩٦)، و «المبسوط» (٦/ ٨٤)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ١٣٥)، و «شرح فتح القدير» (٣/ ١٤٧) (٤/ ٧٤)، و «تبيين الحقائق» (٢/ ٢١٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطلاق
فصل في حكم الإيلاء

فِي الْجِمَاعِ لِيَكُونَ إزَالَةُ هَذَا الظُّلْمِ بِقَدْرِ الظُّلْمِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِ الْعِلَّةِ.

وَأَمَّا وَقْتُ الْفَيْءِ فَالْفَيْءُ عِنْدَنَا فِي الْمُدَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا حُرِّيَّةُ الْمُولِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ إيلَائِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكِ، أَوْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُك فَعَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ، أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ يَصِحُّ إيلَاؤُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَبْهَا تَبِينُ مِنْهُ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ قَرِبَهَا فَفِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالصَّوْمِ، وَفِي غَيْرِهَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ الْمَذْكُورُ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَحْلِفُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ بِأَنْ قَالَ: إنْ قَرِبْتُكِ فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الطلاق)
(باب الإيلاء)

(باب الإيلاء)

(مختصر من الجامع من كتاب الإيلاء قديم وجديد والإملاء وما دخل فيه من الأمالي)

(على مسائل مالك ومن مسائل ابن القاسم من إباحة الطلاق وغير ذلك)

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} الآية البقرة: ٢٢٦ ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْإِيلَاءُ فِي كَلَامِهِمْ فَهُوَ الْحَلِفُ، يُقَالُ آلَى يُولِي إِيلَاءً فَهُوَ مُولٍ إِذَا حَلَفَ فَالْإِيلَاءُ الْمَصْدَرُ، وَآلَى أَلِيَّةً الِاسْمُ.

قَالَ جَرِيرٌ:

(وَلَا خَيْرَ فِي مَالٍ عَلَيْهِ أَلِيَّةٌ ... وَلَا فِي يَمِينٍ عُقِدَتْ بِالْمَآثِمِ)

وَجَمْعُ الْأَلِيَّةِ آلَايَا، قَالَ الشَّاعِرُ.

(قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ ... وَإِنْ بَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتِ)

فَإِنِ اشْتَقَقْتَ الِافْتِعَالَ مِنَ الْأَلِيَّةِ قُلْتَ أَيْتَلَى يَأْتَلِي إِيتِلَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} النور: ٢٢ .

فالإيلاء فِي اللُّغَةِ هِيَ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِهَا حَالِفٌ عَلَى زَوْجَةٍ، أَوْ غَيْرِ زَوْجَةٍ فِي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ.

فَأَمَّا الْإِيلَاءُ فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا مُدَّةً يَصِيرُ بِهَا مُولِيًا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

(فَصْلٌ:)

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الإيلاء
١٣٠٢ - مسألة؛ قال: (فمتى قدر، فلم يفعل، أمر بالطلاق)

وأنْكَرَ ذلك، لم يكُنْ لها المُطالبةُ بضرْبِ مُدَّةِ العُنَّةِ، لاعْترافِها بِعَدَمِ عُنَّتِه، والقولُ قولُه فى عَدَمِ الإِصابةِ.

١٣٠٢ - مسألة؛ قال: (فَمَتَى قَدَرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، أُمِرَ بالطَّلَاقِ)

وجملةُ الأمرِ أَنَّ المُولِىَ إذا وُقِفَ، وطولِبَ بالْفَيْئةِ وهو قادرٌ عليها، فلم يفْعَلْ، أُمِرَ بالطَّلاقِ. وهذا قولُ كلِّ مَنْ يقولُ: يُوقَفُ المُولِى؛ لِأنَّ اللَّهَ تعالى قال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . فإذا امتنع مِن أداءِ الواجبِ عليه، فقد امتنعَ مِن الإِمْساكِ بالمعروفِ، فَيُؤْمَرُ بالتَّسْريحِ بالإِحْسانِ. وإِنْ كان مَعْذورًا، ففاءَ بلسانِه، ثم قَدَرَ على الوَطْءِ، أُمِرَ به، فإنْ فعلَ، وإلَّا أُمِرَ بالطَّلاقِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو بكرٍ: إذا فاءَ بلسانِه، لم يُطالَبْ بالفيئةِ مرَّةً أُخْرَى، وخَرَجَ من الإِيلاءِ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والأوْزاعِىِّ؛ لِأنَّه فاءَ مَرَّةً، فخَرَجَ من الإِيلاءِ، ولم تَلْزَمْه فَيْئةٌ ثانيةٌ، كما لو فاءَ بالوَطْءِ. وقال أبو حَنِيفَةَ: تُسْتَأنَفُ له مدَّةُ الإِيلاءِ؛ لِأنَّه وَفَّاها حقَّها بما أَمْكَنَه من الفَيْئَةِ، فلا يُطالَبُ إلَّا بعدَ اسْتِئْنافِ مُدَّةِ الإِيلاءِ، كما لو طَلَّقَها. ولَنا، أنَّه أَخَّرَ حقَّها لِعجزِه عنه، فإذا قدَرَ عليه، لَزِمَه أن يوفِّيَها إيَّاهُ، كالدَّيْنِ على المُعْسِرِ إذا قَدَرَ عليه. وما ذكروه فليس بحقِّها، ولا يزُولُ الضَّرَرُ عنها به، وإنَّما وَعَدَها بالوفاءِ، ولَزِمَها الصَّبْرُ عليه وإنْظارُه كالغريمِ المُعْسرِ.

فصل: وليس على مَنْ فاءَ بلسانِه كفَّارةٌ، ولا حِنْثٌ؛ لِأنَّه لم يفعل المَحْلوفَ عليه، وإنَّما وَعَدَ بفعلِه، فهو كَمَنْ عليه دَيْنٌ حَلَفَ أن لا يُوَفِّيَه، ثمَّ أَعْسَرَ به، فقال: متى قَدَرْتُ وَفَّيْتُه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 596 - 604

ارجع إلى خيار الشرط في الخلع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل